مجدي طنطاوي يسأل: لماذا نحب الهلس؟

نحب الهلس لأن الروح، حين تُثقلها الحقائق، تبحث عن نافذة هواء، والهلس هو تلك النافذة التي لا تسأل الداخل عن اسمه، ولا تفتش جيوبه، ولا تطالبه بتبرير وجوده. هو استراحة قصيرة من صرامة المعنى، ومن قسوة الأسئلة الكبرى التي لا تملك إجابات جاهزة.
نحب الهلس لأن العقل، حين يرهقه النظام، يحنّ إلى الفوضى الجميلة؛ فالهلس فوضى بلا دماء، وعبث بلا ثمن ظاهر. هو تمرين على الخفة في عالم يصرّ على الجدية حتى الاختناق.
نحب الهلس لأن الواقع صار ثقيلاً، واللغة صارت محمّلة بالخطب والوعود والشعارات، والهلس لغة خفيفة لا تدّعي الحكمة ولا تزعم النبوغ؛ تضحك ثم تمضي بلا وصايا.
نحب الهلس لأن فيه نوعًا من التمرد الصامت؛ تمردًا على القوالب، وعلى الأدوار المفروضة، وعلى صورة الإنسان الرزين الذي يجب أن يكون عاقلًا طوال الوقت، كأن العقل لا يستريح إلا إذا خالف نفسه.
نحب الهلس لأن الضحك العابر قد يكون أصدق من خطاب طويل، ولأن السخرية أحيانًا أرحم من المواجهة المباشرة، ولأن المزاح قد يقول ما تعجز عنه الخطب والمنابر.
نحب الهلس لأننا نخاف أن نعترف بتعبنا صراحة، فنلجأ إلى الضحك، ونختبئ خلف النكتة، ونواري الانكسار بابتسامة عريضة؛ فالهلس قناع هش، لكنه صالح للبقاء.
نحب الهلس حين يختلط بالحكمة دون أن يشعر بنا أحد، حين يمرّر فكرة عميقة في ثوب بسيط، ويقول الحقيقة وهو يضحك، فلا يعاقبه أحد ولا يصنّفه أحد.
لكن الخطر ليس في حب الهلس، بل في الإقامة الدائمة فيه؛ حين يتحول من استراحة إلى أسلوب حياة، ومن تنفيس إلى هروب، ومن ضحك إلى فراغ. عندها لا يعود الهلس خفيفًا، بل يصبح ثقلًا جديدًا.
نحب الهلس لأننا بشر نضعف ونضحك ونهرب ثم نعود، والمعنى ليس أن نقتل الهلس، بل أن نعرف متى نضحك، ومتى نصمت، ومتى نعود إلى الجد، وقد تعلمنا كيف.