برجماتية التنظيم.. لماذا تشجع “الإخوان” المنتخب المصري وتهاجم الدولة في الخارج؟

يكشف مشهد الحافلة الدعائية التي جابت شوارع لندن منذ أيام، حاملة رسائل مسيئة للدولة المصرية، وما تزامن معها من وقفات احتجاجية في عدة عواصم أوروبية، بينها لاهاي، عن نمط متكرر في تحركات جماعة الإخوان بالخارج. فالمسألة ليست مجرد نشاط احتجاجي عشوائي، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية دعائية تستهدف نقل الصراع إلى المجال العام الغربي، بهدف تقديم مصر أمام الرأي العام الأوروبي في صورة دولة مأزومة سياسيًا وحقوقيًا، بما يخدم هدفًا مركبًا يقوم على تشويه الصورة الذهنية للدولة، والضغط عليها سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا.

غير أن اللافت في هذا المشهد أن الجماعة، في الوقت الذي تتحرك فيه بالخارج عبر حافلات ولافتات ووقفات تستهدف الإساءة إلى الدولة المصرية، وتدعو إلى مقاطعة مصر كوجهة سياحية، تظهر عبر بعض منصاتها الإعلامية وهي تتبنى خطابًا مشجعًا للمنتخب المصري، وتخاطب الجمهور العادي بلغة تبدو وطنية في ظاهرها. وهنا يظهر التناقض المركزي: كيف لجماعة تتحرك خارجيًا ضد صورة الدولة المصرية أن تتحدث داخليًا بلسان المشجع للمنتخب الوطني؟

هذا التناقض ليس عشوائيًا، بل يكشف عن أحد أهم ملامح العقل التنظيمي الإخواني، وهو البرجماتية في التعامل مع مفهوم الوطن. فالجماعة لا تتعامل مع الوطنية باعتبارها قيمة ثابتة، وإنما باعتبارها أداة خطابية يتم استدعاؤها عند الحاجة، وتجاوزها أو مهاجمتها عندما تتعارض مع مصالح التنظيم.

خداع الوطنية:

لم تكن الحافلة التي ظهرت في لندن مجرد وسيلة دعائية، بل كانت منصة متحركة لإنتاج مشهد بصري قابل للتصوير والتداول. فالهدف الحقيقي ليس فقط من يشاهد الحافلة في الشارع، وإنما الجمهور الأوسع الذي يتلقى صورها عبر وسائل التواصل والإعلام. ويحمل اختيار لندن دلالة واضحة؛ باعتبارها عاصمة إعلامية وحقوقية وسياسية مهمة، وتوفر بيئة مناسبة لتحويل الرسائل الدعائية إلى مادة قابلة للتدويل. كما أن تصميم الحافلة باحترافية، وكتابة العبارات المسيئة باللغة الإنجليزية، والاعتماد على شعارات مختصرة، كلها عناصر تشير إلى أن الرسائل موجهة بالأساس إلى الرأي العام الغربي، وليس إلى الداخل المصري.

وتكمن خطورة هذه الأداة في أنها لا تكتفي بانتقاد الدولة، بل تسعى إلى ضرب صورتها ككل. فعندما تظهر عبارات تتحدث عن الحقوق والحريات، مقرونة برسائل مثل عدم السفر إلى مصر، فإن الحملة تتحول من خطاب سياسي إلى محاولة لاستهداف السياحة والاقتصاد والثقة الدولية والسمعة الوطنية.

تزامن مشهد الحافلة مع وقفات احتجاجية في عدة دول، منها لاهاي، يكشف أن التحرك لا يقوم على أداة واحدة، بل على توزيع وظيفي للأدوار. فالحافلة تصنع الصورة الصادمة في الشارع الغربي، والوقفات الإخوانية تمنح انطباعًا بوجود حراك سياسي، والمنصات الإعلامية للجماعة تعيد تدوير المشهد، ثم تتولى وسائل التواصل تضخيم الرسالة. وبذلك، نحن أمام منظومة دعائية متكاملة؛ الحافلة تنتج الرمز، والوقفة تنتج الحضور، والإعلام ينتج الرواية، والسوشيال ميديا تنتج الانتشار.

وهنا تظهر خبرة الجماعة في تحويل الأحداث الصغيرة إلى مادة سياسية قابلة للتضخيم. فالتحرك الميداني قد يكون محدودًا من حيث العدد، لكنه يصبح كبيرًا من حيث الأثر عندما يُعاد تصويره وتداوله وربطه بخطاب إعلامي متكرر.

في المقابل، تظهر بعض منصات الجماعة وهي تتعامل مع مباريات المنتخب المصري بخطاب تشجيعي، وكأنها جزء من حالة الالتفاف الشعبي حول الفريق الوطني. غير أن هذه الوطنية الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن البنية الفكرية للجماعة، التي قامت تاريخيًا على أولوية التنظيم والأمة والجماعة على الدولة الوطنية الحديثة. فالجماعة لا تتبنى الوطنية المصرية بوصفها انتماءً أصيلًا، بل توظفها عندما تكون الجماهير في حالة وجدانية جامعة.

فالمنتخب ليس مجرد فريق رياضي، بل رمز للهوية الوطنية، والهجوم عليه أو التقليل منه في لحظة التفاف شعبي قد يكشف عزلة الجماعة عن المزاج المصري. لذلك تتبنى الجماعة خطاب التشجيع، لا إيمانًا بالدولة الوطنية، وإنما تجنبًا لخسارة الجمهور. وهنا تتضح المفارقة؛ فالخطاب الموجه إلى الخارج يهاجم صورة مصر، والخطاب الموجه إلى الداخل يستخدم لغة التشجيع الوطني. وهذا ليس تناقضًا طارئًا، بل تقسيم مقصود للخطاب بحسب الجمهور المستهدف.

ومن هذا المنطلق، تكشف تحركات الجماعة في الخارج أنها تسير على خطى مؤسسها؛ فالجماعة لم تتخل عن الفلسفة الدعائية التي أرساها حسن البنا، وإنما طورت أدواتها بما يتناسب مع طبيعة العصر. فقد أدرك البنا منذ سنوات التأسيس أن نجاح التنظيم لا يعتمد فقط على نشر الأفكار، بل على الوصول المباشر إلى الجمهور؛ لذلك اعتمد على مخاطبة جمهور المقاهي من خلال الجولات الميدانية والمحاضرات العامة، ثم أنشأ الصحف والمجلات، ونظم المؤتمرات والندوات، وجعل من الاتصال الجماهيري أحد أهم ركائز بناء التنظيم وانتشاره.

ومع تطور وسائل الاتصال، تطورت أدوات الجماعة دون أن يتغير الهدف؛ فبدلًا من المقاهي أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وبدلًا من المجلات أصبحت المنصات الرقمية والقنوات الفضائية، وبدلًا من المؤتمرات التقليدية أصبحت الوقفات الاحتجاجية أمام المؤسسات الدولية، والحافلات التي تجوب العواصم الغربية، والشاشات الإعلانية المتنقلة التي تستهدف الرأي العام العالمي.

التنظيم أولًا:

لفهم هذا التناقض، يجب العودة إلى تصور الجماعة للوطن؛ فالفكر الإخواني في جوهره يتعامل مع الوطن باعتباره مساحة حركة للتنظيم، لا باعتباره مرجعية نهائية يدين لها بالولاء، ولا يؤمن بمفاهيم السيادة أو الهوية الوطنية بالمعنى الحديث. لذلك تظل رابطة التنظيم عند الجماعة أعلى من رابطة الدولة، وتظل فكرة الأمة كما تتصورها الجماعة أوسع من حدود الوطن.
لذلك، فإن ما تفعله الجماعة يمكن وصفه بالبرجماتية المزدوجة؛ فهي أمام الجمهور الغربي تستخدم خطاب الحقوق والحريات والديمقراطية، لأنه الخطاب الأكثر تأثيرًا في البيئة الأوروبية. وأمام الجمهور المصري تستخدم خطاب التشجيع والفرحة والانتماء الرياضي، لأنه الخطاب الأكثر قدرة على تجنب الصدام مع الوجدان الشعبي.
وبذلك تستهدف الجماعة صناعة رسائل متعددة؛ رسالة للغرب تقول إن مصر مأزومة وغير آمنة، ورسالة للداخل تقول إن الجماعة ليست ضد المصريين، ورسالة للأتباع تقول إن كل الأدوات مباحة لخدمة أهداف التنظيم. وتكشف هذه البرجماتية أن الجماعة لا تتحرك وفق موقف ثابت، بل وفق حسابات المصلحة التنظيمية. فهي لا ترى في المنتخب امتدادًا للدولة حين تشجعه، ولا ترى في الإساءة إلى مصر خارجيًا خيانة للوجدان الوطني، لأن معيارها ليس الوطن، بل مصلحة التنظيم.
وتحاول الجماعة دائمًا تبرير تحركاتها الخارجية بأنها ضد السلطة أو السياسات، لكن طبيعة الرسائل المستخدمة تكشف أنها تتجاوز ذلك إلى استهداف الدولة ذاتها. فالدعوة إلى عدم السفر إلى مصر لا تضغط على نظام سياسي بقدر ما تمس السياحة والعمالة والاقتصاد وصورة المصريين في الخارج. كما أن الوقفات أمام المؤسسات الدولية لا تستهدف قرارًا بعينه فقط، بل تسعى إلى تثبيت سردية سلبية حول مصر في الوعي الغربي. وهذا ما يجعل التناقض مع تشجيع المنتخب أكثر وضوحًا؛ لأن المنتخب لا يمثل سلطة سياسية، بل يمثل الدولة والشعب والهوية.
يمكن فهم ذلك بالرجوع إلى أدبيات الجماعة؛ فالجماعة منذ تأسيسها حصرت مفهوم الانتماء في الأمة الإسلامية بوصفها الإطار الجامع، بينما اعتبرت الحدود القطرية والدولة الوطنية نتاجًا للتقسيم السياسي الحديث. وقد انعكس ذلك في رسائل حسن البنا، التي قدمت الانتماء الإسلامي العام باعتباره الإطار الأوسع للانتماء الوطني، ثم تطورت هذه الرؤية في كتابات سيد قطب، التي أولت الولاء للعقيدة والجماعة، واعتبرت الوطنية والانتماء الوطني من صور الجاهلية.
وبناءً على هذه المرجعية، يصبح الوطن بالنسبة إلى التنظيم وسيلة لتحقيق المشروع، وليس مرجعية نهائية مستقلة عنه. لذلك لا تجد الجماعة حرجًا في استخدام الخطاب الوطني عندما يخدم أهدافها التعبوية، ثم الانتقال إلى خطاب آخر عندما ترى أن مصلحتها التنظيمية تقتضي ذلك.

هذا النمط السلوكي للجماعة يحقق لها عدة أهداف؛ أولًا، يحافظ على حضورها داخل المجال العام المصري عبر قضايا جامعة، مثل كرة القدم. ثانيًا، يمنع عزلها شعبيًا بوصفها معادية لكل ما هو مصري، ويعزز سرديتها بأنها جماعة معارضة تستهدف -بحسب خطابها- المصلحة الوطنية. ثالثًا، يسمح لها بالاستمرار في حملات الضغط الخارجي بصورة تبدو مبررة أمام جمهورها داخل مصر، ويمنحها القدرة على مخاطبة كل جمهور بالشكل الذي يناسبه.

ختامًا، تكشف الحافلة التي جابت شوارع لندن، وما تزامن معها من وقفات احتجاجية وخطابات إعلامية متباينة، أن الصراعات في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُخاض فقط على الحدود أو داخل المؤسسات السيادية، وإنما أصبحت تُدار أيضًا داخل العقول، حيث تتحول الصورة إلى سلاح، والانطباع إلى أداة ضغط، والرواية إلى ميدان مواجهة لا يقل خطورة عن الميدان العسكري.

وتؤكد هذه الوقائع أن التنظيمات الأيديولوجية لا تتحرك بمنطق الثبات، بل بمنطق المصلحة؛ فهي لا تقدس الوسائل، بل توظفها، ولا تتمسك بخطاب واحد، بل تغيره وفقًا للجمهور المستهدف، ولا تنظر إلى الرموز الوطنية باعتبارها قيمة في ذاتها، وإنما باعتبارها أدوات يمكن استخدامها أو تجاوزها وفق ما تقتضيه الحسابات التنظيمية.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى