السيادة مقابل السوق.. فرص ومخاطر الملكية العامة للذكاء الاصطناعي

محمود ناصر- باحث مشارك

وسط جدلٍ متصاعد حول تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي العالم؟ فهو قد غيّره بالفعل. بل أصبح السؤال: من سيملك الذكاء الاصطناعي ويتحكم فيه؟ ومن يستفيد من عوائده؟ وهل ستظل أرباحه حكرًا على المليارديرات الذين طوروه وروجوا له، من دون أي مشاركة شعبية تُذكر؟ وهل سيواصل هؤلاء زيادة ثرواتهم يومًا بعد آخر، فيما تبقى الشعوب عند مستويات الدخل نفسها؟ بل إن الذكاء الاصطناعي قد يزيد من حدة الفقر عبر تقليص فرص العمل واستبعاد أعداد متزايدة من الأفراد من سوق العمل.

لماذا تبرز فكرة الملكية؟

لم يُخلق الذكاء الاصطناعي من العدم؛ ففي كثير من الحالات اعتمدت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل “أوبن إيه آي”، التي يقودها سام ألتمان، وشركات أخرى أسسها أو يديرها رجال أعمال مثل إيلون ماسك، على كميات هائلة من البيانات والنصوص التي أنتجها البشر منذ بداية التاريخ. فقد استُخدمت لغاتنا وكتاباتنا وأبحاثنا وأعمالنا الصحفية والفكرية في تدريب هذه النماذج. وفي العديد من الحالات، جرى جمع هذه البيانات من دون الحصول على إذن صريح من أصحابها أو تقديم تعويضات عادلة لهم، الأمر الذي أثار نقاشات قانونية وأخلاقية واسعة بشأن حقوق الملكية الفكرية.

وبما أن الذكاء الاصطناعي بُني، إلى حد كبير، على المعرفة الجماعية التي راكمتها البشرية، فإن الثروة التي يولدها ينبغي ألا تقتصر فوائدها على عدد محدود من الشركات والمستثمرين، بل يجب أن تسهم في تحقيق منفعة أوسع للمجتمعات كافة[1].

وطُرحت قضية الملكية العامة للذكاء الاصطناعي مؤخرًا، عندما التقى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، بالسناتور الديمقراطي الاشتراكي بيرني ساندرز في أوائل يونيو 2026. واعتُبر هذا الحوار تحولًا عميقًا في النقاش حول ملكية الذكاء الاصطناعي. إذ اقترح ساندرز تخصيص 50% من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة للملكية العامة، عبر إنشاء صندوق ثروة عام من شأنه توزيع الثروة التي يولدها الذكاء الاصطناعي. ويؤكد ساندرز أنه بموجب هذا الاقتراح، يحق للحكومة الفيدرالية الأمريكية، من خلال حصتها التصويتية المتساوية في مجالس الإدارة، منع القرارات التي تضر بالمواطنين. غير أن هذا التوجه قد يحول قرارات الشركات نحو الحوافز السياسية بدلًا من حوافز السوق[2].

هذا الطرح تحفظ عليه ألتمان، إذ إن تخصيص 50% من أسهم الشركة للملكية العامة من شأنه أن يؤثر في قراراتها وفي الأرباح الضخمة التي تحققها. ومع ذلك، أبدى ألتمان رغبته في التعاون والدفاع عن الفكرة العامة للمقترح. يمكن تنظيم الملكية المجتمعية للذكاء الاصطناعي بآلية إنفاذ قوية ومدعومة من الحكومة، سواء كان ذلك من خلال اعتباره مرفقًا عامًا أو عبر الإدارة المشتركة على مستوى مجالس إدارة الشركات. فإذا امتلك الجمهور نصف الأسهم من دون إجراءات رقابية فعّالة، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج سلبية جسيمة.

معركة السلطة والثروة

بينما وافق ألتمان على الفكرة، رفض جويل كابلان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة “ميتا”، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا في 5 يونيو 2026 إلى منح الجمهور الأمريكي حصصًا في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. وأشار ترامب إلى أن الحكومة الأمريكية ستصبح شريكًا رئيسيًا للشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة. وتشير المؤشرات إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى الاستحواذ على حصص ملكية في عدد من الشركات، وهو ما فعلته مع أكثر من 20 شركة منذ العام الماضي[3].

جاءت هذه المقترحات من توجهات سياسية متباينة، فترامب يمثل اليمين ويطمح من هذه الحصص توقيع صفقات قائمة على المنافع المتبادلة، مما يساهم في كسب تأييد الرأي العام، إذ بات ترامب يُسمي بـ”رجل الصفقات”. بينما يدعو ساندرز اليساري الاشتراكي إلى إعادة توزيع الثروة مما يساهم في تقليل الفوارق الرأسمالية الكبري التي سببها الذكاء الاصطناعي. ولكن من المتوقع أنه بمجرد أن تبدأ الحكومة الفيدرالية في الاستحواذ على حصص ملكية في الشركات الخاصة، سينشأ صراع جديد على من يملك حق ممارسة السلطة على الشركات.

يُعد هذا الوقت بالغ الحساسية لاتخاذ قرارات بشأن تحديد من يربح في مجال الذكاء الاصطناعي. إذ تشير جينيفر هودلستون، وهي زميلة أولى في سياسات التكنولوجيا بمعهد كاتو، إلى أن هذه الصناعة لا تزال في مرحلة مبكرة وديناميكية، ولم يتضح بعد من سيهيمن على سوق الذكاء الاصطناعي. ولذلك، فإن تدخل الحكومة في تحديد الفائزين والخاسرين من خلال قرارات الاستثمار العام قد يفضي إلى تشويه المنافسة السوقية، عبر منح مزايا لشركات معينة على حساب غيرها.

وتضيف هودلستون أن رفض الملكية الحكومية لا يعني رفض أي إطار سياسي أو تنظيمي للذكاء الاصطناعي، بل يعني السعي إلى إيجاد إطار مناسب. وينبغي، وفقاً لها، أن يستند هذا الإطار إلى أربعة مبادئ أساسية: أولًا، أن يسأل صانعو السياسات عمّا إذا كانت القوانين الحالية تغطي التحديات المطروحة بالفعل. وثانيًا، تجنب إنشاء مجموعة متضاربة من القوانين واللوائح الحكومية. وثالثًا، تعزيز الوعي والتثقيف في مجال الذكاء الاصطناعي لمعالجة المخاوف المرتبطة بتعطيل سوق العمل وانتشار المعلومات المضللة. ورابعًا، وضع ضمانات تحكم استخدام الحكومة للبيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يكفل حماية الحقوق والحريات المدنية. ويركز هذا النهج على معالجة التطبيقات التي تمثل جوهر المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من دون عرقلة الابتكار أو الحد من فرص التطور التكنولوجي[4].

واجهت مشاريع مراكز البيانات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة معارضة من السكان الذين أعربوا عن قلقهم إزاء الطلب المتزايد على الكهرباء واستهلاك المياه والآثار البيئية المترتبة عليها. غير أنه عندما يمتلك السكان أو الجمهور بصورة أوسع، حصصًا في الذكاء الاصطناعي، فقد يتغير موقفهم من المعارضة إلى القبول، إذ إن استفادتهم المباشرة من العوائد التي يحققها الذكاء الاصطناعي قد تجعلهم أكثر استعدادًا لتحمل بعض التكاليف والمشكلات المصاحبة له. ويُستدل على ذلك بتصريح السيناتور جوش هاولي، وهو جمهوري بارز يتبنى مواقف متشككة تجاه شركات التكنولوجيا، إذ قال: “نحن بحاجة إلى تمرير تشريع ينص على أنه لن يكون هناك أي تطوير إضافي لمراكز البيانات حتى توافق الشركات على دفع تكاليف الكهرباء وبناء شبكاتها الخاصة وتحمل تكلفة إمدادات المياه”[5].

وكانت إدارة ترامب استحوذت العام الماضي على حصة من الأسهم في شركة إنتل لصناعة الرقائق بقيمة 9 مليارات دولار. وقد تم شراء هذه الحصة باستخدام أموال مخصصة مسبقًا بموجب قانون رقائق الذكاء الاصطناعي الذي تم إقراره في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. ولكن المختلف هذه المرة أنه من المتوقع أن يمتلك الجمهور الأسهم  بشكل فردي، بينما في السابق امتلكت الحكومة الأمريكية هي الأسهم[6].

المعضلة الأوروبية

لم تتوقف المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عند حدود الولايات المتحدة؛ فقد حذرت خبيرة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، خلال ندوة عقدتها المفوضية الأوروبية في 8 يونيو الجاري، من التبعية الاقتصادية والمعرفية الناجمة عن احتكار شركات التكنولوجيا الأجنبية للبنية التحتية والبيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وهنا تتخذ المشكلة في الاتحاد الأوروبي بعدًا أكثر تعقيدًا، إذ لا تقتصر على مسألة الملكية العامة أو إشراك الجمهور في ملكية شركات الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى حقيقة أن الشركات التي يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال هي في الغالب منتجات أمريكية أو صينية. ومن ثم، فإن مشكلة الاتحاد الأوروبي تبدو مركبة؛ إذ إن شركاته المحلية لا تمتلك، حتى الآن نماذج ذكاء اصطناعي تتمتع بالحضور والتأثير العالميين نفسيهما على غرار “تشات جي بي تي” الأمريكي و”ديب سيك” الصيني[7].

مكتسبات الملكية الحكومية

قد تدفع الملكية الحكومية لشركات الذكاء الاصطناعي دولًا أخرى إلى بناء نماذجها الوطنية الخاصة، نتيجة المخاوف من وصول الحكومة الأمريكية إلى البيانات أو تأثيرها على الشركات المالكة للتقنية. ومع تزايد هذه المخاوف، قد تتجه الحكومات الأجنبية إلى دعم صناعات ذكاء اصطناعي محلية منافسة، مستفيدة من سهولة تقليد النماذج القائمة. كما يمكن تسويق هذه الخدمات محلياً على أساس أنها أكثر أمانًا من ناحية السيادة الرقمية والخصوصية، وأن استخدامها يساهم في تطوير الصناعة الوطنية وتقليص الفجوة مع الشركات الأمريكية، ما قد يفتح الباب أمام سباق عالمي جديد في سياسات دعم وتوطين الذكاء الاصطناعي.

تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لتركّز الثروة إلى آلية لتوزيعها على المجتمع، بحيث لا تذهب الأرباح الهائلة الناتجة عن الأتمتة والخوارزميات إلى عدد محدود من المستثمرين والمؤسسين، بل تُعاد جزئيا إلى المواطنين عبر صناديق سيادية أو برامج عامة، مما يحد من اتساع فجوة اللامساواة الاقتصادية، وهو ما يوفر شبكة أمان اجتماعي، إذ يمكن استخدام عوائد الملكية العامة لتمويل إعادة تأهيل العمال وتطوير المهارات ودعم الفئات التي تتضرر من استبدال الوظائف بالأنظمة الذكية، ويخفف ذلك التوترات الاجتماعية الناتجة عن التحولات التقنية الكبرى.

إنشاء مصدر دخل طويل الأجل من خلال امتلاك حصص في واحد من أكثر القطاعات ربحية وتأثيرًا في القرن الحادي والعشرين، وهو قد يسمح بتمويل التعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية من عوائد النمو التكنولوجي بدلاً من الاعتماد فقط على الضرائب التقليدية. كما تساهم الملكية العامة في الحد من الاحتكار التكنولوجي وتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي عبر إدخال المجتمع أو الدولة كشريك في قطاع يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في الاقتصاد والإعلام والتعليم وسوق العمل، بما يخلق توازنًا أكبر بين المصلحة العامة وقوة الشركات الخاصة.

مخاطر تدخل الدولة

(*) البيروقراطية وعجز الدولة عن مواكبة سرعة التطور: يتطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة تجعل القرارات الحكومية والاستثمارات العامة متأخرة دائمًا، فتتحول الأصول التي تمتلكها الدولة إلى تقنيات قديمة قبل تحقيق أقصى استفادة منها. فالبيروقراطيات تميل للحفاظ على الهياكل والإجراءات القائمة. ويصبح التغيير الجذري والفوائد المرتبطة بالمنافسة أقل.

(*) إضعاف المنافسة والابتكار:  دخول الدولة كمالك رئيسي قد يمنح شركات معينة امتيازات خاصة، ويقلل من ديناميكية السوق والتنافس الذي يعد المحرك الأساسي للابتكار والتطوير، خصوصًا أن سوق الذكاء الاصطناعي يتسم بتفاعل مستمر بين الأفكار والتقنيات والشركات التي تتنافس لتقديم منتجات جديدة لجذب الجمهور، هذا التفاعل ينتج عنه تنوع أكبر في الناتج الاقتصادي والثقافي.

(*) تسييس الذكاء الاصطناعي وتقييد مرونته: تخضع الشركات المملوكة للدولة لضغوط سياسية وانتخابية تجعلها أقل استعداداً للمخاطرة أو إيقاف المشاريع الفاشلة، مما يحد من قدرتها على الابتكار ويزيد احتمالات استخدام التكنولوجيا لتحقيق أهداف سياسية بدلًا من أهداف اقتصادية وتقنية. فغالبًا كل ثورة تكنولوجية كبرى، ولا سيما ثورات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تُفضي في نهاية المطاف إلى دعوات لفرض ضوابط سياسية واسعة.

(*) سوء تخصيص رأس المال العام: تميل الحكومات إلى توجيه الاستثمارات وفق اعتبارات سياسية أو اجتماعية أكثر من الاعتبارات السوقية، ما يؤدي إلى دعم مشاريع أقل كفاءة وإهدار موارد يمكن استثمارها في فرص أكثر إنتاجية. ومع فشل عدد كبير من الشركات الناشئة تصبح الخسائر في حالة الملكية العامة عبئًا على دافعي الضرائب بدلًا من المستثمرين الخاصين.

وأخيرًا، لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي يقتصر على قدراته التقنية أو تطبيقاته الاقتصادية، بل امتد إلى تساؤل أعمق بكثير يتعلق بمن يملك هذه التكنولوجيا ومن يحق له الاستفادة من ثمارها. فكما أعادت الثورة الصناعية تشكيل العلاقة بين رأس المال والعمل، تفرض ثورة الذكاء الاصطناعي إعادة تعريف العقد الاجتماعي الذي يحكم الاقتصاد الرقمي في القرن الحادي والعشرين. ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار  بين الملكية الخاصة والعامة، بل في البحث عن نماذج هجينة تحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المصلحة العامة، وبين الحفاظ على ديناميكية السوق ومنع تركز الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى