لواء دكتور أحمد زغلول يكتب: غزة بين اختبار التسوية وإدارة المخاطر

مصر في قلب المشهد
ليست كل لحظة سياسية قابلة لأن تُقرأ من خلال عناوين الأخبار، فبعض الفترات تحمل في داخلها تحولات قد تمتد آثارها إلى سنوات قادمة، وما يجري حول قطاع غزة في هذه المرحلة ينتمي إلى هذا النوع من الفترات، إذ تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والسياسة والإنسان، وتتداخل الحسابات الإقليمية مع المصالح الدولية، بينما تظل القضية الفلسطينية في قلب المشهد. وقد اكتسبت التحركات الأخيرة أهمية خاصة مع استمرار الاتصالات المصرية والتركية بشأن غزة، بالتزامن مع تحرك أمريكي مرتقب لدفع مسار التسوية. وقد أشارت تقارير اليوم إلى أن المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر يعتزم زيارة إسرائيل ومصر خلال الأسبوع المقبل لبحث سبل دفع المبادرة الأمريكية الخاصة بغزة، في ظل استمرار الخلافات حول آليات تنفيذها.
مصر •• دور يتجاوز حدود الوساطة
من الخطأ اختزال الدور المصري في كونه مجرد وساطة بين أطراف متنازعة، فغزة ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري بحكم الجغرافيا والحدود والارتباط الوثيق بأمن سيناء، ولذلك فإن أي تطور في القطاع يظل محل متابعة مصرية دقيقة. وفي الوقت ذاته، حافظت القاهرة تاريخياً على مساحة للتواصل مع أطراف متعددة، الأمر الذي منحها قدرة على المساهمة في جهود التهدئة واحتواء التصعيد. ومن هنا يمكن فهم التحرك المصري باعتباره جزءاً من رؤية أوسع تستهدف حماية المصالح المصرية، ودعم الاستقرار الإقليمي، والمساهمة في توفير الظروف الملائمة للتعامل مع القضية الفلسطينية سياسياً وإنسانياً.
القاهرة وأنقرة •• أهمية التنسيق الإقليمي
اللقاءات المصرية – التركية الأخيرة تعكس اتجاهاً نحو زيادة التشاور بشأن الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها غزة. وقد أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن القاهرة وأنقرة اتفقتا على ضرورة اتخاذ إجراءات أقوى بشأن الوضع في غزة، خلال مباحثاته مع وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي. وهنا يجب التأكيد على أن التقارب في بعض الملفات لا يعني بالضرورة التطابق الكامل في الرؤى، وإنما يعني وجود مساحات مشتركة يمكن البناء عليها بما يخدم الاستقرار. وهذا هو جوهر الدبلوماسية الواقعية: أن تبحث الدول عن نقاط الالتقاء دون أن تتخلى عن ثوابتها ومصالحها الوطنية.
المشكلة الحقيقية •• ماذا بعد وقف القتال؟
السؤال الأصعب ليس كيف نتوصل إلى هدنة، وإنما كيف نحافظ عليها؟
فالهدوء المؤقت لا يعني انتهاء الأزمة، وأي ترتيبات مستدامة تحتاج إلى معالجة مجموعة من الملفات المتشابكة، من بينها الأمن وإدارة القطاع وإعادة الإعمار وإدخال المساعدات ووضع ترتيبات واضحة بشأن السلاح ومستقبل السلطة والإدارة الفلسطينية. وتزداد صعوبة المشهد بسبب استمرار الخلاف حول مسألة نزع سلاح حركة حماس وحجم الانسحاب الإسرائيلي وطبيعة أي ترتيبات دولية أو إقليمية مستقبلية في القطاع. وتشير التقارير الحالية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال يعارض جوانب أساسية من الخطة الأمريكية، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب قبل تحقيق نزع السلاح الكامل. وهذا يعني أن الاتفاق، إذا تم التوصل إليه، لن يكون نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً.
البعد الإنساني •• لا يجوز أن يغيب
وسط الحسابات السياسية والأمنية، يجب ألا ننسى أن هناك مجتمعاً مدنياً دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار التداعيات الإنسانية والصحية القاسية في القطاع، بما في ذلك ارتفاع معدلات الوفاة بين مرضى السرطان نتيجة صعوبة الوصول إلى العلاج. ومن المنظور الإنساني والقانوني، فإن حماية المدنيين وتيسير وصول المساعدات الطبية والغذائية يجب أن يظلا مبدأً أساسياً في أي ترتيبات مقبلة، وفقاً للقواعد ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني. وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين المواقف السياسية وبين الالتزامات القانونية والإنسانية، حتى لا يتحول الملف الإنساني إلى أداة للمساومة السياسية.
الأمن المصري •• ثابت لا يتغير
من الضروري عند تناول الملف الفلسطيني التأكيد على أن مصر تنظر إلى أمن حدودها وأمن سيناء باعتبارهما خطوطاً حمراء مرتبطة بأمن الدولة واستقرارها. ومن ثم، فإن أي ترتيبات مستقبلية في غزة يجب أن تراعي عدم إنتاج واقع أمني جديد يمكن أن ينعكس سلباً على الحدود المصرية أو يفتح المجال أمام تهريب السلاح أو العناصر المسلحة أو نشاط الجماعات الإجرامية والإرهابية. وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الأمن لا يتعارض مع دعم الحلول السياسية والإنسانية، بل إن الأمن المستدام يحتاج في النهاية إلى معالجة سياسية واقتصادية واجتماعية لجذور الأزمة.
لا سلام مستداماً بلا معالجة سياسية
قد تستطيع القوة العسكرية تحقيق أهداف تكتيكية، وقد تستطيع الهدنة إيقاف إطلاق النار لفترة، لكن أياً منهما لا يكفي بمفرده لبناء سلام مستدام. فالسلام يحتاج إلى مسار سياسي واضح، وإلى معالجة القضية الفلسطينية في إطار يحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويضمن الأمن لجميع شعوب المنطقة، ويمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع. كما أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عملية إنشائية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء المجتمع والمؤسسات والاقتصاد.
مصر أمام فرصة دبلوماسية مهمة
المشهد الراهن يمنح القاهرة فرصة لتعزيز دورها الدبلوماسي، ليس من خلال الدخول في صراعات المحاور، وإنما من خلال الحفاظ على سياسة متوازنة تقوم على التواصل مع مختلف الأطراف، والدفاع عن المصالح المصرية، ودعم الاستقرار الإقليمي. وهذا يتطلب إدارة دقيقة للرسائل السياسية، بحيث تظل مصر طرفاً فاعلاً في صناعة الحل دون أن تتحول إلى طرف في الصراع، وهي معادلة ليست سهلة، لكنها إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الرشيدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الأزمات الكبرى هو أن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن تصبح الهدنة بديلاً عن الحل، وأن تتحول المساعدات إلى بديل عن التنمية، وأن تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن معالجة أسبابها. ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد إيقاف إطلاق النار، وإنما بناء مسار متدرج يتمثل في الآتي:
تهدئة – حماية المدنيين – مساعدات – ترتيبات أمنية – إدارة فلسطينية – إعادة إعمار – مسار سياسي
هذه ليست وصفة سحرية، لكنها إطار منطقي يمكن أن يساعد الأطراف المعنية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها.
في النهاية •• إن ما يحدث في غزة ليس شأناً فلسطينياً أو إسرائيلياً فقط، وإنما أزمة ذات تداعيات إقليمية ودولية، ومصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وأمنها القومي ستظل معنية مباشرة بكل تطوراتها. لكن الرؤية المصرية، في تقديري، يجب أن تستمر في الانطلاق من قاعدة أساسية، وهي مصلحة مصر أولاً، واستقرار المنطقة ثانياً، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ثالثاً، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف القادرة على التأثير في المشهد. فالأمن الحقيقي لا تصنعه القوة وحدها، والسلام لا تحميه النوايا وحدها، إنما تصنعه إرادة سياسية وترتيبات أمنية واقعية وعدالة في التعامل وتنمية تفتح للإنسان طريقاً أفضل من طريق الصراع. وفي هذه الفترة الدقيقة تحتاج المنطقة إلى عقلاء أكثر من حاجتها إلى مزيد من التصعيد، وإلى بناء الجسور أكثر من بناء العراقيل، ومصر بتاريخها ومكانتها ومسؤوليتها تستطيع أن تكون أحد أهم جسور العبور من إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار.