منابر سلفية: تأثير دعاة السوشيال ميديا على جرائم الشارع

انتشرت في السنوات الأخيرة على “فيسبوك” صفحات يديرها ما يعرف بشيوخ السلفية، تهدف إلى إعادة تدوير الفكر الوهابي بين مريديه، بالإضافة إلى تحقيق الربح المادي السهل من خلال عرض فتاوى والإجابة عن تساؤلات المتابعين، مستغلين في ذلك استقطاب هذه الصفحات لآلاف من المتابعين.

وفي ظل تراجع الوعي المجتمعي، وعدم ثقة البعض في المحتوي الديني الذي تقدمه بعض المؤسسات الرسمية- أصبحت هذه الصفحات، بمثابة المصدر الرئيسي للفتاوى وتعليم شئون الدين لقطاع واسع من الشعب، خاصة الشباب منه. بالتالي، في ظل الإقبال الكبير على هذه الصفحات، التي تحولت لمنصات يومية لبث الفتاوى والإجابة عن تساؤلات المتابعين، وارتفاع معدلات الجريمة في المجتمع المصري خاصة جرائم النفس، التي تهدد السلام المجتمعي- يبقى السؤال، وهو: ما هي العلاقة بين المحتوي الذي تقدمه تلك الصفحات وارتفاع معدلات الجريمة في الشارع المصري؟، ولماذا تراجعت ثقة المواطنين، خاصة الشباب منهم في فتاوى المؤسسة الرسمية؟، وما تأثير ذلك علي تغير طبيعة الشخصية المصرية؟.

معدلات مقلقة:

ارتفع معدل الجريمة في مصر في الثلاث سنوات الأخيرة بنسبة تقارب ٥٠٪  وفقا لموقع ناميبو(موقع مختص بقياس مستوى الجريمة والأمان على مستوى العالم)، حيث احتلت مصر وفقا لهذا المؤشر، الترتيب رقم ١٦٦ على مستوى دول العالم، من حيث نسبة الجريمة، والمركز الـ ١٦ في إفريقيا، والمركز الرابع على مستوي دول شمال إفريقيا، واللافت للانتباه أن الأعلى من بين هذه الجرائم هي جرائم النفس، حيث بلغت جرائم القتل عام ٢٠٢١ نحو ٣٢٢ جريمة في القاهرة الكبرى، والجدير بالذكر أن جرائم القتل، نُفذت بأساليب تدل على وحشية وغلظة مفرطة، فتنوعت أساليب القتل بين استخدام السلاح الأبيض والتعذيب واستخدام السيخ الحديدي والحرق في القتل، وتنوعت أسباب القتل بين خلافات أسرية على ميراث وخلافه، ومشاجرات، وأسباب نفسية، ومخدرات.

مما سبق يتضح؛ أن تلك الجرائم، علي الرغم من أن معدلاتها لم تصل إلي الحد الذي يجعلها تشكل ظاهرة، إلا أن التغير الشديد الذي أصاب الشخصية المصرية بات مقلقاً للغاية، حيث تجرد البعض من الوازع الديني والأخلاقي بل والإنساني، مما يجعلنا نطرح سؤال، وهو: ما التغيرات التي حدثت للشخصية المصرية التي كان الوازع الديني والإنساني سمة مميزة لها؟، وكيف مع انتشار الدعاة السلفيين الجدد على وسائل التواصل الاجتماعي، وارتباط الشباب بهم،  بالإضافة إلى تراجع دور التعاليم الدينية في وجدان الأفراد- وصلت معدلات الجريمة إلى درجة غير مسبوقة؟.

محتوي مفخخ:

خلال السنوات الأخيرة- أي ما لم يزد عن 5 سنوات تقريباً، تمكن الدعاة السلفيين الجدد، من إطلاق صفحات جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، تعوضهم عن الغياب الأخير عن الفضائيات والمنابر القديمة، هذه المنصات يتم استخدامها لنشر مرتكزات فكرية، يكون الغرض منها تزييف وعي الشباب، وخلق جيل جديد أكثر عنفاً، من جانب أخر تفريغ المنتج الدعوي المقدم من المضمون، الذي يذكي في النفوس الأخلاق السليمة وقيم التسامح.

توضيحاً؛ برصد الصفحات التابعة لدعاة السلفيين الجدد، منهم محمد الغليظ، وأمير منير، وآخرين على درجة مغمورة، تلاحظ قيام هؤلاء ببث سموم تحرض على الكراهية بشكل مباشر وغير مباشر ضد بعض الفئات على رأسهم المسيحيين، والمرأة غير المحجبة. حيث تقوم هذه الصفحات بتعليقات يومية تشرح وتحلل الفكر الوهابي، الذي يمجد المظهر الديني الخارجي في الدعوة، ويغيب الجوهر تماما ويحرض ضد الأخر.

بتحليل محتوي تلك الصفحات السلفية، يتأكد أن المحتوي الذي تقدمه ينحصر في تقديم المرأة على أنها مصدر الفتنة، فيجب تغطيتها بحيث لا يظهر منها شيء، وعدم التعامل معها باعتبارها مصدر الشرور، وذلك- أي وفقا لهؤلاء الدعاة، من خلال فتوى حرمة الاختلاط في العمل والتعليم، مما خلق حالة أفغانية في العقول وان لم تنفذ.

إضافة لما سبق؛ أدي تحريم هؤلاء الدعاة للغناء والفنون بوجه عام إلي خلق حالة من الشعور بالذنب لدي البعض من سماع الأغاني والاستمتاع بالفنون، بالتالي غلظة في القلوب وقسوة في المشاعر وازدراء وتكفير لمن علي غير هذا النهج المتطرف، ومحاولة تعويض ومعالجة هذا الشعور بالذنب بممارسة العنف، والاعتداء علي الأخر اعتقادا من الشخص بأنه يتخلص من الآثام، فأصبحت الممارسات الإنسانية الطبيعية موضع اتهام، في حين أن المجتمع يعيش حالة من الشحن الديني الزائف، الذي أدي إلي ارتفاع معدلات الجريمة، فتجد من ينتقد زى امرأة، هو نفس الشخص الذي يمارس افزع الجرائم الدينية والأخلاقية والقانونية، كتعاطي المخدرات والعلاقات غير المشروعة و استباحة الغش بكل صوره.

معالجة واجبة:

أثرت صفحات الدعاة السلفيين الجدد على المجتمع خاصة الشباب في ظل وجود حالة من عدم الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية، فحلت محلها تلك الصفحات، وقدمت محتوي أدي إلي خلق حالة من التطرف الجمعي المكثف، الذي يعد امتداد للتطرف الذي صنعته الجماعات الإسلامية في فترة التسعينيات من خلال شرائط الكاسيت والكتيبات التي كانت توزع بالمجان أمام المساجد،فإشاعة تلك الصفحات السلفية الكراهية، ورسخت لمفاهيم ازدراء كل مختلف.

 من جانب آخر، غياب المحتوي الهادف في البرامج الدينية المقدمة عبر الفضائيات، التي تعكس صورة سلبية وتقدم المجتمع علي انه غارق في الإدمان والعلاقات غير الشرعية وزنا المحارم والجرائم الناتجة عن خلافات علي الميراث، من خلال المكالمات التي تبث وتذاع في هذه البرامج دون هدف سوي إشاعة الفتنة والفساد، فمن غير المنطقي أن يستطيع الشيخ تقديم حلول في دقائق معدودة، فضلا أن كمية الفساد والجرائم التي تعرض يثير الشكوك بعدم مصداقية المكالمات بغرض رفع نسبة المشاهدات، فأصبحت هذه البرامج إما ذات تأثير سيء أو بلا مصداقية.

مما سبق نجمل؛ أن غياب الحاضنة الدينية والأخلاقية والإنسانية خلق حالة من التخبط وانعدام الوعي والجهل المعرفي بأبسط المبادئ الدينية، تلقفته الحواضن السلفية، أدى الي تشوه فكري ووجداني، في ظل تراجع وربما غياب نموذج التدين الصوفي وتشويهه من جانب التيار الوهابي، مما أدي إلي اختفاءه وتراجع معه النموذج المتسامح والمتقبل للأخر المذكي للروح ومكارم الأخلاق.

 لذا على المعنيين خلق جيل من البرامج والصفحات الدعوية الموازية التي ترسخ المفاهيم الدينية السمحة وتعلي القيم الأخلاقية بعيدا عن الصبغة الرسمية للدولة، فالجماعات الوهابية بمختلف مسمياتها نجحت في السنوات الأخيرة أن تفقد الشعب خاصة الشباب الثقة في كل محتوي تقدمه الجهات الرسمية،فيطلقون على الدعاة الرسميين شيوخ السلطان، يمكن قراءة ذلك من خلال انتشار فتاوي حرمة فوائد البنوك، وحرمة الموسيقي، وفتوى حرمة تنظيم الأسرة، وتغليب المظهر الديني علي الجوهر وغير ذلك الكثير الذي تشبع به العقل الجمعي المصري.

أخيرا؛ مما سبق يتضح أن دعوي تجديد الفكر الديني، واستبدال العقل الوهابي الذي يقف عند ظاهر النصوص، والذي يقدس علمائه بداية من ابن تيمية وابن القيم وصولا إلي ابن باز وان عثيمين وبن عبد الوهاب، بعقل ووجدان يتفاعل مع النصوص ويفتح باب الاجتهاد الذي أغلق منذ عقود، وأغلق الباب في وجه الحضارة والحداثة.

 فإذا كان الفكر الوهابي توغل وتشربته الأجيال التي عاصرت السبعينيات على كل المستويات، فالأمل في إنقاذ الجيل الجديد من الشباب الحائر الفاقد للهوية بفعل هذه الأفكار وتجاذبه بين الانفتاح على العالم والتمسك بمحتوي منغلق متطرف،أدى بالبعض إما إلى التطرف، أو الإلحاد، أو الجريمة كنتيجة مباشرة للترويج للأفكار الدينية المشوه.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في القانون الدولي. - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى