سيداو نموذجًا.. كيف توظف المنصات الإخوانية القضايا الثقافية سياسيًا؟

انطلاقًا من إحدى حلقات برنامج “بوضوح” الذي يُذاع على قناة وطن الإخوانية، والذي يتعمد خلط الحقائق من خلال عرض سياقات واستدلالات في غير محلها، وربطها بالفكرة أو الرؤية الإخوانية المستهدف تمريرها للمشاهد، جاء النقاش تحت عنوان “نظرية موت الرجل والصراع مع المرأة” خلال حلقة أُذيعت بتاريخ 21 يوليو الجاري، حيث جرى الربط بين توقيع بعض الدول العربية على اتفاقية سيداو، والحركة النسوية، وأقوال بعض المفكرين الغربيين حول الحرية الجنسية. وقد قُدمت الحلقة في إطار اتهامي أوسع للحكومات العربية بأنها وقعت على هذه الاتفاقية مقابل مكاسب مادية، بما يعني -وفق خطاب الحلقة- أن الدول العربية تشارك في مشروع يستهدف تفكيك الأسرة وهدم القيم.

وتعرض صفحة البرنامج على موقع قناة وطن حلقات تتناول محتوى مشابهًا يتعلق بالأحوال الشخصية والأسرة والمرأة، بما يكشف أن هذا النوع من الملفات حاضر في الخط التحريري للبرنامج. وفي هذا السياق، تشير دلالات محتوى الحلقة إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في مضمونها الاجتماعي، وإنما في دلالاتها السياسية أيضًا، إذ تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية انتقال بعض المنصات المحسوبة على جماعة الإخوان من الهجوم السياسي المباشر إلى توظيف القضايا الثقافية والاجتماعية مدخلًا لإعادة تعبئة الجمهور ضد الحكومات العربية.

ومن هذا المنطلق، يطرح التحليل ثلاثة أسئلة رئيسية: كيف يتحول الخطاب الثقافي حول المرأة والأسرة إلى أداة سياسية توظفها الجماعة؟ وكيف يحدث التلاعب بالحقائق والخلط بين النصوص القانونية والأقوال الفلسفية لإنتاج حالة من الاحتقان لدى الجماهير؟ وكيف تمثل هذه الاستراتيجية امتدادًا لأدبيات التنظيمات المتطرفة في صناعة الاستقطاب وإنتاج محتوى متطرف؟

الاستقطاب الناعم:

يمثل الخطر الذي يعكسه تحليل هذا النوع من البرامج الإخوانية أنه لا يُعد مجرد محتوى ديني أو اجتماعي منغلق؛ فالنقاش حول المرأة والأسرة والنسوية وسيداو لا يبدو هنا منفصلًا عن السياسة، بل يمثل طريقًا غير مباشر لإعادة إنتاج السردية السياسية الإخوانية ذاتها. فالبرنامج لا يتحدث عن اتفاقية دولية ويطرح إشكاليات حول نصوصها، ولا يستهدف عرض تحفظات البعض عليها، بل يقتصر على الربط بين الاتفاقية والحكومات العربية، ثم تصوير هذه الحكومات باعتبارها أدوات لتنفيذ مشروع غربي يستهدف هدم الدين والأسرة. ومن هنا يتحول الخلاف القانوني أو الثقافي إلى اتهام سياسي وأخلاقي.

ومن هذا المنطلق، تسعى الجماعة إلى تغليف الخطاب السياسي التعبوي بخطاب ثقافي تعبوي كذلك؛ فبدلًا من أن يكون الهجوم على الدولة من مدخل الحكم والسلطة، يصبح الهجوم من مدخل الأسرة والأخلاق. وبدلًا من أن يقال للجمهور إن النظام خصم سياسي، يقال له إن النظام أصبح شريكًا في تهديد بيته وأسرته وقيمه. وتتمثل خطورة هذه النقلة في كونها توسع دائرة الاستهداف؛ فالخطاب السياسي المباشر قد لا يجذب إلا الجمهور المؤدلج، أما خطاب الأسرة والقيم فيخاطب جمهورًا أوسع من الآباء والأمهات والفئات المحافظة بوجه عام، سواء كانوا مهتمين بالسياسة أم غير مهتمين بها. وهنا تكمن خطورته؛ لأنه يحول القلق الاجتماعي الطبيعي إلى غضب سياسي موجه.

واتفاقية سيداو، في نصها الرسمي، هي اتفاقية دولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتكون من ديباجة و30 مادة، وتعرف التمييز ضد المرأة بأنه أي تمييز أو استبعاد أو تقييد على أساس الجنس يعيق تمتع المرأة بحقوقها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية وغيرها. لكن الخطاب المعروض خلال الحلقة لا يناقش الاتفاقية من داخل نصوصها، وإنما يستخدم طريقة مختلفة؛ إذ يستدعي أقوالًا منسوبة إلى مفكرين غربيين، مثل هربرت ماركوز أو غيره، ثم يضعها بجوار سيداو، وكأن هذه الأقوال هي التفسير الرسمي للاتفاقية. وهنا تظهر إحدى آليات التلاعب، وهي الخلط بين ما تحتويه الوثيقة القانونية والسياق الفلسفي لبعض أقوال الفلاسفة اليساريين.

فالواقع أنه لا توجد علاقة أو ارتباط بين أقوال المفكرين الغربيين عن الحرية والأسرة والعلاقات الإنسانية وبين نصوص اتفاقية سيداو، وليس كل اتجاه نسوي متطرف يمثل نصوص الاتفاقية، كما أن كل جدل غربي حول الأسرة والمرأة لا يعد دليلًا على وجود مؤامرة قانونية ملزمة للدول العربية. ومن هذا المنطلق، يحاول الخطاب الإخواني شيطنة الاتفاقية لا تفنيد نصوصها ومناقشتها، والشيطنة لا تحتاج إلى قراءة كاملة للنص، بل تحتاج إلى انتقاء أكثر العبارات إثارة للخوف، ثم وضعها في سياق عاطفي يوحي بأن الأسرة العربية أمام خطر وجودي. وبذلك يتحول النقاش من سؤال: ما المواد محل الخلاف؟ إلى سؤال تعبوي: من يحمي المجتمع من هذا المخطط؟

هندسة الغضب:

الأخطر في هذا الخطاب ليس نقد سيداو، بل استخدام هذا النقد لتوجيه اتهام سياسي للحكومات العربية بأنها وقعت الاتفاقية بدافع تلقي أموال أو خضوعها لإملاءات خارجية. وهذا النوع من الادعاء يحتاج إلى وثائق مالية، أو اتفاقات معلنة، أو أدلة رسمية، لكنه يُطرح في الخطاب التعبوي غالبًا بوصفه حقيقة مكتملة دون برهان. وهنا تظهر آلية كلاسيكية في الخطاب المتطرف، تتمثل في ربط القرار السياسي بالخيانة القيمية. فالحكومة لا تُنتقد لأنها اتخذت قرارًا قانونيًا قابلًا للنقاش، بل تُتهم بأنها باعت الدين والقيم والهوية. وبهذا لا يعود الخلاف قابلًا للحوار؛ لأن الخصم لم يعد صاحب سياسة خاطئة، بل أصبح في الوعي الجماهيري وكيلًا لمشروع معادٍ.

وتخدم هذه الاستراتيجية هدفين: الأول، شحن المواطن فكريًا ووجدانيًا ضد الدولة. والثاني، تحويل القضايا الاجتماعية إلى وقود سياسي. فحين يقتنع الجمهور بأن الاتفاقيات الدولية وقوانين المرأة ليست مجرد سياسات قابلة للنقاش، بل مؤامرة على الدين والقيم، يصبح أكثر قابلية للغضب، وأقل استعدادًا لسماع أي تفسير قانوني أو حكومي. وهذا هو المرتكز الحقيقي؛ فالقضية ليست سيداو، بل تحويل سيداو إلى أداة تعبئة ضد الحكام العرب. فالمرأة تصبح ساحة معركة، والأسرة تصبح مدخلًا لنزع الشرعية، والغرب يصبح العدو، والحكومة تصبح الوكيل المحلي لهذا العدو.

وعليه، يقترب هذا الخطاب في منطقه من كثير من الأدبيات التي تعتمد على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، ليس لأنه يحرض على العنف بصورة مباشرة، وإنما لأنه يعيد تشكيل الوعي وفق ثنائية حادة بين “نحن” و”هم”. وفي هذا السياق، يعاد تقديم الخصوم باعتبارهم جزءًا من أزمة كبرى، وتُختزل القضايا المعقدة في صراع وجودي بسيط، بما يدفع الجمهور إلى التفاعل انطلاقًا من مشاعر الخوف على القيم الأسرية أكثر من الحقائق والوقائع.

وبالرجوع إلى أدبيات التطرف، نجد أن كتاب “إدارة التوحش” لأبي بكر الناجي يشير إلى أن عملية التغيير لا تبدأ بالعمل المسلح وحده، بل تسبقها مرحلة تستهدف إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة وإقناع الجمهور بعجزها عن أداء وظائفها أو تمثيل مصالحه. كما يؤكد ما ورد في كتاب “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية” لأبي مصعب السوري أهمية المعركة الفكرية والدعائية باعتبارها مدخلًا رئيسيًا لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي وبناء حالة من السخط تجاه الأنظمة القائمة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذا النوع من الخطاب باعتباره أحد أشكال “الاستقطاب الرمزي”. فهو لا يوجه الهجوم على الدولة في سياق سياسي مباشر، لكنه يعزز الشكوك تجاه مؤسساتها ويعيد تقديمها باعتبارها طرفًا متهمًا بهدم قيم الدين والأخلاق. ورغم أن هذا الخطاب لا يدعو صراحة إلى المواجهة، فإنه يهيئ لبيئة نفسية واجتماعية أكثر قابلية لتقبل الخطابات الراديكالية. وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يتحرك عبر قضايا تبدو اجتماعية في ظاهرها، بينما يسهم عمليًا في توسيع مساحات الانقسام داخل المجتمع، وتحويل الخلافات الطبيعية إلى معارك حول الشرعية والهوية، بما يخلق حالة مستمرة من الاستقطاب والتوتر بين قطاعات من الجمهور ومؤسسات الدولة.

ازدواجية المعايير:

تظهر في هذا الخطاب مفارقة لافتة؛ إذ تستخدم بعض المنصات المحسوبة على الإخوان أقوال مفكرين يساريين غربيين بهدف تخويف الجمهور من الغرب واليسار والنسوية، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مشكلة في التقاطع أو التحالف مع دوائر يسارية وليبرالية غربية عندما يخدم ذلك أهدافها السياسية. فحين تكون أقوال اليسار مفيدة في تخويف الجمهور العربي، تُعرض باعتبارها دليلًا على فساد الغرب، وعندما تكون مفيدة في الدفاع عن الإخوان تحت عناوين الحقوق والحريات ومناهضة الإسلاموفوبيا، تصبح هذه الشبكات حليفًا سياسيًا وإعلاميًا مقبولًا.

وهذه ليست علاقة فكرية ثابتة، بل علاقة براغماتية؛ فالجماعة لا تخاصم اليسار دائمًا، ولا تتحالف معه دائمًا، لكنها تستخدمه حين يخدم خطابها. تهاجمه في الداخل العربي لتعبئة الجمهور المحافظ، وتقترب من بعض دوائره في الخارج لاكتساب حماية سياسية وإعلامية وحقوقية. وهنا تظهر الازدواجية بوضوح؛ فاليسار في الخطاب المحلي مؤامرة أخلاقية، وفي المجال الغربي حليف حقوقي محتمل. وهو ما يكشف أن القضية ليست رفضًا مبدئيًا للأفكار، بقدر ما هي توظيف سياسي انتقائي لها.

بوابة التأثير:

اختيار قضايا المرأة والأسرة ليس عشوائيًا؛ فالجدل حول هذا النوع من القضايا شديد الحساسية في المجتمعات العربية، إذ إن كل ما يمس الدين والعرف والسلطة الأبوية والعلاقات الأسرية يمثل حقلًا ملغمًا. فعندما تتحدث المنصات الإخوانية عن الانتخابات أو الدستور أو السلطة، فإنها تخاطب جمهورًا سياسيًا، أما حين تتحدث عن الأسرة والمرأة والقيم، فإنها تدخل إلى المجال الشخصي والعاطفي. وهنا يصبح الخوف أكثر تأثيرًا؛ لأن الجمهور لا يشعر أن الخطر يهدد الدولة فقط، بل يهدد بيته وزوجته وأولاده. وهو ما يفسر اتجاه منصات الإخوان في السنوات الأخيرة إلى التركيز على ملفات مثل قانون الأحوال الشخصية، والنسوية، والجندر، وسيداو. فهذه الملفات تسمح لها بإعادة بناء جمهور غاضب دون أن تبدو وكأنها تمارس سياسة مباشرة.

والنتيجة النهائية سياسية بالكامل؛ ضرب الثقة في الدولة، وتصوير الإصلاحات القانونية باعتبارها خيانة، وتقديم الحكومات كأدوات للغرب، وإعادة الجماعة إلى موقع حارس القيم والدين، بعد أن تراجعت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها بديلًا سياسيًا مقنعًا.

أخيرًا، يمكن القول إن أخطر ما في هذا النوع من الخطابات ليس ما يطرحه حول الأسرة أو المرأة أو الاتفاقيات الدولية، بل ما يحدثه في العقل الجمعي عندما يحول كل خلاف فكري إلى معركة وجود، وكل نقاش قانوني إلى مؤامرة، وكل تعقيد اجتماعي إلى رواية مبسطة تبحث عن عدو. فالمجتمعات لا تنهار حين تختلف حول القيم، وإنما حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والتأويل، وبين النقد والإثارة، وبين الدفاع عن المبادئ وتوظيفها في الصراع السياسي. وعندما تتحول القضايا الثقافية إلى وقود للاستقطاب، يصبح الخطر الحقيقي ليس في الأفكار ذاتها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها لإعادة تشكيل الوعي على أسس من الغضب والشك وانعدام الثقة.

لذلك، تبقى المعركة الأهم هي معركة الوعي النقدي؛ الوعي القادر على قراءة النصوص في سياقها، وفهم الواقع في تعقيده، ورفض أن يكون أسيرًا لسرديات تغذي التطرف أكثر مما تبحث عن الحقيقة. ففي النهاية، لا تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على الانتصار في الجدل، بل بقدرتها على حماية العقل من التلاعب، والحفاظ على التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الإيمان بالقيم ورفض تحويلها إلى أدوات للصراع.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى