قراءة من الداخل: تحولات المعادلة الاستراتيجية بين مصر والسودان

تمر العلاقات المصرية السودانية خلال هذه الفترة بواحدة من أزهى عصورها، مقارنة بفترات سابقة، ساد فيه المد والجزر بين البلدين، بفعل عوامل كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها تفصيلاً، لكننا سنتطرق في هذا التحليل فقط لبعض الجوانب النفسية التي تراكمت عبر السنوات الماضية، وتمت تغذيتها بشكل مستمر من أطراف مختلفة، لا تريد لمصر والسودان أن يكونا يد بيد أو كتلة واحدة، فالسودان إلى جانب مصر يمثلان قوة إقليمية تستطيع أن تغيير موازين القوة في المنطقة ككل.

ويجمع المحللون على أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أثبت قدرة كبيرة على تقديم قراءة دقيقة للمشهد الاستراتيجي في المنطقة منذ 2001 وحتى الآن، والتعامل مع ما أفرزته البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر من فرص وتحديات مختلفة- قد تمكن من تغيير خريطة العلاقات المصرية السودانية في أقل من سنتين، تمكن خلالها من القفز على كثير من جدران الشك والمفاهيم المغلوطة، التي بناها وروج لها نظام الإنقاذ خلال الثلاثيين سنة الماضية. تأسيسا على ما سبق، يمكن طرح التساؤل التالي، وهو: ما هو واقع العلاقات المصرية السودانية، وأهم ملامح الاستراتيجية المتبعة بين البلدين في الوقت الراهن؟.

نظام الإنقاذ وتشكيل الوعي السوداني باتجاه مصر:

كان لفترة حكم جبهة الانقاذ في السودان والذي استمر لقرابة الثلاثين عاماً الأثر البالغ في إعادة تشكيل وتكوين الوعي الشعبي لدي النشأ والشباب في السودان تجاه الدولة المصرية، حيث طغي على العلاقات الثنائية- رغم متانتها ورغم القواسم التاريخية والجيواستراتيجية المشتركة، ورغم حرص مصر خلال تلك الفترة على الممتدة على الإبقاء على العلاقات الودية بين الشعبين المصري والسوداني-  ما يشبه سحابة من الاختلاف الإيديولوجي، بحكم أن توجه جبهة الانقاذ كان توجهاً اسلامياً، حيث عمدت تلك الجبهة وأزرعتها الإعلامية إلى شيطنة القاهرة ووصفها بكل منقصة، وتنشئة الأجيال التي ولدت وشبت أثناء الثلاثة عقود الماضية علي أن القاهرة لا تري في السودان غير غنيمة، تلتهم وتقتنص وتستولي منها علي ما تريده، بدأ بمياه النيل، وانتهاءا بالقرار السوداني،  وأراضي الوطن، حتي أن تلك الجبهة الحاكمة قد عمدت الي استبعاد القاهرة من أي دور في عملية إنهاء الصراع بين شمال السودان وجنوبه، والذي انتهي بالانفصال في 2011.

وكذلك تبنت بالقبول والترويج لسد النهضة الاثيوبي رغم مخاطره الجسيمة، التي قد تنشأ نتيجة عدم وجود اتفاق علي إدارة السد وآليات فض المنازعات، التي قد تنشأ عن تلك الإدارة، باتفاق ملزم، وكل ذلك كان  نكاية في القاهرة، التي شهدت في تلك الفترة ثورة شعبية دعمتها القوات المسلحة لإبعاد الإخوان عن الحكم في 2013، بعد أن ثبت فشلهم في كافة قطاعات الدولة المصرية، علاوة على محاولتهم تغيير الهوية المصرية لصالح أجندة التمكين ولصالح مشروع أكبر كانت ترعاه دول إقليمية وقوى دولية.  وهو ما أزعج نظام جبهة الإنقاذ في تلك الفترة، الذي كان يأمل في استكمال وربما إعلان المشروع الإسلامي للعالم.

مصر وتغيير معادلة العلاقات الاستراتيجية مع السودان:

ولأن السودان رقماً يصعب تجاوزه في منظومة الأمن القومي العربي بصفة عامة والمصري علي وجه الخصوص وأهميته بالنسبة للقاهرة بحكم وقوعه كبوابة للعمق الأفريقي، وشريك مهم في ملف المياه، بالإضافة لشراكة في الحدود وعملية تأمين البحر الأحمر، كان علي القاهرة مواجهة تلك النظرة المغلوطة التي حاولت تلك الجبهة تأصيلها في النفس الشعبية السودانية، ورغم صعوبة مواجهة ذلك التأصيل الذي استمر لأكثر من ثلاثون عاماً، إلا أن القاهرة استطاعت حلحلة تلك النظرة إلي أن تكتسي بالايجابية خلال الفترة الماضية- ويمكن تحديد أهم ملامح استراتيجية التعاون بين البلدين على النحو التالي:

(*) الموقف المصري من التعدي الإثيوبي علي الأراضي السودانية: علي إثر تغاضي جبهة الإنقاذ الحاكمة في السودان عن احتلال اثيوبيا لمثلث الفشقة السوداني الواسع ، بل وقتل السودانيين ونهب محاصيلهم واغتصاب وقتل نسائهم في تلك المنطقة، عن طريق عصابات الشيفته الاثيوبية والمدعومة من الجيش الإثيوبي, توسعت تلك المليشيات في نهب أراضي السودانيين، حتي باتت علي مشارف مدينة القضارف السودانية, وعلي إثر قتل مجموعة من العسكريين السودانيين في كمين نصبته تلك المليشيات الاثيوبية أثناء محاولة هؤلاء العسكريين من قوات الدفاع الشعبي السوداني مطاردة مجموعة من القتلة الاثيوبيين هاج الرأى الشعبي السوداني من جراء هذا الحادث، الذي قفز بملف الحدود المنهوبة إلى سطح العلاقات الاثيوبية السودانية، التي حاولت تلك الجبهة المخلوعة وأبواقها اتخاذها بديلاً شريفاً عن القاهرة فظهرت اللجان الإخوانية الالكترونية روجت لشعارات مثل ”  اثيوسودان واخت بلادي” لدي الشباب السوداني , إلا أن تعامل إثيوبيا مع ملف الحدود وإصراها علي سرقة أراضي السودان الثابت سودانيتها بمعاهدة 1902 واعتراف القادة الاثيوبيين السابقين علي أبي أحمد، جعل الشارع السوداني يكتشف حقيقة تلك العلاقة التي كانت لصالح اثيوبيا،  وما كانت شعارات الإخاء ووحدة اللون والمصير سوي الهاء للسودانيين عن ما سرقته وتسرقه اثيوبيا من أراضي ومحاصيل، تدر ملايين الدولارات سنويا للخزينة الاثيوبية علي حساب اخت بلادي

كان موقف القاهرة واضحاً وباتاً بالمساندة والتأييد للموقف السوداني لعدة عوامل لعل أهمها: التأكيد علي صحيح معاهدة 1902 والتي لها موقف واضح ومؤيد للموقف السوداني المصري فيما يخص ملف مياة النيل، وكذلك سلامة الموقف السوداني وعامل المصير المشترك، الذي يبرز التاخي الشعبي بعيدا عن السياسة وتقلباتها.

(*) تطوير التعاون العسكري: ينظر السودان بإعجاب للتجربة المصرية في مجال التصنيع العسكري، حيث أصبحت القاهرة تنتج العديد من الآليات العسكرية المهمة خاصة في الحرب البرية التي تتناسب مع جغرافية المنطقة، وطبيعة مسارح العمليات التي تخوضها القوات المسلحة السودانية، من تلك الآليات علي سبيل المثال :-

(&) المدرعة فهد المذودة بقذائف هاون 120 م وقاذف ثنائي حامل للصواريخ المضادة للدروع بمدي 5000 متر وتقبل التزود ببرج مدفعي 30 م وسرعتها 100 ك ساعه وبمزودة ايضا بنظام حماية ضد الحرب البيولوجية والكيميائية واجهزة الرؤية الليلية وتلزم دول مثل السودان في حروبها ضد المليشيات المسلحة

(&) المدرعة تمساح وهي تنقل حولي 6 جنود ومقاومة للالغام وبها برج ورشاش عيار 7.5 م وقاذف قنابل عيار 40 م وتنتج مصر منها عدة نسخ تمساح وتمساح 2 وتمساح 3.

(&) المدرعة سيناء 200 والملقبة بالوحش المصري 100ST صائد الدبابات وتستخدم في التدخل السريع وتحمل اسلحة قوية مثل صواريخ مضادة للطائرات واخري مضادة للدبابات وراجمة صواريخ وحاملة هاون وصواريخ ارض ارض وتصل سرعتها 120 ك ساعة

(&) الدبابة M1A1 وتمتلك القدرة علي تدمير أي أهداف متحركة علي بعد 5000متر

(&) الطائرة المسيرة باتريك وهولوبوسيل وتنتجها القاهرة بالتعاون مع بيلاروسيا منذ حوالي عام وتطير لمدة طيران تصل من 6 الي 12 ساعه متصلة تراقب وتصور وتشتبك وتحمل متفجرات وصواريخ وكذلك مسيرات هرم وقائد وهي مصرية 100%وهي تعمل الان علي الحدود الليبية وكذلك في عمق سيناء وكان لها اثر بالغ في دحر الارهاب هناك.

 تأسيساً على ما سبق، تستطيع القاهرة الإسهام القوي في تنويع وتحديث قدرات الجيش السوداني وتحسين قدراته علي  القيام بالعمليات العسكرية التي قد يكلف بها. خاصة في ظل الظروف المحيطة به حاليا.

وفق هذه الرؤية أيضاً جاءت مناورات نسور النيل 1 نوفمبر 2020 لتأكد علي تجذر العلاقات العسكرية بين البلدين، وتأكد أيضا علي جاهزية الجيشين للتعامل مع ما يستجد من تهديدات للمصالح التي تخص البلدين، ثم توجت تلك العلاقات بتوقيع اتفاق عسكري بين القاهرة والخرطوم في مارس 2021 بالخرطوم، والذي نص علي تكفل القاهرة بكافة أنواع الدعم العسكري الذي قد تحتاجه الخرطوم وقت حاجتها إليه، وذلك بخلاف الدعم اللوجيستي المستمر منذ قيام ثورة ديسمبر بالسودان، كذلك تضمن الاتفاق أن تضمن القاهرة تحقيق الأمن القومي للبلدين، وبناء القوات المسلحة التي تمتلك التجارب والخبرة والقدرة علي مواجهة اي اعتداء ومكافحة الارهاب وقيام الصناعات العسكرية وضمان تحقيق التوازن العسكري في المنطقة، حيث سيحقق هذا الاتفاق إعادة التوازن في ميزان القوي في منطقة القرن الافريقي، لاسيما بعد التغيرات الأخيرة في العلاقات بين اثيوبيا وإريتريا والصومال.

(*) دعم القاهرة للحكومة السودانية لإنجاح الفترة الانتقالية: وذلك من أجل اكتساب ثقة الشعب السوداني، بابراز قدراته علي حماية التراب الوطني، والتفافه حوله، وتقوية اللحمة الشعبية بين أطياف الشعب، وتعزيز مكانة الدولة داخلياً وخارجياً، والقدرة علي مواجهة الحركات الانفصالية المسلحة، بالتاكيد علي ما تم من ترتيبات أمنية كاتفاق جوبا للسلام وكذلك ملئ الفراغ التي أحدثته انسحاب بعثة الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام “يوناميد” في اقليم دار فور .

(*)  التكامل الاقتصادي: بعد رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب الأمريكية، تسعي الخرطوم جاهدة للاندماج في الاقتصاد العالمي، في محاولة لعلاج مشكلاتها الاقتصادية القوية ونيل ثقة ودعم المؤسسات الدولية المانحة، لذلك ستكون فرص تفعيل اتفاقيات التعاون والتكامل الاقتصادي مع القاهرة قوية، كاتفاق الحريات الأربع  الذي من شأنه تعزيز الروابط الإنسانية بين الشعبين، وتنويع مجالات التجارة البينية واجراء المقايضة التجارية كاجراء تكاملي، وكذلك اتفاقية المد الكهربائي لمواجهة العجز الكهربائي بالسودان الذي يصل الي حوالي 600 ميجا وات وهو ما يقلبه من فائض مصري يسهل عملية التكامل في هذا الامر.

ختاماً نؤكد أن مصر والسودان يسيران بخطى ثابتة باتجاه التأسيس لعلاقات استراتيجية متينة خلال الفترة القادمة، وفق خط واحد رسمته التحديات للمصير المشترك بين شعبي وادي النيل، تحديات سد النهضة، وتحديات الاعتداء على سيادة السودان، وتحديات الإرهاب والجماعات المسلحة، كما رسمته الكثير من الفرص منها مستقبل التنمية والتعاون الاقتصادي بين البلدين، ومستقبل التعاون العسكري، ومستقبل الإندماج بين البلدين ، ورغم كل ذلك سيظل الطريق به بعض العقبات التي زرعها نظام الإنقاذ البائد، التي تحتاج من قيادة البلدين لإرادة قوية لتجاوزها والتخلص منها، نحو بناء مرحلة جديدة من الثقة والتعاون ، لكن في كل الأحوال لابد أن تضع الإدارة المصرية تحت أعينها عملية تحديث وتوجية وبناء استراتيجية إعلامية، بأساليب علمية ممنهجة يضطلع بمنابرها باحثين متخصصين لمخاطبة الرأى العام، خاصة في الداخل السوداني، لبناء وتدعيم الأواصر الأخوية المتينه بين الشعبين، وتجاوز كافة الإشكاليات النفسية التي يستخدمها البعض لتعطيل قطار العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسودان.

د. عبد الناصر مأمون

المشرف على وحدة الأمن الإقليمي -حاصل على دكتوراه العلاقات الدولية كلية الدراسات الأفريقية العليا. -حاصل على ماجستير العلوم السياسية جامعة القاهرة. -باحث مشارك المؤتمر الدولى حول تحقيق التنمية المستدامة في أفريقيا. -باحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي بجامعة القاهرة حول الأمن في أفريقيا. -محلل زائر في الشأن الأفريقي لدى العديد من القنوات الفضائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى