وهم الهندسة السياسية..سيناريوهات إيران ما بعد الصدمة

عبدالسلام فاروق- صحفي مصري 

عندما تسقط الصواريخ ، يسق معها القناع عن وجه الحقيقة.

 في خضم الصراع الدائر في إيران اليوم ، يظل التحليل السياسي الرشيد مرتهناً بالاعتراف المزدوج بحدود المعرفة وسط “ضباب الحرب” من جهة، وبأولوية التساؤل النقدي حول الغايات الكبرى للفعل العسكري من جهة أخرى. فالجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز، يقدم لنا تذكيراً ضرورياً بأن اليقين المطلق في ميادين القتال وهم خطير. لكن الأكثر خطورة منه هو اليقين المفرط في قدرتنا على إعادة تشكيل مجتمعات بأكملها من قمرة القيادة، أو ما يمكن تسميته بـ “وهم الهندسة السياسية عن بعد”!.

لقد حققت القوات الأمريكية والإسرائيلية، بالفعل، إنجازاً عسكرياً تكتيكياً لا يمكن إنكاره خلال الأيام الأولى من حملتها الجوية على إيران. السيطرة الجوية شبه الكاملة التي تم تحقيقها، والتي تمكن خلالها الطيران من ضرب أهداف في العمق الإيراني بطائرات متنوعة، هي تفوق لم يستطع الروس بلوغه في أوكرانيا بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب. الضربات التي استهدفت مجمعات صاروخية وهياكل القيادة والسيطرة، بل وحتى اجتماعاً قيادياً رفيعاً أسفر عن مقتل كل من كان فيه بمن فيهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، تظهر مدى الدقة والاختراق الاستخباراتي غير المسبوقين .

هذا المشهد يطرح سؤالا مركزيا هل يمكن لهذا التفوق الجوي أن يترجم إلى نصر سياسي استراتيجي، أم أننا أمام تكرار لمأساة 1991 العراقية أو 1956 المجرية، حيث تركت الشعوب المنتفضة لمواجهة مصيرها؟

هذا يقودنا إلي جوهر المشكلة وهو الخلط بين القدرة على التدمير والقدرة على البناء السياسي. فما تقوم به الحملة العسكرية الحالية، رغم فعاليتها، تندرج في إطار الأولى. استهداف قدرات الحرس الثوري، وتدمير قواعد بحرية في تشابهار وبندر عباس، وإغراق فرقاطات إيرانية، هي ضربات موجعة تقلل من القدرات الردعية للنظام . لكنها، بمعزل عن قوة برية فاعلة، لا تشكل بحد ذاتها استراتيجية خروج من النفق المظلم للحكم الثيوقراطي.

القراءة المتأنية لتصريحات الرئيس ترامب، الذي يدعو الإيرانيين إلى “الاستيلاء على حكومتكم”، تكشف عن تناقض صارخ. فمن ناحية، هناك إدراك ضمني أن الحل لا يمكن أن يأتي فقط من الخارج، وأن الشعب الإيراني هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره. ومن ناحية أخرى، فإن شن حرب بهدف تليين النظام تمهيداً لانتفاضة شعبية هو مقامرة كبرى تستند إلى قراءة خاطئة لتاريخ التدخلات الغربية في المنطقة. التجربة الأميركية في العراق عام 2003، والتي بدأت بوعود بالتحرير وانتهت بحرب أهلية طائفية دامية، تظل شاهدة على أن تدمير هيكل الدولة القمعي من دون بديل واضح ومتماسك يخلق فراغاً هو أخطر من القمع نفسه.

اللافت هنا هو التشابه الصادم بين ما يحدث اليوم في إيران وما حدث في العراق بعد الغزو. في الحالتين، تم تدمير المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة (الجيش العراقي سابقاً، والحرس الثوري حالياً) دون أن يكون هناك مشروع سياسي بديل قادر على ملء الفراغ. النتيجة المحتملة، كما يشير العديد من الباحثين ، هي إما فوضى عارمة أو بروز قيادة انتقالية من داخل النظام نفسه، كما حدث في فنزويلا عندما خلف نيكولاس مادورو هوجو تشافيز، أو كما حدث في مصر بعد 2013 عندما استعادت المؤسسة العسكرية زمام المبادرة.

على الجانب الآخر من المعادلة، يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية للرد تركز على هدفين رئيسيين: الأول هو إظهار القدرة على الردع من خلال استهداف دول الخليج، والثاني هو محاولة خلق شرخ بين واشنطن وحلفائها العرب. الهجمات على مطارات ومنشآت نفطية في الإمارات وقطر، والتي تجاوزت كونها رداً على الضربات الأميركية إلى كونها رسالة واضحة لأبوظبي والدوحة، تهدف إلى رفع كلفة التحالف مع واشنطن على هذه الدول .

لكن حسابات طهران هنا قد تكون خاطئة. فاستهداف البنى التحتية المدنية في دول الخليج، بدلاً من أن يدفعها للضغط على أمريكا لوقف الحرب، قد يدفعها إلى الانخراط بشكل أعمق في الصراع. ما يسمى غضب الخليج من إيران، قد يتحول إلى موافقة ضمنية أو علنية على استخدام أراضي هذه الدول لشن ضربات هجومية، وليس فقط دفاعية. هذه هي مفارقة الضربات الإيرانية محاولة معاقبة الخليجيين قد تؤدي إلى دمجهم كاملًا في التحالف المناهض لطهران.

هناك أيضاً نقطة غائبة عن الكثيرين حتى الآن وهي سلاح الحوثيين. فعدم انخراطهم الكبير في العمليات حتى لحظة كتابة هذه السطور لا يعني أنهم سيبقون على الحياد. إذ أن إعادة فتح جبهة باب المندب، كما حدث في 2025، سيعيد شل حركة التجارة العالمية ويضاعف الضغط على الاقتصاد العالمي، مما قد يحول الصراع الإقليمي إلى أزمة دولية كبرى .

درس العراق والمجر

ولعل أكثر ما يثير القلق في الخطاب الأمريكي الراهن هو استدعاء ذاكرة مؤلمة لشعوب المنطقة ذاكرة الخيانة. ففي عام 1991، شجع الرئيس جورج بوش الأب العراقيين على الانتفاض ضد صدام حسين، وعندما فعلوا ذلك، تخلت عنهم واشنطن وسمحت للمروحيات العراقية بقصفهم. وفي عام 1956، شجعت إذاعة أوروبا الحرة المجريين على الثورة ضد السوفييت، ثم تركتهم يواجهون الدبابات وحدهم. هذا التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، إنه جزء من اللاوعي الجمعي لشعوب المنطقة، وهو ما يجعل دعوات ترامب للانتفاض تقابل بتوجس وحذر شديدين.

الشعب الإيراني، الذي خرج في احتجاجات هائلة خلال السنوات الأخيرة وقتل الآلاف منهم، يعرف جيداً أن النظام قادر على القتل دون رحمة. والسؤال الذي يطرحه هؤلاء المحتجون اليوم ليس هو هل نكره النظام؟، بل هل سيكون الغرب معنا حتى النهاية، أم سيتركونا لمذبحة جديدة؟. حتى اللحظة، لا توجد ضمانات واضحة. فغياب القوات البرية يعني أن أي انتفاضة ستواجه وحدها آلة القمع المتبقية من الحرس الثوري والباسيج، وهي آلة لم يتم تدميرها بالكامل بعد.

يبقي السؤال الأكبر ما هو مخرج هذه الأزمة ؟

الاستنتاج الأول الذي يمكن الخروج به هو أن الحملة الجوية نجحت في تحقيق تفوق تكتيكي، لكنها فشلت حتى الآن في تقديم رؤية استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد النظام. التفوق العسكري الجوي يجب أن يتبعه تفوق سياسي على الأرض، وهذا الأخير لا يتحقق إلا عبر مزيج معقد من الدعم الخارجي الذكي والإرادة الداخلية القوية.

الاستنتاج الثاني هو أن دول الخليج أصبحت جزءاً من المعادلة العسكرية، سواء أرادت أم أبت. استهدافها المباشر من قبل إيران سحبها من دائرة المراقب إلى دائرة الطرف المنخرط. وهذا يحتم على قادة هذه الدول، خاصة السعودية والإمارات، أن يبدأوا حواراً استراتيجياً مع واشنطن حول شكل النظام الإيراني البديل الذي يرغبون فيه، وليس فقط حول كيفية الدفاع عن أنفسهم.

الاستنتاج الثالث والأخير هو أن خيار العودة إلى الدبلوماسية يجب أن يبقى مفتوحاً، حتى في خضم المعركة. الرئيس ترامب نفسه أشار إلى استعداده للتفاوض مع قيادة إيرانية جديدة. هذا يعني أن الهدف ليس تدمير إيران كدولة، إنما تغيير سلوكها الإقليمي ونظام حكمها. إذا كان التغيير ممكناً عبر مزيج من الضغط العسكري والحوار السياسي، مع ضمانات دولية بعدم تكرار سيناريو 1991، فإن المنطقة قد تكون على أبواب تحول تاريخي حقيقي. لكن إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، مع ضربات جوية هنا وهناك وخطاب ملتهب هناك، فإننا سنكون أمام حرب استنزاف طويلة لن يكون المنتصر فيها سوى قوى الظلام والرجعية، في إيران وخارجها.

abdelsalamfarouk@yahoo.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى