عبدالفتاح الجبالي يكتب.. المدخرات المحلية… قضية منسية!!

أشار تقرير متابعة الأداء الإقتصادى والإجتماعى خلال العام المالى 2024/2025 والصادر عن وزارة التخطيط والتنمية الإقتصادية، إلى أن معدل الإدخار المحلى قد هبط إلى 1.2% خلال العام مقارنة بنحو 14.3% عام 2022/2023 ونحو 6.1% عام 2023/2024 وهو معدل ضئيل للغاية. لا يتناسب بأى حال من الأحوال مع معدلات الاستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد وامتصاص البطالة المرتفعة. وأدى ذلك إلى اتساع فجوة الموارد المحلية (وهى عبارة عن الفرق بين معدل الإستثمار البالغ 12.9% ومعدل الإدخار) لتصل إلى 11.7% التى يتم تمويلها من صافى عوائد الدخل فى الخارج (خاصة تحويلات المصريين العاملين بالخارج) وفجوة الموارد الخارجية (المتمثلة فى عجز الميزان الجارى بميزان المدفوعات).

وعلى الرغم من أهمية هذه المسألة وخطورتها فإنها لم تحظ بالإهتمام الكافى فى المجتمع، وخير دليل على ذلك أن «السردية الوطنية للتنمية الشاملة» التى تناولت معظم المشكلات الإقتصادية أغفلت تماما هذا الموضوع الحيوى ولم تتناوله إلا فى حدود نصف صفحة تحت عنوان الفجوة بين الإدخار والإستثمار واكتفت فيه بالإشارة إلى المشكلة دون تحديد واضح لسبل التعامل معها. ويبدو أن ذلك يعود إلى التركيز على الإستثمار الأجنبى المباشر والذى أفردت له السردية فصلا كاملا كبديل للادخار المحلي. وهو ما يحتاج إلى إعادة نظر. فعلى الرغم من أهمية الإستثمار الأجنبى فإنه يولد بعض الأعباء، كما أنها لا تتدفق على اقتصاد ما بالكمية المؤثرة، إلا بعد وصول هذا الإقتصاد إلى حد أدنى من التنمية والنضج الإقتصادي، مما يجعل هذه التدفقات محدودة فى المراحل الأولى للتنمية، بل إن اجتذاب المدخرات الخارجية يتطلب أولا زيادة المدخرات المحلية وتعبئتها فى استثمارات رشيدة ومنتجة. وبالتالى فإن زيادة معدلات النمو تتطلب أولا زيادة المدخرات لتحفيز تكوين رأس المال. وهنا تشير الدراسات العلمية إلى أن هناك علاقة دائرية موجبة بين النمو والإدخار فزيادة الإدخارات تؤدى لزيادة النمو، وكذلك زيادة النمو تؤدى لرفع مستويات الإدخار.

وكلها أمور توضح الأهمية القصوى للادخار المحلى فى العملية التنموية وهو ما جعل الدستور المصرى يفرد له مادة خاصة هى «المادة «39 التى أشارت إلى «ان الإدخار واجب وطنى تحميه الدولة وتشجعه وتضمن المدخرات وفقا لما ينظمه القانون».

ومع تسليمنا الكامل بأن السبب الأساسى يرجع إلى تفاقم عجز الموازنة العامة للدولة والإدخار السلبى للحكومة, إذ تشير الإحصاءات الختامية لمصفوفة تمويل الإستثمار إلى أن القطاع العائلى استطاع تعبئة مدخرات لا بأس بها خلال الفترة الماضية إلا أنها استخدمت فى معظمها لإقراض الحكومة وتمويل عجز الموازنة. وهذا لا ينفى بالطبع ضرورة دراسة التطور فى الإدخار العائلى والذى يشكل الجانب الأكبر من المدخرات المحلية، وغالبا ما يتخذ شكل مساهمات فى صناديق المعاشات أو أشكالا أخرى من الإدخار الإجبارى التى تتحقق بغض النظر عن معدل العائد عليها. وبعبارة أخرى فإن مساهمة القطاع العائلى تأتى أساسا من الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، بالإضافة إلى الإدخار المصرفى وصندوق توفير البريد وبعض أنواع التأمين.

ومن الملاحظ أن هناك تراجعا مستمرا فى معدلات زيادة هذه المدخرات، خاصة لدى توفير البريد وشهادات الإستثمار. ويرجع السبب فى ذلك إلى عدة أمور، أهمها ضعف دخول الأفراد وسوء توزيع ثمار النمو إذ يشير تقرير المتابعة إلى أن بند دخول الملكية قد استحوذ على 67.8% من القيمة المضافة لعام 2024/2025 مقابل 24.2% للأجور والمرتبات و8% للمتحصلات الحكومية، وكان من المفترض أن تؤدى لزيادة المدخرات من جانب هذه الشريحة ولكن يبدو أن الميل للادخار ضعيف لدى الرأسمالية المصرية وعلى العكس يذهب جزء كبير إلى الإستهلاك الترفيهي.

يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات الإكتناز، والإستمرار فى تفضيل التعامل النقدى عن التعامل المصرفي، رغم المحاولات المستمرة للشمول المالي.. ناهيك عن تخلف العادات المصرفية لدى قطاع كبير من الأفراد وعزوفهم عن التعامل مع البنوك، وهو ما يحرم البنوك من جانب لا بأس به من المدخرات نتيجة لتسربها إلى خارج الجهاز المصرفي. كذلك عدم نجاح الجهاز المصرفى حتى الآن، فى تقديم الخدمات المصرفية المطلوبة فى الريف والقري، ولا الوجود بالقرب منهم وفى أماكن يسهل الوصول اليها. فعلى الرغم من توسع البنوك فى إنشاء العديد من الفروع فإنها مازالت لا تتناسب مع عدد السكان من جهة. وأيضا تعانى مشكلة التركز، اما فى القاهرة الكبرى أو بعض المحافظات الحضرية وفى مدن هذه المحافظات ولم تحقق الإنتشار المصرفى المطلوب فى جميع مدن وقرى مصر وبالتالى مازالت البنوك غير قادرة على خدمة المواطنين العاديين والفلاح البسيط، ولم تقم إلا بمبادرات محدودة للغاية لاجتذاب هذه الأموال.

كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى هروب الأفراد من الجهاز المصرفى والذى فشل فى تغذية الروح الإدخارية لدى المواطن العادي. إذ أن المسالة ببساطة تكمن فى كيفية تنظيم وترشيد تدفق المدخرات المالية لدى القطاع العائلى وجذبها داخل دولاب الإقتصاد القومي، وهو ما يتطلب تحقيق مصلحتين الأولى مصلحة الأفراد فى الحصول على العائد المناسب من استثمار هذه الأموال، والثانية ضمان حسن استخدام هذه الموارد بما يعود بالنفع على المجتمع حيث يسهم فى توسيع القاعدة الإنتاجية. وهكذا فإن الإستمرار فى السياسة الحالية يؤدى إلى تراجع المدخرات المحلية رغم الحاجة الملحة إليها. خاصة فى ظل الأوضاع العالمية الراهنة التى أدت إلى تراجع حركة تدفقات الإستثمار الأجنبى المباشر إلى الدول النامية.

نقلا عن مؤسسة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى