كيف يواجه “ماكرون” نفوذ روسيا في إفريقيا؟

يشهد النفوذ الفرنسي في أفريقيا تراجعًا ملحوظًا، خاصة في منطقة الساحل. فمع تصاعد التوتر في العلاقات بين باريس ودول المنطقة منذ نهاية عام 2022، اضطرت العديد من الدول الأفريقية إلى إنهاء الاتفاقيات العسكرية التي كانت أساسًا للوجود الفرنسي على أراضيها. وقد أسفر ذلك عن مغادرة الجيش الفرنسي للمنطقة، واتجاه العديد من دول القارة نحو روسيا. الأمر الذي أثار غضب ماكرون، الذي يرى أن باريس تفقد نفوذها في منطقة كانت تعتبرها حليفًا استراتيجيًا، وهاجم سياسات الرئيس بوتين في القارة الأفريقية.
من المستعمر إلى المنبوذ:
“يبدو أن إيمانويل ماكرون يشعر بالقلق من إمكانية توصل الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق دون مشاركة أوروبا، ويسعى في الوقت نفسه إلى إيجاد حل سياسي يحافظ على مكانة أوروبا في ظل التغيرات الدولية، ويحافظ في الوقت ذاته على مصالحها ومكانتها الجيوسياسية.
ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن الرئيس ماكرون عقد اجتماعات غير رسمية مع الزعماء الأوروبيين في بداية الأسبوع، ومحادثات مع الأحزاب السياسية في البلاد يوم الخميس 20 فبراير؛ لمناقشة السياق الجيوسياسي عقب التقارب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وروسيا، ويعتزم الرئيس الفرنسي استغلال فرصة زيارته المرتقبة -يوم الاثنين المقبل- إلى البيت الأبيض لمحاولة إقناع الرئيس دونالد ترامب بالتوافق مع الحلفاء الأوروبيين.
وذكر ماكرون في بث مباشر على حساباته الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت لاحق من يوم الخميس، “للإجابة على أسئلة الشعب الفرنسي بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي.وحجم التهديد القادم من الكرملين، أن روسيا “عدوانية” تجاه أوروبا. متحدثًا عن قوة الجيش الروسي، وعلاقاتها مع إيران، ونشرها جنودًا من كوريا الشمالية في أوروبا، وهجماتها السيبرانية، وتهديداتها البحرية والجوية، وحتى أنشطتها في الفضاء. وختم خطابه بالتحذير من “إنها تزعزع استقرارنا، وتهاجم المصالح الفرنسية في أفريقيا”.
من هنا يكمن جوهر الأمر، فالأزمة الفرنسية والأوروبية الحالية في أفريقيا ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة للإرث الاستعماري الذي خلف وراءه أنظمة عميلة، واستنزافًا للموارد، وانتشارًا للقواعد العسكرية. فالفوضى التي تشهدها القارة اليوم هي ثمرة السياسات الاستعمارية التي انتهجتها فرنسا وغيرها من القوى الأوروبية لعقود طويلة.واليوم، لم تعد فرنسا هي صاحبة الكلمة العليا في أفريقيا. فمع ظهور لاعبين جدد مثل الصين وتركيا وروسيا، لم يعد بإمكان باريس التحكم في المشهد الأفريقي كما كان في السابق. هذه القوى الجديدة تتنافس مع فرنسا على النفوذ، مما يضع ماكرون في موقف صعب.
ملامح ممن السياسة الفرنسة في القارة:
تصريحات الرئيس الفرنسي ليست سوى جزء من نمط أوسع من الخطاب الأوروبي المتناقض، الذي يجمع بين المصالح الوطنية والهيمنة الاستعمارية المستمرة. هذا الخطاب المزدوج يكشف عن ازدواجية المعايير الأوروبية، حيث تتحدث أوروبا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي في الواقع تسعى إلى الحفاظ على مصالحها الاستعمارية في أفريقيا، فلا تزال تحتفظ بقواعد عسكرية في أكثر من عشر دول أفريقية حتى بعد طردها من الساحل. إن هذا التناقض يعكس استمرار الهيمنة الاستعمارية بأشكال جديدة، من خلال العقود الاقتصادية عبر الفرنك الأفريقي والبنك المركزي لدول غرب أفريقيا، الذي لا يزال مرتبطًا بالخزانة الفرنسيةبالإضافة إلى الاتفاقيات العسكرية.
يعيش ماكرون في حالة إنكار للواقع الجديد في أفريقيا، حيث يرفض الاعتراف بأن فرنسا لم تعد القوة المهيمنة في القارة. فبعد عقود من الهيمنة المطلقة، التي كانت تضمنها من خلال النخب العميلة والشبكات الاقتصادية التابعة لها، تجد باريس نفسها اليوم أمام منافسة شرسة من قوى أخرى، مثل روسيا والصين وتركيا. هذا الوضع الجديد يضع فرنسا في موقف صعب، حيث لم تعد قادرة على التحكم في المشهد الأفريقي كما كان في السابق. ومع ذلك، لا تزال فرنسا تتشبث بفكرة أنها صاحبة الكلمة العليا في أفريقيا، وترفض الاعتراف بأن عهد الوصاية قد ولى.
حقيقة خطاب ماكرون:
إن اتهام ماكرون لروسيا بزعزعة استقرار أفريقيا يكشف عن ازدواجية معايير واضحة، وتجاهل لتاريخها الطويل في التدخل في شؤون القارة. فمنذ الحقبة الاستعمارية، دعمت فرنسا الأنظمة التابعة لها، بل وحتى دورها المباشر في الإطاحة بحكومات لم تتماشَ مع مصالحها، كما فعلت مع لوران غباغبو في ساحل العاج عام 2011، أو دعمها لخليفة حفتر في ليبيا على حساب الحكومة المعترف بها دوليًا، بل وتورطت في الإبادة الجماعية في رواندا. إن فرنسا، التي تتحدث عن الاستقرار، يجب أن تُسأل أولًا عن دورها في تأجيج النزاعات في أفريقيا، قبل أن تتهم الآخرين بزعزعة الاستقرار.
يكشف الخطاب الفرنسي حول حقوق الإنسان والديمقراطية في أفريقيا عن ازدواجية معايير صارخة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه باريس عن هذه القيم النبيلة، تدعم أنظمة استبدادية في القارة، وتوفر الغطاء السياسي والعسكري لنخب فاسدة. وعندما رفضت مالي والنيجر وبوركينا فاسو هذا النموذج الاستعماري الجديد، ومؤخرًا طردت ساحل العاج القوات الفرنسية من أراضيها، وتسلمت قاعدتها العسكرية (بيما) التي كانت تضم كتيبة المشاة 43، لم يكن ذلك لأن روسيا زعزعت استقرارها، بل لأن الشعوب بدأت تعي أن الوجود الفرنسي لم يعد يمثل لها سوى نهبٍ للموارد، وتأجيجٍ للصراعات. إن هذا النفاق الفرنسي لم يعد خافيًا على أحد، والشعوب الأفريقية بدأت تدرك ذلك.
استخدام لغة التهديد المحيط بالقارة الأوروبية في الخطاب الماكروني؛ هدفه تعزيز نفوذ فرنسا في أوروبا، وإبقاء الاتحاد الأوروبي تحت المظلة الأمنية الفرنسية. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب يتناقض مع الواقع، حيث تواصل الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا، التعاون الاقتصادي مع روسيا. إن هذا الأمر يكشف عن أن المصالح الاقتصادية تأتي على رأس الأولويات بالنسبة لماكرون، وأن الحديث عن التهديد الروسي هو مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسيةخاصة.
ختامًا، موقف الرئيس الفرنسي ماكرون في حقيقته يعبر عن أسفه الشديد لفقدانه الامتيازات الاستعمارية التي كانت أوروبا تعتقد أنها ستستمر إلى الأبد. إنه حاليًا يواجه واقعًا لم يرغب في الاعتراف به. فالنفوذ الأوروبي في أفريقيا يتراجع، ليس بسبب “غزو” روسيا أو الصين للقارة، بل لأن الشعوب الأفريقية قررت أخيرًا أن تتحرر وتبحث عن تعاون مع حلفاء حقيقيين يضمنون لها المنفعة المتبادلة. ويبقى السؤال مفتوحًا حول الكيفية التي ستتعامل بها الدول الأفريقية مع هذا الوضع الجديد، وما إذا كانت القوى الدولية الأخرى ستستغل هذا الانسحاب لزيادة نفوذها في القارة.