الدولة المعلقة.. تحديات إعادة بناء سوريا في مرحلة ما بعد الأسد

دراسة في تحديات الداخل والتدخلات الخارجية في سوريا

أعد الدراسة.. مصطفى كمال دماني- باحث جزائري متخصص في المشرق العربي.

لا يبدو سقوط النظام في دمشق المحطة الأخيرة في تفاعلات المشهد السياسي بسوريا، فالتركة التي خلفها والتحولات الجارية بالإقليم لا تزال تلقي بظلالها على بناء الدولة السورية المنهكة. فإضافة إلى إعادة الإعمار، وشكل نظام الحكم، وإدارة التنوع في النسيج الاجتماعي السوري، يزيد التنافس التركي الإسرائيلي من حدة الإرباك في استقرار سوريا، التي لا تزال تتلمس طريقها لبناء الدولة وإعادة صياغة سياساتها على المستوى الداخلي والخارجي، بما يحقق تطلعات الشعب السوري بمختلف مكوناته. وعلى ضوء ما سبق، نعالج في هذه الدراسة أهم التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة في سوريا، وأهم المخاطر التي تحيط بها، انطلاقا من إشكالية مركزية تتلخص في التالي: ما أهم التحديات التي تعترض مسار عملية بناء الدولة في سوريا؟

اعتمدت الدراسة على مجموعة من المناهج التي تتناسب مع طبيعة الموضوع، أهمها المنهج الوصفي التحليلي، من خلال وصف وتحليل أبرز التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بناء الدولة في سوريا، إلى جانب المنهج التاريخي لفهم جذور الأزمة وتطورها عبر المراحل السابقة، كما تمت الاستعانة بالمنهج المقارن من خلال الاستفادة من تجارب بعض الدول الخارجة من النزاعات، خاصة تجربة البوسنة والهرسك، بهدف استخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها في الحالة السورية.

العوامل الداخلية.. تحولات الداخل وثباته:

1. النسيج المجتمعي السوري: على مدى القرن الذي مضى، عايش سكان سوريا نمطين متناقضين في إدارة المسألة الديموغرافية الثقافية. تجلى النمط الأول من خلال وجود أقوام وطوائف منعزلة، هي أشبه بجزر إثنية وسط بحر عربي سني، أو موجودة على هوامشه الجبلية، ورثتها فرنسا عن الإدارة العثمانية، وسخرتها لمصلحتها من خلال دعم عصبياتها وتضخيمها، فضلا عن قيامها بتغذية نزعات الخوف والحذر بداخلها تجاه الأكثرية العربية السنية، حيث قربت المسيحيين، وبخاصة متبعي المذهب الكاثوليكي بكل تفريعاته، ثم بقية الطوائف المسيحية وغير المسيحية كالدروز والعلويين. وعلى خلاف ذلك، اتبعت “السلطات الوطنية” المتعاقبة على حكم سوريا بعد الاستقلال سياسات تميزت بالضبط والتحكم والتضييق، شملت أبناء الإثنيات والطوائف على السواء في مرحلة أولى، ثم انتقلت إلى سياسة ابتلاع وهضم الأقليات الإثنية في مرحلة لاحقة، عبر تعريبها وطمس هوياتها وخصائصها، مع الاستمرار في ضبط جميع المؤسسات الدينية وطوائفها من دون استثناء، وفي حرمانها من أبسط حقوقها، وهذا ولد مشاعر الغبن لدى أبناء جميع الثقافات المكونة للنسيج السوري.

وهكذا، لم يتسن لسكان سوريا، على اختلاف تنوعاتهم الإثنية والدينية والطائفية والاجتماعية، ممارسة حياتهم بصورة طبيعية قائمة على علاقات منفعة اقتصادية واجتماعية متبادلة، وعلى وشائج ثقافية وروحية تغني بعضها بعضا، وأعاق ذلك جميع المكونات الديموغرافية بلا استثناء عن تأسيس كيان سياسي وطني موحد ومتنوع. إن من بين أهم المهمات المنتصبة أمام السوريين، وفي مقدمتهم المثقفون، المباشرة في بناء نموذجهم الوطني الديمقراطي على مستوى الفكر أولا، والتربية عليه لأجل وعيه بوصفه نموذجا يصلح لبناء نظام جيوسياسي مكافئ، ويوفر فرص العيش المشترك والحياة الطبيعية لجميع السوريين بكامل حقوقهم السياسية والثقافية.

2. تحديات إعادة بناء الجيش السوري: بعد مرور سنة على سقوط النظام، تبين أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة الانتشار العسكري، بل في العديد من التحديات المتشابكة. ويمكن تقسيمها إلى تحديات متعلقة بالسياقات الداخلية والخارجية، وتحديات مرتبطة بطبيعة الجيش السوري نفسه ومساره، مع التأكيد أنه لا يمكن فصل الجانبين عن بعضهما البعض، وأن السياقات التاريخية السورية أظهرت حجم التداخل والتعقيد والتأثير المتبادل بين السياقات والجيش، وأن التقسيم سابق الذكر مطروح من أجل رسم خريطة واقع التحديات، وليس فصلها.

عوامل متعلقة بالسياقات الداخلية والخارجية:

تشهد سوريا تحديات ذات طبيعة “مركبة”، تتداخل فيها جملة من القيود والإشكاليات بما يؤثر سلبا في مسار التحولات المفترض أن تشهدها المرحلة الانتقالية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي قيود تعيد تقييم مسارات عملية الانتقال السياسي، وتضعها مجددا، على مشارف عام 2026، ضمن وضعية “الجمود السياسي”، مع ملامح “حراك نسبي” يعود إلى دور العوامل الدولية الداعمة والراغبة في إنجاح تجربة الانتقال السياسي في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. ومن تلك التحديات:

1. عدم وجود رؤية جامعة لمسارات الانتقال في سوريا: وذلك نتيجة لكل من تاريخ سوريا المعاصر خلال الخمس عشرة سنة الماضية ومسار الحرب الأهلية، والاختلاف بين القوى السياسية التي كانت تشكل المشهد السياسي قديما خلال فترة حكم بشار الأسد، وتلك التي تشكلت ضمن جبهات المعارضة السياسية لحكمه، والأقليات العرقية، والعشائر مختلفة المذاهب في مناطق تمركزها الديموغرافي، باعتبارها قوى مؤثرة على مجتمعات المحافظات المختلفة.

2. قصور الإعلان الدستوري: فور الانتهاء من تنصيب الرئيس أحمد الشرع في يناير 2025، تم تدشين “الإعلان الدستوري” في 13 مارس من العام نفسه، وشمل الإعلان الدستوري كافة مناحي إدارة الدولة، لا سيما العلاقة بين السلطات، وتحديد شكل النظام السياسي بكونه نظاما رئاسيا، وتشكيل مجلس تشريعي منبثق عن انتخابات غير مباشرة. وتكمن معضلة الإعلان الدستوري في عدم شموليته لمشاركة معبرة عن التنوع السوري القومي والديني، مع عدم وجود تمثيل سياسي ومجتمعي، خاصة في ظل تركيز السلطة بيد الرئيس الانتقالي بصورة تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة، بما يعني أن مسار التحول والانتقال سيظل، وعلى مدار السنوات الأربع المقبلة، وهي الفترة المحددة للمرحلة الانتقالية، مرهونا بإرادة السلطة التنفيذية، وليس بعملية تشاركية وطنية جامعة.

3. تباطؤ في مسار العدالة الانتقالية: رغم تشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين” في 28 أغسطس 2025، فإن ثمة حالة من التباطؤ الشديد في اتجاه الحكومة الانتقالية إلى تطبيق مخرجات هذه الهيئة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها: اقتصار عمل الهيئة على التحقيق في انتهاكات النظام السابق فقط، رغم أن حالة الانفلات الأمني طوال عام 2025 كانت ناتجة عن انتهاكات قامت بها عدة أطراف أخرى، من بينها قوات الأمن الجديدة نفسها، فضلا عن فلول النظام السابق. يضاف إلى ذلك وجود عوامل تتعلق بنقص الموارد المادية اللازمة للتعويضات المطلوبة لجبر أضرار الضحايا، وغياب النص الدستوري والتشريعات المنظمة للعدالة الانتقالية.

4. عدم الاستقرار الأمني: شهد عام 2025 عددا من الإخفاقات في المعالجة الأمنية من قبل قوات الأمن السورية الجديدة، وتكمن المشكلة في أن هذه الإخفاقات ارتبطت بعدد من التهديدات الأخرى؛ فقد ارتبطت بأحداث السويداء الأمنية خلال شهري مارس ويوليو 2025، ورغبة العشائر الدرزية في الانفصال في دويلة مستقلة. كما شكلت أحداث العنف في الساحل الغربي والمناطق الوسطى اختبارا صعبا للدولة السورية، حيث ردت أجهزتها الأمنية بعنف عبر عمليات انتقامية ضد الطائفة العلوية الموالية للنظام السابق، ردا على هجمات شنتها فصائل تابعة لها في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص خلال شهر مارس 2025، ما يدخل الواقع السوري في تجاذبات بين الحكومة المركزية في دمشق وبين ثلاثة مكونات رئيسية، هي: الدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال، والعلويون في الغرب.

5. التدخلات الخارجية: يتدافع الفاعلون المختلفون في سوريا لإقامة تحالفات مع فواعل الخارج للدفاع عن مصالحهم، ومنهم: تركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، والإمارات، والسعودية، وعلى رأسهم إسرائيل. كل تلك الدول لها دور حيوي في الداخل السوري. ويعد التدخل الخارجي أحد أهم التحديات أمام النظام لتقليل أثره على التفاعلات الخارجية، وقد شهد العام الأول من عمر النظام السوري الجديد محاولات عديدة لتحييد التدخلات الخارجية من خلال الدخول في مفاوضات والتركيز على العلاقات الثنائية بين سوريا ومختلف الدول الأخرى، حيث تجد الإدارة السورية نفسها، في الوقت الحالي، مطالبة بالتجاوب مع مطالب ومخاوف عدد من الأطراف الإقليمية والدولية.

عوامل متعلقة بالجيش السوري:

1. العقيدة العسكرية: انتهى وضع العقيدة العسكرية ما قبل سقوط بشار إلى انفراط الجيش نتيجة التطرف في الحفاظ على النظام، وليس الدولة أو الدفاع ضد التهديدات الخارجية، ولم تتضح حتى الآن ملامح العقيدة القتالية الجديدة للجيش السوري، خاصة في ظل عدم اكتمال الجيش ووجود فصائل مسلحة جديدة. ومن ثم، فإن بناء جيش وطني حيادي في سوريا ليس مسألة تنظيمية أو تقنية، بل معركة على تعريف الدولة نفسها.

2. الولاءات والانتماءات: تعد من أبرز إشكاليات الجيش السوري مسألة إعلاء الولاءات الفصائلية والعشائرية، ليس فقط في حجم بعض الفصائل في الجيش، بل أيضا في تجميعها في وحدات بعينها. كانت هذه إشكالية النظام السابق، ومما سبق نجد أنه، وحتى الآن، تمت فقط إعادة تشكيل الوحدات على المنطق الفصائلي نفسه، والأمر ذاته في مساحات التعيين والترقيات.

3. تراجع القدرات التسليحية السورية: فيما يرتبط بالتسليح، فقد أشارت بعض التقارير العسكرية إلى أن نحو 40% من المدرعات السورية خرجت عن الخدمة بسبب نقص قطع الغيار، فيما تعتمد الوحدات الحالية على ذخائر تعود إلى الحقبة السوفيتية، ما يضعف قدرة الجيش السوري الجديد على تنفيذ مهامه بكفاءة.

يضاف إلى ذلك أن الأنشطة الجوية الإسرائيلية قد أدت إلى تدمير كامل القدرات البحرية السابقة للجيش السوري، وأغلب المقاتلات والقاذفات العاملة في سلاح الجو السوري، ليقتصر النشاط الجوي والبحري العسكري لسوريا في الوقت الراهن على أعداد محدودة من مروحيات النقل “مي-8” والمروحيات القتالية غازي، وهي تعمل انطلاقا من مطاري كويرس والمزة. وعلى المستوى البحري، تشغل القوات البحرية السورية عددا محدودا من الزوارق السريعة، بدأت عبرها، منذ الخامس والعشرين من أبريل 2025، في تنفيذ دوريات روتينية على طول الساحل السوري. هذا الوضع يطرح إشكالية ترتبط بتسليح الجيش السوري، خاصة بعد أن دمرت إسرائيل بغاراتها الجوية الكثيفة، منذ اليوم الأول لسقوط الأسد، أكثر من 85% من القدرات التسليحية البرية والجوية للجيش، بما في ذلك المرافق العسكرية الأساسية مثل القواعد الجوية.

 البناء المؤسساتي:

بعد سنوات طويلة من الصراع الذي أضعف مؤسسات الدولة السورية، أصبحت عملية إعادة بناء الدولة واستعادة فاعلية مؤسساتها من أبرز التحديات أمام القيادة الجديدة. فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة ترتيب الوحدات العسكرية أو إعادة توزيع المناصب، بل بإعادة صياغة مفهوم السلطة، بحيث تصبح الدولة المرجعية الأساسية للسلاح والقرار الأمني والسياسي.

إن إنهاء مرحلة الفوضى لا يعني فقط إنهاء المواجهات العسكرية، بل يعني أيضا معالجة آثار الحرب التي أنتجت شبكات نفوذ متعددة، واقتصادات مرتبطة بالصراع، وقوى مسلحة اعتادت العمل خارج الإطار المؤسساتي. ولذلك، فإن نجاح عملية الانتقال يرتبط بقدرة الدولة على فرض قواعد جديدة تقوم على القانون والمواطنة والمؤسسات.

تواجه الرئاسة السورية خيارا استراتيجيا بين مسارين متباينين: الأول يتمثل في بناء دولة مؤسسات قادرة على استعادة دورها الطبيعي داخليا وإقليميا، وتطوير مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية بما يعزز وحدة البلاد وسيادتها، ويفتح المجال أمام عودة سوريا إلى ممارسة دورها الإقليمي.

أما المسار الثاني، فيتمثل في استمرار حالة التنافس بين القوى المسلحة وتعدد مراكز القرار، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة مرحلة عدم الاستقرار، وإضعاف قدرة الدولة على إدارة شؤونها، وتحويل سوريا إلى ساحة نفوذ متنافسة بدلا من أن تكون دولة موحدة ذات قرار مستقل.

ومن هنا، فإن إعادة بناء الدولة لا تقاس فقط بقدرة القيادة على إنهاء الحرب، بل بقدرتها على تأسيس نظام مؤسساتي قادر على الاستمرار بعد انتهاء مرحلة الصراع.

إعادة الدولة بين مشروع المؤسسات ومصالح ما بعد الحرب:

يبرز في هذا السياق سؤال جوهري حول مفهوم “إعادة الدولة” بعد الصراع؛ فهناك من يرى أن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تتحول إلى مشروع وطني لبناء المؤسسات وإعادة الإعمار السياسي والاجتماعي، في حين قد ترى بعض الجماعات المسلحة أن الحفاظ على نفوذها العسكري يمثل امتدادا لدورها خلال مرحلة الصراع.

وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: هل ينظر إلى الانتصار باعتباره بداية لبناء دولة جديدة، أم باعتباره فرصة للحصول على مكاسب ونفوذ؟ فالدول التي تخرج من الحروب تواجه دائما خطر انتقال الصراع من ساحات المعارك إلى مؤسسات الدولة، إذا لم يتم وضع قواعد واضحة للانتقال من السلاح إلى العمل المؤسساتي. لذلك، تصبح عملية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة اختبارا حقيقيا لقدرة القيادة على الانتقال من منطق التعبئة العسكرية إلى منطق الدولة، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسة.

تجربة البوسنة والهرسك ودروس مرحلة ما بعد الحرب:

تقدم تجارب ما بعد النزاعات، ومنها تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون عام 1995، نموذجا مهما حول صعوبة الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة. فقد واجهت القيادة البوسنية آنذاك تحدي التعامل مع المقاتلين الذين شاركوا في الحرب، وتحويل دورهم من العمل العسكري إلى المساهمة في بناء مؤسسات الدولة.

وتوضح التجربة البوسنية أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى خيارات واضحة أمام القوى المسلحة؛ فإما الاندماج ضمن مؤسسات الدولة وفق القوانين المعتمدة، أو الانتقال إلى الحياة المدنية، أو التعامل مع أي جهة ترفض التخلي عن السلاح خارج إطار الدولة باعتبارها تهديدا لسيادة المؤسسات. وهذا الدرس يحمل أهمية خاصة لسوريا؛ لأن نجاح مرحلة الانتقال لا يعتمد فقط على إنهاء الحرب، بل على القدرة على منع ظهور مراكز قوة مسلحة تنافس الدولة.

الانتصار: بين بناء الدولة أو منطق الغنيمة:

تؤكد تجارب التاريخ أن الانتصار العسكري لا يمثل نهاية التحديات، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر صعوبة، وهي مرحلة بناء الدولة. فبعد انتهاء الصراع تظهر إشكالية توزيع الأدوار والمصالح بين القوى التي شاركت في الحرب؛ إذ يرى البعض أن التضحيات التي قدمت تمنحهم حق المشاركة في مستقبل الدولة، بينما ترى الدولة أن مرحلة الحرب انتهت، وأن المرحلة الجديدة تتطلب قواعد مختلفة تقوم على القانون والمؤسسات. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لأي قيادة سياسية بعد الحرب يتمثل في قدرتها على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع دولة، وليس السماح بتحوله إلى صراع على النفوذ أو مكاسب خاصة.

التحديات الاقتصادية:

(*) العقوبات الدولية: عائق أمام إعادة الإعمار: تشكل العقوبات المفروضة على سوريا، لا سيما قانون “قيصر”، عائقا رئيسيا أمام استقطاب الاستثمارات الدولية؛ إذ تمنع هذه العقوبات الشركات العالمية من المساهمة في إعادة الإعمار خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية. ورغم المطالبات المتزايدة بضرورة فصل الجانب الإنساني عن السياسي، فإن غياب اتفاق دولي حول تخفيف العقوبات يجعل إعادة الإعمار عملية مكبلة بقيود ثقيلة. هذا الأمر يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الضغط السياسي وتلبية الاحتياجات الإنسانية للسوريين؟

(*) غياب التمويل الدولي: تحد اقتصادي كبير: إعادة بناء سوريا تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، ومع تردد المجتمع الدولي في تمويل إعادة الإعمار بسبب استمرار النزاع السياسي، تبقى العملية في حالة جمود.

ومع أن دولا مثل روسيا وإيران أبدت استعدادها للمشاركة في إعادة الإعمار، فإن حجم مساهماتها يظل محدودا بالمقارنة مع حجم الدمار الهائل.

من جهة أخرى، فإن دول الخليج، التي يمكن أن يكون لها دور محوري في تمويل إعادة الإعمار، تظل مترددة في ظل غياب حل سياسي شامل.

(*) الفساد وضعف المؤسسات: عقبات داخلية: على الصعيد الداخلي، يشكل الفساد المنتشر في المؤسسات تحديا كبيرا أمام تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار؛ إذ يثير هذا الوضع مخاوف بشأن استخدام الموارد بشكل غير فعال، أو استغلالها لخدمة مصالح فئات محددة على حساب المصلحة العامة.

كما أن ضعف البنية الإدارية والمؤسسات الوطنية، نتيجة سنوات الحرب والانقسام، يضعف من قدرة الدولة على إدارة مشاريع إعادة الإعمار بكفاءة.

هيكلة الاقتصاد السوري:

يبرز التحول الأهم في المشهد السوري الحالي: الانتقال التدريجي من اقتصاد يدار بمنطق الاستجابة للأزمة، إلى اقتصاد يبدأ بالتحرك وفق منطق الفرصة وإعادة التنظيم طويل الأمد.

هذا التحول ما يزال في بداياته بطبيعة الحال، لكنه أصبح أكثر وضوحا في طبيعة النقاشات الاقتصادية الجارية، وفي الحراك المتزايد حول تحسين البيئة الاستثمارية، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب عودة المؤسسات الدولية والإقليمية للحديث عن الاقتصاد السوري ضمن سياق التنمية والاستثمار، لا ضمن سياق الإغاثة فقط. وفي الاقتصادات الانتقالية، لا تنجح الفرص الاستثمارية بمجرد وجود الطلب أو الحاجة، بل بوجود بيئة قادرة على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع قابلة للاستمرار، فالمستثمر لا يقرأ حجم السوق فقط، بل يقرأ اتجاه الدولة، واستقرار قواعد العمل، وقدرة المؤسسات على إنتاج بيئة يمكن التنبؤ بها.

وهنا تحديدا تبرز أهمية المرحلة الحالية بالنسبة لسوريا، فالتحدي لم يعد مقتصرا على إعادة تشغيل الاقتصاد، بل أصبح مرتبطا بقدرة الدولة على بناء نموذج اقتصادي أكثر وضوحا واستقرارا، يخلق توازنا بين دور المؤسسات العامة وحيوية القطاع الخاص، ويمنح السوق إشارات طويلة الأمد حول اتجاه السياسات الاقتصادية المقبلة.

وفي هذا الإطار، تمتلك سوريا عناصر يصعب تجاهلها في أي قراءة استثمارية مستقبلية للمنطقة، فالموقع الجغرافي الذي يربط الخليج العربي بشرق المتوسط وتركيا يمنحها أهمية لوجستية وتجارية طبيعية، خصوصا في ظل التحولات الجارية في مسارات التجارة والطاقة الإقليمية.

إلى جانب ذلك، ما تزال سوريا تمتلك قاعدة بشرية وخبرات مهنية واسعة، سواء داخل البلاد أو ضمن شبكات رجال الأعمال السوريين المنتشرين في الأسواق الإقليمية والدولية، وهو عامل بالغ الأهمية في مراحل إعادة بناء الاقتصادات وخلق الشراكات الاستثمارية. أما على مستوى القطاعات، فتبرز مجالات الطاقة والكهرباء، والاتصالات، والخدمات الرقمية، والتطوير العقاري، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، بوصفها قطاعات مرشحة لاستقطاب اهتمام استثماري متزايد خلال السنوات المقبلة.

وفي قطاع الطاقة، على سبيل المثال، لا تتعلق الفرصة فقط بإعادة الإنتاج، بل بإعادة بناء البنية التشغيلية والتقنية بالكامل، بما يشمل مشاريع التوليد والطاقة البديلة والبنية التحتية للنقل والتوزيع، وهي مجالات ترتبط عادة باستثمارات طويلة الأمد وشراكات استراتيجية. كما أن قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية يمتلك قابلية نمو مهمة، خاصة مع وجود كفاءات سورية كبيرة تعمل أصلا في الأسواق التقنية الإقليمية والعالمية، ومع تصاعد الحاجة إلى حلول رقمية في الخدمات المالية والتجارة والإدارة والاتصالات.

غير أن العامل الحاسم في تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات فعلية لا يرتبط بالفرص وحدها، بل بمدى قدرة البيئة القانونية والمؤسساتية على إنتاج الثقة والاستقرار. ولهذا، فإن بناء بيئة استثمارية جاذبة في سوريا خلال المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على إصدار القوانين أو تقديم الحوافز، بل على قدرة المؤسسات على تحويل هذه القوانين إلى ممارسة مستقرة ومتسقة، بما يعزز الثقة ويخفض المخاطر التشغيلية التي تسبق أي قرار استثماري.

وفي هذا الجانب تحديدا، تبدو الحوكمة الاقتصادية عنصرا محوريا في مستقبل السوق السورية، فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على إنتاج قواعد واضحة ومستقرة ومرنة في الوقت نفسه، ارتفعت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات النوعية طويلة الأمد، لا الاستثمارات قصيرة الأجل فقط.

كما أن نجاح سوريا في بناء بيئة اقتصادية أكثر وضوحا واتساقا لن ينعكس على الداخل السوري فحسب، بل سيؤثر أيضا على موقعها الاقتصادي ضمن المنطقة، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها أسواق الشرق الأوسط في مجالات الطاقة والنقل والخدمات والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

التحديات على مستوى السياسة الخارجية:

(-) التنافس التركي الإسرائيلي وتداعياته على سوريا: في مايو، وصفت مجموعة الأزمات الدولية سوريا بأنها أصبحت “خط صدع” تتزايد فيه الاحتكاكات بين تركيا وإسرائيل.

دعمت تركيا جماعات سورية مسلحة معارضة لنظام بشار الأسد، وتوغلت في مناطق في شمال سوريا بدعوى حماية أمنها الحدودي ومحاربة وحدات كردية وصفتها بالإرهابية. ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، أصبحت تركيا من أبرز الداعمين للسلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، في حين شنت إسرائيل العديد من الغارات الجوية على مناطق متفرقة في سوريا، ودمرت صواريخ وطائرات وسفنا تابعة للجيش السوري، كما سيطرت على مناطق في جنوب سوريا، من بينها المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين البلدين.

في يونيو الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبي تركيا، بل من حلب ودمشق وبيروت. ومنذ سقوط نظام الأسد، زودت تركيا الحكومة السورية بالدعم اللوجستي والعسكري، وسعت إلى مساعدتها في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي دمرت خلال حرب أهلية استمرت نحو 14 عاما وأسفرت عن سقوط مئات الآلاف من القتلى.

بالنسبة لأنقرة، فإن وجود حكومة مستقرة تربطها بها علاقات قوية في سوريا يخدم مصالحها الاستراتيجية في الوقت الحالي، بما في ذلك مساعدتها على معالجة المسألة الكردية، وتوفير ظروف مواتية لعودة اللاجئين السوريين، فضلا عن اكتساب عمق استراتيجي جديد لنفوذها الإقليمي وملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الإيرانية والروسية.

تقول أصله أيدينتاشباش، وهي محللة سياسية تركية وزميلة في مؤسسة بروكينغز البحثية غير الربحية التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، لـ”بي بي سي عربي”: “في البداية، كان دافع تركيا الرئيسي منع قيام كيان كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدودها الجنوبية، لكن اليوم، هدفها الرئيسي هو المساعدة في ترسيخ وحدة سوريا تحت مظلة حكومة مركزية في دمشق.. كما تسعى إلى الحفاظ على منطقة عازلة لتسهيل عودة ملايين اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم حاليا. تهدف تركيا إلى أن يكون لها نفوذ في المعادلة السورية الأوسع، ودور في تحديد مستقبل الدولة السورية، بما يحول دون هيمنة إيرانية أو روسية شاملة أو تعرضها لاعتداء إسرائيلي”.

أما إسرائيل، فلها أولويات مختلفة، إذ حرصت على مدى سنوات طويلة على الاحتفاظ بحرية العمل في المجال الجوي السوري، ومنع وجود أي قدرات عسكرية معادية بالقرب من حدودها.

وتنظر إسرائيل إلى أي وجود عسكري تركي في سوريا بوصفه تهديدا محتملا لأمنها وحريتها في التحرك في المجال الجوي السوري، وهو ما تقول الدكتورة كارمت فالينسي، الباحثة الأولى في دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، إنه يشكل أهمية كبيرة في الوقت الراهن، نظرا لـ”شكوك إسرائيل وعدم ثقتها في طبيعة النظام [السوري] ونواياه بسبب أصوله الجهادية، ووجود عدد من الأطراف المعادية والميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون – من حماس إلى حزب الله إلى منظمات جهادية دولية، وأنشطة تركيا وسعيها إلى زيادة نفوذها في البلاد، نظرا لعلاقاتها الوثيقة بالقيادة السورية من جهة، والعداء الذي أبدته تجاه إسرائيل منذ الحرب على غزة من جهة أخرى”.

وتضيف فالينسي أن إسرائيل، على خلفية الحرب مع إيران، ترغب في الاحتفاظ بوضع تظل فيه الأجواء السورية مفتوحة أمام أنشطة القوات الجوية الإسرائيلية، وتخشى من أن أنظمة الدفاع الجوي التركية من الممكن أن تعرقل ذلك.

(-) الموازنة في السياسة الخارجية السورية بين واشنطن وموسكو: جمعت الحكومة السورية بين القطبين العالميين، روسيا وأمريكا، في علاقاتها الدبلوماسية الخارجية، محاولة بناء توازن بين الدولتين المتنافستين، رغم أنها كانت أقرب إلى واشنطن، بسبب حالة الدعم التي أبدتها لحكومة دمشق، لا سيما رفعها للعقوبات وسعيها للتقرب من العواصم الأوروبية.

ولم تقطع دمشق علاقتها مع موسكو، إذ تبادل الطرفان الزيارات على مستويات مختلفة، وزار الرئيس السوري أحمد الشرع روسيا مرتين، رغم الملفات المتشابكة وطبيعة العلاقة التي كانت قائمة خلال عهد النظام السوري السابق.

أما واشنطن، فلم تخف امتعاضها من الوجود الروسي في سوريا، الحليف الجديد لها، مشابهة في ذلك رغبة العواصم الأوروبية في إبعاد موسكو عن الساحة السورية.

كما تسعى دمشق إلى “صفر مشكلات”، بحسب ما يعتقده الباحث الخليل، فإن الأقرب للواقع هو أنه لن يكون موقف دمشق، في حال تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو، قائما على الانحياز لأي من الطرفين، بل محاولة تجنيب سوريا أن تتحول مجددا إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.

وهو ما ينسجم مع النهج الذي تحاول دمشق تثبيته كـ”معادلة ضرورية” مختلفة، تستند إلى مبدأ “صفر مشكلات” واستعادة بناء الدولة، بتغليب المصالح الوطنية على الانخراط في محاور الصراع.

وقال الخبير في الشأن الروسي الدكتور نصر اليوسف إن أمريكا وأوروبا ليستا مسرورتين بوجود قاعدتين روسيتين في دولة تريد واشنطن والعواصم الأوروبية إقامة علاقات جيدة فيها، مثل سوريا، خاصة مع تبني أمريكا للقيادة الجديدة في سوريا ورفع العقوبات عنها، لكنه، في المقابل، يستبعد حدوث أي توتر عسكري بين واشنطن وموسكو بسبب قواعد الأخيرة في سوريا.

الخاتمة:

إضافة إلى التركة الثقيلة التي خلفها النظام، تلقي التحولات الجارية في الإقليم بظلالها على الداخل السوري، وتحد من استكمال مسار بناء الدولة، والذي يبرز كتحد آخر تواجهه الدولة الناشئة في سوريا. غير أن مدى نجاح السلطة في دمشق في تخطي مخلفات المرحلة السابقة يعتمد بشكل أساسي على مدى صناعة توافق وطني، والعمل على بناء مؤسساتي حقيقي قادر على التفاعل مع التحديات الداخلية والخارجية بمقاربة سليمة تحقق تطلعات الشعب السوري.

وهذا ما يبدو بعيدا في المدى المنظور، وخاصة في ظل الصراع الجاري في الشرق الأوسط، وفي ظل السياسة الإسرائيلية في سوريا التي تعمل على ديمومة حالة الترهل في سوريا. وتبقى مواجهة ذلك معتمدة على مدى النجاح الداخلي المنوط بالسلطة.

قائمة المصادر والمراجع:

[1] ريمون المعلولي، إدارة التنوع الديمغرافي-الثقافي (حال سوريا)، المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، تم التصفح بتاريخ 27/08/2026.

[2] مروة يوسف، إعادة بناء مؤسسات الدولة: الجيش نموذجا، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، تم التصفح بتاريخ 27/08/2026.

[3] د. خالد العزي، إعادة بناء الدولة السورية بين منطق المؤسسات وتحديات ما بعد الصراع، جريدة الحرة، تم التصفح بتاريخ 27/08/2026.

[4] أحمد عمر العبود، إعادة إعمار سوريا: التحديات وآفاق المستقبل، الجزيرة، تم التصفح بتاريخ 27/08/2026.

[5] سونير طالب، سوريا وإعادة تشكل الاقتصاد… التعافي كفرصة استثمارية طويلة الأمد، سوريا، تم التصفح بتاريخ 27/08/2026.

[6] هل يتحول التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا إلى مواجهة عسكرية؟، “بي بي سي عربي”، تم التصفح بتاريخ 01/09/2026.

[7] كيف توازن دمشق العلاقة مع واشنطن وموسكو؟، عنب بلدي، 01/09/2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى