حسابات الرهانات وأرباح التسويق.. كيف تؤثر المصالح الاقتصادية في نتائج كأس العالم ٢٠٢٦؟

تشهد دورة كأس العالم في نسختها الحالية 2026، العديد من التجاوزات التي تؤثر على عدالة نتائج المباريات، وهو الأمر الذي اتضح بشكل دقيق بعد مباراة مصر والأرجنتين، فالتحيُز التحكيمي الذي شهدته هذه المباراة لصالح فريق الأرجنتين، أحدثت موجة كبيرة من الغضب حول فساد منظومة كأس العالم.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على المؤشرات الدالة على حسابات الرهانات وأرباح التسويق في مباريات كأس العالم، هذا فضلاً عن التعرف على الانعكاسات المُحتملة لهذه الأزمة.

مؤثرات واضحة:

يُمكن التعرف على الخلفيات التي تحدُث في منافسات كأس العالم، من خلال النقاط التالية:

الشكل (1): حجم سوق الرهانات الرياضية

المصدر: شركة فيوتشر ماركت إنسايتس(2025)

(-) معادلة الرهانات يُعتبر كأس العالم هو أكبر حدث للمراهنات الرياضية، وتتضمن المراهنات الرياضية المقامرة من خلال توقع نتيجة مباراة ما ووضع رهان، قد تُترجم أحداث بسيطة، كالبطاقة الصفراء أو الركلة الركنية أو تأخير حارس المرمى في استئناف اللعب، إلى ملايين الدولارات للمراهنين، مما يُتيح لشبكات الجريمة المُنظمة فرصًا للتغلغل في عالم الرياضة، وهي شائعة في رياضات متنوعة، بما في ذلك الكريكيت وكرة القدم وسباق الخيل، وهو الأمر الذي يوضح ضخامة صناعة الرهانات الرياضية، فمن المتوقع أن يرتفع حجم سوق المراهنات الرياضية كما يوضح الشكل (1) من 111.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025 إلى 298.1 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2035.

ومن المتوقع أن يُسهم انتشار الإنترنت في دفع عجلة التطور في صناعة المراهنات الرياضية، إذ تُحقق كرة القدم الأوروبية أعلى الإيرادات في مجال المراهنات الرياضية عبر الإنترنت، إذ قُدّر حجم سوق المراهنات الرياضية عبر الإنترنت بنحو 53.78 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 93.31 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 11.65% خلال الفترة المتوقعة (2025-2030).

في نسخة كأس العالم الحالية، يُقدّر خبراء المراهنات أن تصل قيمة المراهنات القانونية عبر الإنترنت إلى 3.1 مليار دولار، تُضاف إليها حوالي 2.37 مليار دولار من خلال منصات التنبؤ، وقد كشفت صحيفة مالية بريطانية قبل أسابيع من المباراة النهائية أن الرهانات على الفائز بالبطولة عبر منصة تنبؤ واحدة بلغت 1.8 مليار دولار – وهي أكبر عملية مراهنة فردية من نوعها – ليصل إجمالي حجم المراهنات على كأس العالم 2026 إلى حوالي 7.3 مليار دولار.

وبحسب مجلة فوربس فقد تم توقَع قيمة المراهنات في دورة كأس العالم الحالية بنحو 593 مليار دولار، وتبلغ نسبة المراهنات المُنظمة حوالي 31%، بينما تبلغ نسبة المراهنات غير المنظمة وغير المعترف بها 69%. أي أن هذه النسبة البالغة 69% تُقدر بـ 409 مليارات دولار.

وشهدت منصة كالشي حجم تداول تجاوز 30 مليار دولار أمريكي في يونيو2026 مع انطلاق بطولة كأس العالم. في المقابل، سجلت المراهنات على منصة بوليماركت المنافسة رقماً قياسياً بلغ 10.8 مليار دولار أمريكي في الشهر ذاته من العام.

وبتطبيق ذلك على مباراة مصر والأرجنتين، سيتضح من الإحصائيات التي تُشير إلى أن نسبة ترجيح فوز الأرجنتين بلغت نحو 75% إلى 80%، ونظرًا لأن معظم الرهانات كانت على الأرجنتين، فخسارة المُراهنات ستكون صغيرة في حالة فوز الأرجنتين، أما في حالة فوز مصر فسيكون هناك تسديدات كبيرة، وهو الأمر الذي يوضح أن حسابات الرهانات أثرت بشكل كبير على أحداث مباراة مصر والأرجنتين.

الجدول (1): الأرباح التسويقية لأكبر 10 لاعبين في العالم لعام 2026

(-) الأرباح التسويقية: إن حسابات أرباح التسويق من اللاعبين الرياضيين توجه من الذي سيفوز داخل مباريات كأس العالم، فلم يعُد نجوم كرة القدم مجرد رياضيين، بل أصبحوا علامات تجارية عالمية، وشركات إعلامية، ومحافظ استثمارية، جميعها ترتدي أحذية رياضية.

ومن الجدول (1) الذي يوضح لاعبي كرة القدم العشرة الأعلى قيمة تسويقية في عام 2026، ليس بناءً على ثروتهم الإجمالية، بل على قوتهم التجارية خارج الملعب: من خلال عقود الرعاية، والتأييد، وصفقات العلامات التجارية، والقيمة التي يضيفونها إلى كل حملة يشاركون فيها، يوضح أن اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي يمتلك أكبر قوة تجارية بقيمة 70 مليون دولار، وبالتالي وجوده فريقه في كأس العالم يُعزز فرص فوزه؛ لجني الأرباح الكبيرة من ورائه.

(-)الفساد المالي: إن الفساد الذي أُكتشف بعد مباراة مصر والأرجنتين في الاتحاد الأرجنتيني يُكشف عن جرائم كبيرة في المجال الرياضي، فمكتب التحقيقات الفيدرالي يُحقق مع الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم بتهمة الاحتيال وغسل الأموال، في معاملات مصرفية بمئات الملايين من الدولارات مرتبطة بالولايات المتحدة، إذ تلقت شركة TourProdEnter LLC، ومقرها فلوريدا، تأسست في أغسطس 2021، وعملت كوكيل تجاري دولي للاتحاد الأمريكي لكرة القدم AFA))، ما يقارب 300 مليون دولار أمريكي بين عامي 2022 والنصف الأول من عام 2024 عبر حسابات في بنوك أوف أمريكا، وسينوفوس، وجيه بي مورغان تشيس، وسيتي بنك، وبي إن سي.

وبالتالي فيوضح هذا الفساد المالي في بعض الاتحادات الكروية خرق القوانين المُتعارف عليها في المباريات الرياضية الدولية، فالأموال التي تنتقل بشكل غير شرعي تستهدف الحصول على الدعم الكبير في المباريات، وهو ما شاهدناه مع فريق الأرجنتين، فلقطة رئيس الفيفا وهو مُصاب بالصدمة بعد تسجيل مصر الهدف الأول، يوضح عدم النزاهة الكبيرة.

انعكاسات حتمية:

إن حسابات الرهانات والتسويق في مباريات كأس العالم، يترتب عليها مجموعة من الانعكاسات التي تعرضنا لها في هذه النسخة، وهي:

(-) ضياع أحلام دول: إن كل دولة مشاركة في كأس العالم تحتاج أن يتم معاملتها بشكل عادل، فخروجها نتيجة تقصير منها في طريقة اللعب أو الفنيَات، لا يُضاهي خروجها بظلم تحكيمي بيَنه وأقره كبار المسؤولين الرياضيين العالميين، وهو ما أصاب صدمة للشعب المصري بعد أن أحرز الفريق الأرجنتيني أهدافه الثلاثة في آخر 10 دقائق نتيجة مُحاباة من الحكم الفرنسي لهم، واحتساب كل الأخطاء، وهذا ما لا يحدث مع فريق المنتخب المصري إلا في إلغاء الهدف الثالث له، ونتمنى ألا يتم ذلك مع المنتخب المغربي وهو يُقابل المنتخب الفرنسي مساء اليوم، في ظل تحكيم أرجنتيني كامل.

(-) فقدان الثقة في الفيفا: تواجه منظومة الفيفا تحت رئاسة “جياني إنفانتينو” موجات من الهجوم عالي المستوى بعد مباراة مصر والأرجنتين، وبعد إلغاء الكارت الأحمر للاعب الأمريكي بعد تدخل الرئيس دونالد ترامب، فقد أشار الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية ” محمد البرادعي” أن الفيفا فقدت الكثير من المصداقية والثقة ولأسباب كثيرة يعرفها الجميع.

(-) خسائر اقتصادية ورعائية: يرتبط انتشار الفساد في بطولات كأس العالم بخسائر للرعاة والشركات؛ لأنه الفساد يضر بسمعتها، وهو ما يترتب عليه انتهاء عقود الرعاية وإعادة التقييم، وهو ما حدث بعد فضائح الفساد التي هزت الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2015، فقد أعلنت بعض الشركات العالمية مراجعة علاقتها التجارية مع الفيفا، وواجه الاتحاد ضغوطًا كبيرة من شركائه التجاريين؛ للمطالبة بإصلاحات الحوكمة.

ومن ناحية أخرى قد تضرر الدول المستضيفة إذا ارتبطت البطولة بشبهات فساد، فقد تتأثر قطاعات السياحة والاستثمار بها، إذ يتردد بعض المستثمرون في الدخول في مشروعات مرتبطة بالأحداث الرياضية الكبرى.

في النهاية، يُمكن القول إن كأس العالم 2026 شهد انكشاف للوجه القبيح للفساد الكروي، الذي يستخدم المال والأرباح في توجيه دفة الرابح والخاسر في المباريات، وهو الأمر الذي يبتعد عن القوانين النزيهة للألعاب الرياضية، التي تستلزم تطبيق القواعد التحكيمية بشكل عادل وكفء ومتساوي بين أطراف اللعبة، إنما مافيا كأس العالم التي ظهرت بشكل كامل في هذه النسخة، ستعمل على ضياع مستقبل الكرة عالميًا.

رضوى محمد سعيد

رضوى محمد- باحث أول بالمركز، ورئيس وحدة الدراسات المصرية، ومدير برنامج الدراسات المصرفية بالمركز. حاصلة على ماجستير اقتصاد في موضوع قنوات انتقال السياسة النقدية وتأثيرها على الاقتصاد الحقيقي في مصر، كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة القاهرة، وحاصلة على بكالوريوس اقتصاد من جامعة القاهرة، حاليا في مرحلة تمهيدي دكتوراة في جامعة القاهرة. الباحثة مهتمة بتحليل القضايا الاقتصادية الكلية، عملت كباحثة متخصصة في تحليل السياسات العامة المصرية بالعديد من الشركات المتخصصة ومراكز الفكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى