تداعيات قرار رفع “الجماعة الإسلامية” من قوائم الإرهاب الأمريكية

في الوقت الذي يتصاعد فيه رنين الإرهاب في العالم، سواء بارتكاب عمليات دموية في بعض مناطقه أو محاكمات سريعة بسبب أفعال إجرامية نفذتها عناصره، منها ما تشهده ساحات المحاكم المصرية، ووقائع محاكمة أحد عناصر الجماعة الإسلامية في قضية مقتل القمص أرسانيوس ذبحا في الإسكندرية، والتي حُكم فيها بإحالة أوراق المتهم إلي المفتي- تعتزم الإدارة الأمريكية رفع اسم خمس جماعات إرهابية من علي قوائم الإرهاب منها الجماعة الإسلامية، ومجلس شوري المجاهدين في أكناف بيت المقدس، بالإضافة إلي جماعة أرض الباسك والحرية وطائفة أوم شينريكيو اليابانية، وجماعة كهانا كاخ، وهي جماعة يهودية أرثوذكسية متطرفة.

وفقاً للمراقبين، فإن ما تفعله الإدارة الأمريكية، قد تفتح الباب أمام تلك الجماعات لممارسة أنشطتها الإجرامية دون رقابة أو مسائلة، وبالتالي تُطرح العديد من التساؤلات التي من أهمها: ما هي دلالات توقيت رفع اسم الجماعة الإسلامية، وغيرها من الجماعات من علي قوائم الإرهاب الأمريكية؟، و ما هي المعايير التي يتم بناء عليها رفع اسم جماعة إرهابية من علي قوائم الإرهاب الأمريكية؟، وما تداعيات هذا القرار علي معدلات الإرهاب داخل مصر وخارجها؟

إعلان للعداء:

في الوقت الذي يعاني فيه العالم بوجه عام وإفريقيا والشرق الأوسط علي وجه الخصوص من جرائم الإرهاب، سواء الهجمات والاستهداف المسلح أو التحريض ونشر الأفكار المتطرفة، تقوم الولايات المتحدة تحت إدارة بايدن بانتهاج مسلك أوباما بالمهادنة، بل والتحالف مع الجماعات المتطرفة، من خلال السماح لهم بالسيطرة كما حدث مع طالبان في أفغانستان، وأيضاً ممارسة العمل السياسي، والظهور الإعلامي مما يضفي عليهم الشرعية الدولية كما حدث مع هيئة تحرير الشام في سوريا.

الجدير بالذكر أن مجلس شورى المجاهدين الذي تعتزم أمريكا رفع اسمه من قوائم الإرهاب بايع أبو بكر البغدادي الزعيم الأول لتنظيم الدولة الإسلامية، وقام بالعديد من الأعمال الإرهابية في سيناء تحت مسمي أنصار بيت المقدس، ومع إعلان تنظيم الدولة تبنيه الهجوميين الإرهابيين علي الجنود في سيناء الأسبوع الماضي، فاحتمالات عودة مجلس شوري المجاهدين إلي ممارسة نشاطه الإرهابي تحت لواء تنظيم الدولة كبيرة بعد أن قوضت القوات المصرية نشاطه منذ فترة، لذا رفع اسم مجلس شوري المجاهدين في هذا التوقيت تحديدا قد يسمح للتنظيم باستقبال الدعم والتمويل اللازمين لعودة واستمرار نشاطه بقوة الفترة المقبلة، بالإضافة إلي السماح لعناصر التنظيم بالتنقل وإنشاء كيانات داخل الولايات المتحدة دون رقابة أو محاسبة، بذلك تكون الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لتصعيد العمليات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد القارة الأفريقية.

إضافة لما سبق؛ فإن رفع اسم الجماعة الإسلامية من قوائم الإرهاب، يعني تقويض محاولات مصر في محاسبة عناصر الجماعة، فاغلب قيادات الجماعة الهاربين في تركيا مطلوبين لتنفيذ أحكام بالإعدام في مصر لارتكابهم وتحريضهم على جرائم عنف عقب عزل الإخوان عن الحكم في مصر عام ٢٠١٣، وتفاوض السلطات المصرية وتشترط للتصالح مع تركيا تسليم المطلوبين لتنفيذ أحكام، بهذا ربما تكون الولايات المتحدة فتحت المجال لعناصر الجماعة الإسلامية للسفر هربا إلي أراضيها كملاذ آمن من أي اتفاقات قد تحدث بين مصر وتركيا مستقبلا.

معيار قاصر:

تعتمد الخارجية الأمريكية معياراً، هو أن الجماعة الإرهابية لم ترتكب أحداث عنف أخر خمس سنوات لرفع اسمها من قوائم الإرهاب، وهو معيار قاصر في تقييم أي جماعة إرهابية، فإذا كانت تلك الجماعات لم ترتكب بشكل رسمي تنظيمي أعمال إرهابية في الآونة الأخيرة، بسبب التضييق والرصد الأمني وصعوبة توفر مصادر التمويل، فالإدارة الأمريكية بهذا القرار ترفع العنت عن تلك الجماعات، وتزيل العقبات من طريقها لتتمكن من ممارسة نشاطها الإرهابي بانتظام، لأنها مازالت تعتنق نفس الأفكار المتطرفة التي أدت إلي ارتكابها للعنف في فترات سابقة.

عليه؛ فالمعيار المنطقي والأكاديمي لرفع تلك الجماعات من قوائم الإرهاب، الذي من المفترض أن تعتمده الدول، هو تخلي تلك الجماعات عن الفكر المتطرف، والترويج له والتحريض عليه. فبالنسبة للجماعة الإسلامية مازال أعضائها يحملون الفكر التكفيري للحكام والشعب، وتعد أخر الشواهد علي ذلك، هو قيام احد عناصر الجماعة الإسلامية في مصر فور خروجه من السجن، الذي ظل فيه 20 عاماً بذبح قمص بالإسكندرية، مما يعكس إلحاح ورسوخ الفكر المتطرف في وجدان المنتمين لتلك الجماعات، للحد الذي جعله ينفذ الجريمة الإرهابية بمجرد تخلصه من القبضة الأمنية.

بالنسبة لمجلس شورى المجاهدين فتورطه في استهداف الجنود في سيناء مؤخرا غير مستبعد، سواء بشكل تنظيمي أو من خلال مشاركة بعض عناصره في تلك الفعل الإجرامي، عليه فتلك الجماعات مازالت تنتظر حالة استرخاء أمنى لاستعادة قوتها ونشاطها، والقرار الأمريكي يعد بمثابة الفرصة المنتظرة والضوء الأخضر لعودة تلك الجماعات وبقوة.

استكمالا لما سبق؛ يمكن القول إن الفكر المتطرف الذي أسست له تلك الجماعات ما زال منتشر بشكل غير مسبوق على صفحات التواصل الاجتماعي، مما يعكس انتشارا للحاملين لفكر تلك الجماعات بشكل مؤثر، ورفع الجماعتين من قوائم الإرهاب يعد بمثابة إعطاء شرعية لتك الجماعات وأفكارها أمام الشباب الذي يتأثر بهم، مما سينعكس علي زيادة أعداد الأشخاص المنتمين لنفس الأفكار وانتشارهم على شكل ذئاب منفردة لتنفذ أعمال عنف بإرادة وتخطيط منفرد أو من خلال الانضمام لتلك الجماعات تنظيميا.

سياسة برجماتية:

وفقا للمراقبين تمهد الإدارة الأمريكية بقرار رفع بعض الجماعات الإرهابية من على قوائم الإرهاب، لرفع الحرس الثوري الإيراني من قوائم الإرهاب في المرحلة القادمة، لاستكمال مفاوضات الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، على حساب تمدد أزرع إيران في المنطقة كنتيجة لذلك، مما يسهم في انتشار الإرهاب في المنطقة.

 فإيران تدعم الإرهاب في كثير من الدول، كما تتقاسم مع الجماعات المتطرفة بعض الأفكار مثل عدم الإيمان بالحدود الجغرافية والعقيدة التوسعية، وتمول المتطرفين من كل الاتجاهات سعيا لتنفيذ ذلك، والتجارب السابقة خير دليل علي أن أعمال العنف تتضاعف من قبل الجماعات التي ترفع اسمها من قوائم الإرهاب،حيث تضاعفت اعمال العنف التي قام بها الحوثيين بعد رفع اسم الجماعة من علي قوائم الإرهاب الأمريكية من ٣٨ عملية إلي ٦٨ عملية شهريا، فضلا عن تكثيف الاستهداف الحوثي لمنشأة النفط السعودية وللأهداف المدنية بدعم من إيران، مما خلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة.

تأسيسا على ما تقدم؛ تسعي الإدارة الأمريكية بسياستها الحالية لتصعيد الإرهاب في الشرق الأوسط من أجل تحقيق مصالحها، ضاربة بالأعراف والمواثيق الدولية الملزمة بمحاربة الإرهاب عرض الحائط، فاستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب تلزم الدول باتخاذ كافة التدابير لمنع الإرهاب وتمويله، وهو ما تفتح الولايات المتحدة بهذا القرار الباب على مصراعيه لتنفيذ عكس هذه الركيزة.

أخيرا؛ المؤشرات على الساحة الدولية تشير إلي احتمال صعود غير مسبوق لمؤشر الإرهاب في الشرق الأوسط في النصف الثاني من العام الحالي، بسبب سياسات أمريكا في دعم الإرهاب، فضلا عن ظروف الحرب الأوكرانية التي فتحت باب للجهاديين للقتال في صفوف الجانبين الروسي والأوكراني، مما ساهم في إنعاش الفكر الجهادي وصنع ساحة مفتوحة للجهاديين بمظلة شرعية في كافة البؤر الإرهابية.

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى