تسليح متطور.. التحولات الجديدة في تكتيكات الجماعات الإرهابية في آسيا

تفتح الهجمات التي شهدتها باكستان خلال الأشهر الأخيرة المجال لمحاولة فهم التحولات الجارية في تكتيكات الجماعات الإرهابية في آسيا، خاصة مع التوسع اللافت في استخدام الطائرات المسيرة داخل إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان، بالتزامن مع موجة تصعيد أمني دفعت الجيش الباكستاني في ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ إلى الإعلان عن مقتل ٤٩ مسلحًا خلال عمليات متزامنة في الإقليمين. ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية بالنظر إلى أن الساحة نفسها شهدت خلال الفترة الماضية ارتفاعًا في الهجمات التي تُستخدم فيها المسيرات التجارية، بما يشير إلى دخول عنصر جديد بصورة متسارعة على بيئة اعتادت، لسنوات طويلة، أنماطًا تقوم بالأساس على العبوات الناسفة والكمائن والهجمات الانتحارية.
وتكشف الأرقام حجم التحول بصورة أوضح، إذ رصدت دراسة حديثة لمركز راجاراتنام للدراسات الدولية أكثر من ١٠٠ هجوم بالمسيرات نفذها مسلحون في خيبر بختونخوا خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦، وامتد نطاق استخدامها إلى ١٣ منطقة داخل الإقليم، مع تنوع الأهداف بين مراكز الشرطة والنقاط الأمنية والقوافل العسكرية ومنازل عناصر الميليشيات المناهضة لطالبان، وهي خريطة استخدام تشير إلى اتجاه الجماعات إلى إدخال المسيرة ضمن أدوات العمل الميداني كلها.
ويطرح تسارع هذا الاستخدام عدة تساؤلات حول أسباب اتجاه الجماعات الإرهابية في باكستان إلى المسيرات في هذا التوقيت تحديدًا، وحجم التطور الذي طرأ على طبيعة استخدامها، ومدى انتقال الخبرة بين التنظيمات المختلفة، وما إذا كانت التجربة الباكستانية مرشحة للانتقال إلى ساحات أخرى في آسيا، خاصة أن تاريخ التنظيمات الإرهابية يكشف قدرة كبيرة على استنساخ التكتيكات التي تحقق نتائج ميدانية بتكلفة محدودة.
تحول تكتيكي:
ارتبطت قدرة الجماعات الإرهابية على الاستمرار تاريخيًا بمرونتها في تطوير أدواتها وفق طبيعة البيئة الأمنية المحيطة بها، وقدمت تجربتا العراق وأفغانستان نموذجًا واضحًا لذلك، عندما تحولت العبوات الناسفة من أداة محدودة إلى أحد أهم أسلحة الجماعات المسلحة في مواجهة قوات تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واسعًا، ثم انتقلت الخبرة بين التنظيمات، وتطورت أساليب التصنيع والاستخدام واختيار الأهداف، وصولًا إلى ظهور وحدات متخصصة داخل بعض التنظيمات تولت تطوير هذه الأدوات.
ويتضح من استخدام الجماعات للمسيرات اليوم أننا أمام مسار قريب، مع اختلاف طبيعة التكنولوجيا والبيئة التي تتحرك فيها. فقد بدأ الاستخدام المسلح للطائرات التجارية الصغيرة في باكستان عام ٢٠٢٥ بصورة محدودة، ثم ارتفع عدد العمليات، واتسعت مناطق الانتشار، وتعددت الجماعات المستخدمة لها، بالتوازي مع ظهور مؤشرات على بناء وحدات متخصصة، وهي مراحل سبق أن مرت بها أدوات أخرى قبل أن تتحول إلى مكون مستقر داخل تكتيكات التنظيمات.
وتمنح التجربة التي طورها تنظيم داعش في العراق وسوريا عام ٢٠١٧ هذه المقارنة أهمية أكبر، حيث أدخل التنظيم المسيرات التجارية في عمليات الاستطلاع والتصوير، ثم طور استخدامها خلال معارك الموصل والرقة عام ٢٠١٧ لتصبح جزءًا من البيئة العملياتية، مستفيدًا من انخفاض تكلفتها وسهولة الحصول على مكوناتها مقارنة بالمنظومات العسكرية التقليدية. وقد شكلت هذه التجربة نموذجًا قابلًا للنقل، خاصة في ظل انتشار المواد المرئية والخبرات التقنية عبر الشبكات الرقمية.
وتشير دراسة صادرة في فبراير ٢٠٢٦ إلى أن التطور الجاري في باكستان يحمل ملامح انتقال من حرب العصابات الجبلية إلى نمط أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا، وهو توصيف يعكس تغيرًا أعمق من مجرد إضافة أداة جديدة إلى ترسانة التنظيم، لأنه يوسع قدرة الجماعة على جمع المعلومات ومتابعة الهدف واختيار توقيت الهجوم، ويمنح العناصر الموجودة على الأرض صورة أفضل عن البيئة المحيطة بها.
ويكشف هذا المسار التاريخي أن تطور أدوات الجماعات المسلحة لم يكن مجرد انتقال من وسيلة قتالية إلى أخرى، وإنما أدى تدريجيًا إلى تغير في طبيعة عملياتها وقدرتها على الحركة والاستهداف. فكما منحت العبوات الناسفة هذه الجماعات في العراق وأفغانستان وسيلة منخفضة التكلفة لمواجهة قوات أكثر تفوقًا، أتاحت المسيرات لاحقًا توسيع نطاق الاستطلاع والمراقبة والاستهداف، وتقليل الحاجة إلى الاقتراب المباشر من الهدف. ومع انتقال الخبرات بين ساحات الصراع وتوافر التكنولوجيا التجارية، منح ذلك قدرة أكثر انتظامًا للنشاط العملياتي، وهو ما يشير إلى تحول أوسع في تكتيكات الجماعات المسلحة، يقوم على دمج الأدوات التقليدية بالتكنولوجيا الحديثة لتعويض فجوة القوة بينها وبين الجيوش النظامية.
بيئة محفزة:
تفسر البيئة الأمنية في باكستان جانبًا مهمًا من سرعة انتشار هذا التكتيك، خاصة في خيبر بختونخوا وبلوشستان، حيث تواجه الجماعات المسلحة عمليات عسكرية وملاحقات أمنية متواصلة، في مقابل طبيعة جغرافية معقدة ومساحات حدودية واسعة. فمع ارتفاع تكلفة الحركة البشرية وخطورة اقتراب العناصر من المواقع الأمنية، أصبحت المسيرة وسيلة توفر للجماعات قدرة على جمع المعلومات من مسافة أبعد، وتقلل الحاجة إلى إرسال عناصر للاستطلاع المباشر، وتساعد في مراقبة تحركات القوات قبل بعض العمليات.
يضاف إلى ذلك أن عامل التكلفة أقل، إذ تشير الدراسات إلى أن بعض المسيرات التجارية التي تحصل عليها الجماعات يتراوح سعرها بين نحو ٢٠٠ وألف دولار، فضلًا عن إمكانية الحصول على أجزاء ومكونات إلكترونية من الأسواق المدنية. ففي يونيو ٢٠٢٦، أعلنت إدارة مكافحة الإرهاب في كراتشي القبض على شخص اتُّهم بشراء محركات ومراوح وبطاريات ولوحات تحكم ومكونات إلكترونية لصالح حركة طالبان باكستان، وهي واقعة تكشف جانبًا آخر من الظاهرة يتعلق بشبكات الإمداد التي تتشكل حول التكنولوجيا المدنية.
وتضع هذه المسألة أجهزة الأمن أمام معادلة مختلفة عن تهريب الأسلحة التقليدية، لأن المكونات المستخدمة لها وظائف مدنية مشروعة، وتتحرك عبر أسواق واسعة وسلاسل توريد يصعب التعامل معها وفق قواعد ضبط السلاح التقليدي. وقد حذرت الأمم المتحدة في يوليو ٢٠٢٦ من أن سهولة الوصول إلى الأنظمة التجارية غير المأهولة، إلى جانب التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية، خفضت العوائق أمام الحصول على هذه التكنولوجيا وتكييفها من جانب جهات مسلحة.
عدوى التكتيك:
تكتسب الحالة الباكستانية أهمية أكبر مع تعدد الجماعات التي بدأت في إدخال المسيرات إلى نشاطها، حيث تظهر حركة طالبان باكستان في مقدمة التنظيمات التي توسعت في هذا المجال، إلى جانب جماعات بلوشية مسلحة، وفي مقدمتها جيش تحرير بلوشستان، فضلًا عن تحالف اتحاد المجاهدين باكستان. وتحمل هذه الخريطة دلالة تتجاوز عدد التنظيمات المستخدمة للمسيرات، لأن انتقال الخبرة يجري بين جماعات تختلف في خلفياتها وأهدافها وأيديولوجياتها. وتشير الدراسة سابقة البيان، استنادًا إلى تقرير أممي صدر في فبراير ٢٠٢٦، إلى استفادة جيش تحرير بلوشستان من تبادل خبرات ومعلومات مع حركة طالبان باكستان في مجال استخدام المسيرات، بما يقدم نموذجًا جديدًا لقدرة التكتيك الناجح على تجاوز الحواجز الأيديولوجية.
قياسًا على ذلك، عرف تاريخ الإرهاب نماذج مشابهة، إذ انتقلت خبرات العمليات الانتحارية بين جماعات تنتمي إلى اتجاهات مختلفة، وانتشرت تقنيات العبوات الناسفة بين ساحات متباعدة جغرافيًا، ثم أتاحت المنصات الرقمية لاحقًا مساحة أسرع لنقل الخبرات المتعلقة بالدعاية والتجنيد والاتصال. وفي كل حالة، كان نجاح التكتيك داخل ساحة معينة يرفع احتمالات استنساخه في ساحة أخرى. ومن هنا يمكن قراءة المسيرات باعتبارها حلقة جديدة في مسار عدوى التكتيك، خاصة أن انتقالها يحتاج إلى موارد أقل مقارنة بأسلحة أكثر تعقيدًا، بينما تسمح البيئة الرقمية بتبادل المعرفة والخبرة بوتيرة أسرع من فترات سابقة.
مأسسة الاستخدام:
يمثل إعلان بعض الجماعات عن عمل وحدات مرتبطة بالمسيرات أحد أهم مؤشرات التطور خلال الفترة الأخيرة. فقد أعلنت حركة طالبان باكستان في ديسمبر ٢٠٢٥ عن وحدة أطلقت عليها «القوة الجوية»، فيما كشف جيش تحرير بلوشستان في فبراير ٢٠٢٦ عن وحدة للمسيرات تحمل اسم «Qazi Aero Hive Ranger».
وتحمل هذه الخطوة دلالة تنظيمية مهمة، لأن إنشاء وحدة متخصصة داخل الجماعة وتحويل المعرفة الفردية إلى معرفة تنظيمية قابلة للنقل بين العناصر والأجيال المختلفة داخل التنظيم يجعل عملية الرصد بحاجة إلى تجاوز عدد الهجمات نحو ضرورة متابعة بنية هذه الوحدات، ورصد مدى قدرتها على تطوير أدواتها وتوسيع مهامها.
وتقدم تجربة العبوات الناسفة مرة أخرى نموذجًا مفيدًا للمقارنة؛ إذ ارتفعت خطورتها بصورة كبيرة عندما ظهرت داخل التنظيمات دوائر متخصصة في التصنيع والتطوير والتدريب، وتحولت الخبرة من مبادرات فردية إلى نشاط مؤسسي. ويضع ظهور وحدات للمسيرات داخل بعض الجماعات الباكستانية هذا الاحتمال على طاولة التحليل، خاصة إذا استمرت وتيرة العمليات الحالية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن التحول من الاستخدام الفردي للمسيرات إلى بناء وحدات متخصصة داخل التنظيمات المسلحة لا ينفصل عن الارتفاع الملحوظ في وتيرة العمليات داخل باكستان، فزيادة عدد الهجمات لا تعكس فقط اتساع نطاق النشاط المسلح، وإنما تتزامن مع تطور القدرات التنظيمية والتخطيطية لبعض الجماعات، وقدرتها على إدماج أدوات قتالية جديدة ضمن عملياتها بصورة أكثر انتظامًا.
تشير المعطيات السابقة إلى أن التحول الجاري يحمل ثلاث دلالات رئيسية؛ تتعلق الأولى بقدرة الجماعات الإرهابية على تقليص جانب من فجوة القوة بينها وبين الدولة عبر استغلال التكنولوجيا المدنية منخفضة التكلفة، بينما تكشف الثانية عن علاقة متزايدة بين الضغط الأمني والابتكار التكتيكي، حيث تدفع عمليات الملاحقة التنظيمات إلى البحث عن بدائل للحركة والاستطلاع والهجوم. أما الدلالة الثالثة فتظهر في انتقال المعرفة بين الجماعات، وهو تطور قد يرفع سرعة انتشار المسيرات في ساحات أخرى إذا أثبتت التجربة الباكستانية فاعليتها، خاصة مع وجود شبكات تنظيمية وفكرية تمتد بين أفغانستان وباكستان ومناطق أخرى من آسيا.
ويضاف إلى ذلك تحول محتمل في شكل العملية الإرهابية نفسها، حيث يمكن أن يجمع التنظيم بين الاستطلاع بالمسيرات والهجوم الأرضي والعبوات الناسفة والدعاية الرقمية ضمن عملية واحدة، بما يخلق نموذجًا هجينًا تتداخل فيه الأدوات التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة. لذا، يتطلب الأمر تطوير آليات المواجهة الأمنية الاستباقية بدرجة تفوق الجماعات، سواء من حيث القدرة على الاختراق الأمني التكنولوجي أو الاستخباراتي.