محطات في حياتي.. المحطة الحادية والثلاثون

عندما رأيت المستقبل يتحدث بلسان طفلة اسمها «شمس»

في رحلة الحياة تمر بنا محطات كثيرة، بعضها يترك ذكرى عابرة، وبعضها الآخر يتحول إلى نقطة مضيئة تعيد تشكيل قناعاتنا وتمنحنا الأمل في الغد. وكانت المحطة الحادية والثلاثون من محطات حياتي واحدة من تلك المحطات الاستثنائية التي ستظل محفورة في الذاكرة والوجدان.

جاءت البداية بدعوة كريمة من الأخ العزيز اللواء الدكتور طارق عمار، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للصداقة بين الشعوب، لحضور المؤتمر البحثي الذي عُقد بمقر المؤسسة القومية لتنظيم الأسرة والمجتمع بالدقي تحت عنوان: أثر الإعلام الاجتماعي على تماسك الأسرة وسبل المواجهة.. علاج التفكك الأسري وتعزيز استقرار المجتمع.

ولم تكن الدعوة مجرد حضور فعالية علمية، بل كانت نافذة واسعة للاطلاع على أفكار ورؤى نخبة من العقول المصرية والعربية، فقد ضم المؤتمر أساتذة جامعات ومفكرين وباحثين ومتخصصين في الإعلام والاتصال المجتمعي، وحقوقيين، وممثلين عن الكنيسة المصرية والأزهر الشريف، إضافة إلى مشاركين من المملكة المغربية والجمهورية العربية السورية، في مشهد يعكس وحدة الهدف والحرص المشترك على حماية الأسرة باعتبارها الركيزة الأولى لبناء المجتمع.

قضية تستحق أن تكون أولوية وطنية

تابعت باهتمام بالغ البحوث والدراسات التي تناولت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية، وكيف يمكن أن تتحول هذه المنصات إلى أدوات هدم إذا أسيء استخدامها، أو إلى وسائل بناء إذا أُحسن توظيفها. وكانت النقاشات ثرية وعميقة، تعكس حجم التحديات التي تواجه الأسرة العربية في عصر الرقمنة، وتؤكد أن حماية المجتمع تبدأ من حماية الأسرة، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في الإنسان القادر على استخدامها بوعي ومسؤولية.

المفاجأة التي أضاءت القاعة

وسط هذه الكوكبة من العلماء والخبراء فوجئت بوجود أصغر باحثة مشاركة في المؤتمر، طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، تدرس بالصف الثالث الإعدادي بمدرسة مصطفى كامل الرسمية بالعاصمة الإدارية، تحمل اسماً يحمل من المعاني بقدر ما يحمل من الأمل (شمس محمد سيد عبدالعزيز).

ولم يكن اسمها مجرد اسم، بل كان وصفاً دقيقاً لما قدمته بالورقة البحثية بعنوان (علاج التفكك الأسري وتعزيز استقرار المجتمع).

لقد شعرت وكأنها شمس تشرق في نهاية نفق طالما خفنا من ظلمته، ذلك النفق الذي نسميه (المستقبل). لكنها جاءت لتعلن أن المستقبل ليس مظلماً ما دام في مصر شباب وأطفال يمتلكون الفكر والوعي والقدرة على الإبداع. وقفت بثقة أمام الحضور لتعرض بحثها بكل هدوء واتزان، موضحة رؤيتها وأهدافها، ومستعرضة أسباب ظاهرة التفكك الأسري وآثارها والدروس المستفادة منها، ثم قدمت رؤى علاجية بلغة عربية سليمة وأسلوب منظم ومنطقي يفوق عمرها بكثير. لم يكن عرضها مجرد قراءة لنص مكتوب، بل كان نتاج فهم عميق واستيعاب كامل للموضوع وقدرة على التحليل والاستنتاج والمناقشة.

الاعتماد على النفس يصنع المعجزات

وعندما سألها أحد الحضور: من ساعدها في إعداد هذه الورقة البحثية؟ جاءت الإجابة أكثر إبهاراً من البحث نفسه، قالت بكل بساطة وثقة: (أنا من أعددت البحث، وكانت والدتي تراجعه معي فقط).

في تلك اللحظة أدركت أن الإنجاز الحقيقي لم يكن في البحث وحده، بل في التربية التي صنعت هذه الشخصية. تحية تقدير وإجلال لتلك الأم التي غرست في ابنتها قيمة الاعتماد على النفس، وعلمتها أن التفكير مسؤولية، وأن الجرأة في عرض الرأي ليست رفاهية، بل واجب على كل من يمتلك فكرة يمكن أن تنفع الناس. لقد قدمت هذه الأم نموذجاً حياً للأسرة التي تصنع قادة المستقبل، وتؤكد أن التربية الواعية تسبق التعليم، وأن بناء الشخصية يبدأ داخل المنزل قبل أن يكتمل داخل المدرسة.

مصر •• الولادة الدائمة للأمل

خرجت من المؤتمر وأنا أكثر يقيناً بأن مصر لا تنضب من الكفاءات، فهذا الوطن العظيم الذي أنجب العلماء والقادة والمفكرين عبر تاريخه الطويل، لا يزال قادراً على إنجاب أجيال تحمل مشاعل النور، وتستطيع أن تواجه تحديات العصر بالفكر والعلم والثقة. ورغم كل ما يحيط بالعالم من اضطرابات وتحديات، فإن رؤية طفلة في الخامسة عشرة تقف بهذا المستوى العلمي والفكري تمنحنا رسالة واضحة، وهي: أن مستقبل مصر في أيدٍ أمينة، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان.

الدروس المستفادة

١- الأسرة الواعية قادرة على صناعة جيل استثنائي مهما كانت التحديات.

٢- الثقة التي يمنحها الآباء والأمهات لأبنائهم تصنع شخصيات قيادية مبكراً.

٣- تشجيع الأطفال على البحث العلمي والحوار ينمي لديهم التفكير النقدي والإبداعي.

٤- اللغة العربية السليمة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي هوية وثقافة وثقة بالنفس.

٥- المؤتمرات العلمية يجب أن تفتح أبوابها للشباب والناشئة، فهم شركاء في صناعة المستقبل وليسوا مجرد متلقين.

٦- الإعلام الاجتماعي يمكن أن يكون سلاحاً للبناء أو للهدم، ويتوقف ذلك على مستوى الوعي المجتمعي.

٧- الاستثمار في العقول الصغيرة يحقق للدولة عائداً استراتيجياً يفوق أي استثمار مادي.

توصيات استراتيجية

١- إنشاء برنامج وطني لاكتشاف الباحثين الصغار

تتبناه الدولة بالتعاون مع وزارات التعليم والتعليم العالي والثقافة؛ لرعاية المواهب البحثية منذ المراحل الدراسية المبكرة.

٢- دمج البحث العلمي في التعليم قبل الجامعي

بحيث يصبح إعداد المشروعات البحثية جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، وليس نشاطاً استثنائياً.

٣- إطلاق منصة وطنية لأبحاث النشء

تتيح للطلاب عرض أفكارهم ومناقشتها مع الخبراء والمتخصصين، بما يعزز الابتكار ويكتشف المواهب.

٤- تعزيز دور الأسرة في بناء الشخصية

من خلال برامج توعوية تدعم ثقافة الحوار، وتنمي الثقة بالنفس، وتشجع الأبناء على الاعتماد على الذات.

٥- توظيف الإعلام في دعم النماذج الإيجابية

فبدلاً من تسليط الضوء على الظواهر السلبية فقط، ينبغي إبراز قصص النجاح الملهمة؛ لتكون قدوة للأجيال الجديدة.

٦- إنشاء شراكات بين المؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني

لتوفير بيئة حاضنة للمواهب الصغيرة، وربط الأفكار البحثية باحتياجات المجتمع الفعلية.

٧- اعتبار الأمن الفكري للأسرة جزءاً من الأمن القومي

فكل أسرة مستقرة تساهم في بناء مجتمع متماسك، وكل طفل واعٍ يمثل رصيداً استراتيجياً لمستقبل الدولة.

في النهاية، ستظل هذه المحطة من أكثر محطات حياتي تأثيراً، ليس لأنها كانت مؤتمراً علمياً متميزاً فحسب، بل لأنها أعادت إليَّ اليقين بأن مصر ما زالت تلد الأمل كل يوم. لقد رأيت في الطفلة (شمس) نموذجاً لجيل لا يخشى التفكير، ولا يتردد في التعبير، ولا ينتظر من يصنع له مستقبله، بل يبدأ في صناعته بنفسه. وأيقنت أن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالعقول، وأن كل طفل يجد من يؤمن به ويمنحه الفرصة قد يصبح يوماً شمساً تضيء طريق وطن بأكمله.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى