آفاق الاحتواء.. كيف تأزمت العلاقة بين الرئاسة التونسية و”اتحاد الشغل”؟

رؤية لتحولات المشهد التونسي

لا تُقاس الأزمات السياسية بلحظة انفجارها، وإنما بمسار تشكلها عبر الزمن. وينطبق ذلك على العلاقة بين الرئيس التونسي قيس سعيد والاتحاد العام التونسي للشغل، والتي لم تنتقل من التوافق إلى المواجهة بصورة مفاجئة، بل عبر سلسلة من التحولات السياسية التي غيرت طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية وأحد أبرز الفاعلين الاجتماعيين في تونس.

ولا تعكس هذه الأزمة خلافًا حول سياسات محددة فقط، بل تكشف عن أزمة أعمق تتمثل في إعادة تعريف الأدوار داخل الدولة، وحدود مشاركة الفاعلين الوسيطين خاصة الاتحاد في صياغة السياسات العامة، حيث يتمحور جوهر الخلاف حول سؤال أساسي: ما الذي غير طبيعة العلاقة بين الرئاسة التونسية والاتحاد العام للشغل؟

ومن ثم، فإن فهم الأزمة يتطلب العودة إلى مسار تطور العلاقة بين الطرفين.

كيف تراكمت الأزمة؟

(2019 -2021): اتسمت بداية العلاقة بين الرئيس التونسي والاتحاد العام التونسي للشغل بقدرٍ من التقارب والتوافق في الرؤى. ففي أكتوبر 2019، وقبل أسابيع من انتخابه رئيسًا للجمهورية، زار الرئيس مقر الاتحاد، والتقى أمينه العام نور الدين الطبوبي، معلنًا عقب اللقاء أن تصوراته لا تختلف عن تصورات قيادة الاتحاد، وأن هناك توافقًا واسعًا بين الطرفين بشأن القضايا الوطنية. وقد عكس هذا اللقاء انطباعًا أوليًا بإمكانية نشوء علاقة تعاون بين الطرفين، خاصة في ظل المكانة التاريخية التي يحتلها الاتحاد داخل المشهدين السياسي والاجتماعي التونسي.

واستمرت هذه العلاقة الهادئة حتى 25 يوليو 2021، حين أعلن الرئيس اتخاذ ما وصفه بالتدابير الاستثنائية، والتي شملت إقالة حكومة هشام المشيشي، وتجميد أعمال البرلمان، وتولي السلطة التنفيذية بصورة مباشرة. وقد تعامل الاتحاد العام التونسي للشغل مع تلك التطورات بحذر؛ فلم يرفضها بصورة قاطعة كما فعلت بعض القوى السياسية، لكنه لم يمنحها أيضًا تأييدًا مطلقًا، بل اعتبرها استجابة ظرفية لأزمة سياسية وصحية معقدة، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة احترام الدستور، وتحديد سقف زمني واضح لهذه الإجراءات.

ولكن هذا التوازن لم يدم طويلًا، حيث سرعان ما بدأت الهوة تتسع بين الطرفين مع تركيز الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية.

(2021-2022): شكل المرسوم الرئاسي الصادر في سبتمبر 2021، والذي منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة وأعاد رسم موازين السلطة في الدولة، نقطة تحول رئيسية في العلاقة بين الطرفين. فمنذ تلك اللحظة، بدأ الاتحاد ينظر إلى الإجراءات الاستثنائية باعتبارها تحول نحو إعادة تشكيل النظام السياسي بصورة أحادية.

كما تعزز هذا الانطباع مع سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الرئاسة خلال عام 2022، والتي شملت حل المجلس الأعلى للقضاء، وحل البرلمان، وإعادة تشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ثم إصدار مشروع دستور جديد والاستفتاء عليه، فضلًا عن تعديل القانون الانتخابي. وقد جرت هذه الخطوات دون مشاركة فعلية من الأحزاب السياسية أو المنظمات الوطنية، الأمر الذي اعتبره الاتحاد ابتعادًا عن مبدأ التشاركية الذي ميّز مراحل سابقة من الحياة السياسية التونسية.

ونتيجة لذلك، تحولت العلاقة بين الطرفين؛ حيث بدأ الاتحاد يوجه انتقادات أكثر وضوحًا للمسار الدستوري الجديد، معتبرًا أن بعض التعديلات المطروحة لا تحقق التوازن بين السلطات ولا توفر الضمانات الكافية لدولة القانون والمؤسسات. وبذلك، امتد الخلاف ليشمل طبيعة النظام السياسي وآليات إدارة الدولة.

(2023-2024): مع بداية عام 2023، دخلت العلاقة بين الرئاسة والاتحاد مرحلة أكثر توترًا، بالتزامن مع تصاعد الأزمة الاقتصادية واتساع نطاق الإجراءات الأمنية بحق عدد من الشخصيات السياسية والنقابية. وفي السياق ذاته، تصاعدت حدة الخطاب المتبادل بين الطرفين، حيث اتهمت قيادة الاتحاد السلطة باستهدافها والنيل من دورها التاريخي، بينما مضت الحكومة في عدد من الإجراءات التي رأى فيها الاتحاد تجاوزًا للتقاليد الراسخة للحوار الاجتماعي، من بينها تعديل بعض التشريعات المتعلقة بالعمل دون إشراك الشركاء الاجتماعيين، فضلًا عن تعليق المفاوضات الخاصة بحقوق العاملين في القطاع العام.

(2025 -2026): بلغت الأزمة بين الطرفين ذروتها خلال عام 2025، بعدما فشلت جولات التفاوض بين الحكومة ونقابات النقل التابعة للاتحاد، وهو ما دفع الأخيرة إلى الإعلان عن إضراب عام في قطاع النقل البري.

كما ازداد المشهد احتقانًا في أغسطس من العام نفسه، عندما تعرض مقر الاتحاد لهجوم من قبل عدد من أنصار الرئيس، في واقعة عكست حجم الاستقطاب الذي أصبحت تشهده الساحة التونسية. ورد الاتحاد بتنظيم تحركات احتجاجية واسعة، مؤكدًا تمسكه بالدفاع عن الحقوق النقابية والحوار الاجتماعي.

وفي نوفمبر 2025، استدعت الرئاسة التونسية سفير الاتحاد الأوروبي لدى تونس، جوزيبي بيروني، احتجاجًا على لقائه الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي دون تنسيق مع السلطات الرسمية.

ومع النصف الأول من عام 2026، استمر التوتر بين الرئاسة والاتحاد في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع فرص الحوار الاجتماعي. كما تزامن ذلك مع تصاعد انتقادات عدد من القوى السياسية، من بينها حزب العمال التونسي، التي حملت الرئيس مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية، مشيرة إلى استمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الضغوط الاجتماعية.

وبالتالي فإن التوتر الحالي يمثل امتدادًا لمسار تراكمي، وليس استجابة لحدث منفرد، ولكن إذا كانت الأزمة تراكمية، فما الذي غير طبيعة العلاقة إلى هذا الحد الآن؟

التحول في طبيعة العلاقة

تعكس الأزمة القائمة بين الرئاسة التونسية واتحاد الشغل أزمة شخصية بين طرفين، تحولًا في القواعد التي حكمت العلاقة بين الدولة والمنظمات الوطنية لعقود، حيث استندت إدارة الخلافات في تونس إلى مبدأ الحوار الاجتماعي، الذي منح المؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها الاتحاد، دورًا في احتواء الأزمات. أما في السنوات الأخيرة، فقد اتجهت العلاقة إلى نمط مختلف، تراجع فيه دور الوساطة لصالح مركزية أكبر في اتخاذ القرار.

وفي المقابل، وجد الاتحاد نفسه أمام مساحة أضيق للتأثير عبر القنوات التقليدية، الأمر الذي دفعه إلى توظيف أدوات الضغط النقابي باعتبارها وسيلة للحفاظ على حضوره في الساحة العامة. وهكذا، أصبح الخلاف يدور حول من يملك حق التأثير في السياسات العامة وحدود هذا التأثير.

وعليه، فإن التحول الأبرز لم يكن في مواقف الطرفين، وإنما في طبيعة العلاقة التي تربطهما. فبعد أن كانت تقوم على معادلة الدولة – الاتحاد – التفاوض، أخذت تميل تدريجيًا إلى معادلة مختلفة، يصبح فيها القرار أكثر مركزية، بينما يتجه الاتحاد إلى أدوات الضغط والاحتجاج لإيصال مطالبه. ومع تقلص قنوات الحوار المؤسسي، أصبح كل طرف يخاطب الرأي العام أكثر مما يخاطب الطرف الآخر.

ماذا تقول الاحتجاجات؟

أصبحت الاحتجاجات التي يقودها الاتحاد تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الاتحاد والسلطة التنفيذية. فمع تراجع قنوات الحوار المؤسسي، برزت التحركات الاحتجاجية بوصفها إحدى أهم أدوات التعبير عن المطالب الاجتماعية، ووسيلة ضغط يعتمد عليها الاتحاد لإعادة طرح الحقوق الاقتصادية على أجندة صانع القرار.

وتشير بيانات المرصد الاجتماعي التونسي إلى تسجيل 2973 تحركًا احتجاجيًا خلال الفترة الممتدة من 1 يناير حتى 28 يوليو 2026، ويوضح الشكل أن المطالب المرتبطة بالحق في التشغيل وتحسين الأوضاع المهنية استحوذت على النسبة الأكبر من التحركات الاحتجاجية، بما يعكس أن الدافع الاقتصادي والاجتماعي ظل المحرك الرئيس للاحتجاجات مقارنة ببقية المطالب.

المصدر: https://2u.pw/InaLtx

وفي المقابل، تنوعت أدوات الضغط التي استخدمها الاتحاد والفاعلون الاجتماعيون، وكما يوضح الشكل التالي، أن الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والإضرابات مثلت الأدوات الأكثر استخدامًا، وهو ما يعكس لجوء الاتحاد إلى وسائل ضغط متدرجة تتناسب مع مستوى الاستجابة الرسمية لكل ملف.

المصدر: https://2u.pw/InaLtx

في حين تكشف البيانات أن الحكومة كانت الجهة الأكثر استهدافًا بالمطالب، الأمر الذي يعكس تمركز الاحتجاجات حول السياسات العامة والإدارة الاقتصادية، مع استمرار الاتحاد في أداء دوره باعتباره وسيطًا اجتماعيًا ينقل مطالب الفئات المختلفة إلى المجال العام ويمارس الضغط على السلطة التنفيذية للاستجابة لها.

المصدر: https://2u.pw/InaLtx

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تفسير وتيرة الاحتجاجات بمعزل عن السياق السياسي؛ إذ تتأثر التحركات الاجتماعية بالمحطات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد منذ قرارات 25 يوليو 2021، والتي أعادت تشكيل العلاقة بين الرئيس والاتحاد. فمنذ ذلك التاريخ، باتت الاحتجاجات تحمل في كثير من الأحيان دلالات تتجاوز المطالب الفئوية، لتعكس أيضًا طبيعة التفاعل بين السلطة والفاعلين الاجتماعيين في ظل تراجع آليات الحوار والتفاوض.

كيف تآكلت الثقة بين الرئاسة والاتحاد؟

لم تكشف الاحتجاجات الأخيرة في تونس عن تصاعد المطالب الاجتماعية والاقتصادية فقط، وإنما أظهرت أيضًا حجم التراجع في الثقة بين الرئاسة والاتحاد، وهو ما جعل الخلاف بين الطرفين يصل إلى أزمة في العلاقة ذاتها.

فمع كل جولة جديدة من الاحتجاجات أو القرارات الحكومية، بدا واضحًا أن قنوات الحوار لم تعد قادرة على استيعاب الخلافات، وأن تراكم الأزمات خلال السنوات الماضية أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة، لتصبح مواقف كل طرف محكومة بالشك في نوايا الطرف الآخر أكثر من البحث عن حلول مشتركة.

وفي هذا السياق، أصبحت الأزمة الكبري  أزمة ثقة في آليات التفاوض؛ حيث باتت القرارات تُقابل بالرفض، والدعوات إلى الحوار تُستقبل بالتشكيك، بينما تتحول الاحتجاجات إلى مؤشر على اتساع الفجوة بين الطرفين بدلًا من أن تكون وسيلة للضغط من أجل الوصول إلى تسويات. ومن ثم، فإن استمرار هذا المناخ من انعدام الثقة يحول الخلافات القابلة للاحتواء إلى أزمات ممتدة يصعب إنهاؤها.

كيف يمكن احتواء هذا التوتر؟

يعكس هذا التوتر بين الرئيس التونسي والاتحاد خللًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين وآليات إدارة الخلاف بينهما. ومن ثم، فإن احتواء الأزمة يتطلب معالجة جذورها من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:

(*) إعادة تعريف قواعد العلاقة بين الرئاسة والاتحاد: وذلك من خلال وضع إطار مرجعي يحدد بوضوح نطاق مشاركة الاتحاد في مناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وحدود مسؤولية مؤسسات الدولة في اتخاذ القرار. ومن شأن ذلك تقليل تضارب التوقعات بين الطرفين، ومنع تحول تداخل الأدوار إلى مصدر دائم للتوتر.

(*) بناء أجندة للمصالح المشتركة: من خلال التركيز على الملفات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين، مثل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، ودعم التعافي الاقتصادي، وتحسين بيئة العمل. فمن شأن تحقيق تقدم في هذه الملفات أن يخلق مساحات للتعاون، ويعيد توجيه العلاقة من إدارة الخلافات المتكررة إلى إدارة المصالح الوطنية المشتركة.

(*) إقرار بروتوكول لإدارة الخلافات: وذلك عبر اعتماد آلية واضحة للتعامل مع الخلافات قبل تصاعدها، تبدأ بالتشاور المباشر، ثم التفاوض، فالوساطة عند الضرورة، مع وضع إطار زمني لمراحل التعامل مع كل أزمة. ويسهم ذلك في الحد من اللجوء المباشر إلى التصعيد الإعلامي أو الاحتجاجات، ويعزز قدرة الطرفين على احتواء الخلافات في مراحلها الأولى.

وبناءًا عليه، فإن استقرار العلاقة بين الرئاسة والاتحاد لن يتحقق بإنهاء جميع نقاط الخلاف، وإنما ببناء قواعد مؤسسية واضحة، وآليات فعالة لإدارة الاختلاف، وتوسيع مساحات التعاون في القضايا ذات الأولوية، بما يحول دون تحول الخلافات إلى أزمات سياسية أو اجتماعية متكررة.

وختامًا، يتضح أنه كلما تراجعت قنوات الحوار المؤسسي، ازدادت احتمالات انتقال الخلافات من طاولة التفاوض إلى الشارع، بما يضاعف كلفة إدارتها سياسيًا واجتماعيًا. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقة بين الطرفين لن يتوقف على إنهاء الخلافات القائمة بقدر ما يرتبط بإعادة بناء الثقة بين الطرفين، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن منطق المواجهة المستمرة.

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى