خلايا صاعدة.. تحولات نموذج الوكلاء الإيرانيين في الغرب

ألقت حادثة اعتقال السلطات الأمريكية لمحمد باقر السعدي في 15 مايو 2026 بالتعاون مع تركيا، الضوء على نموذج جديد لشبكات الوكلاء الإيرانيين في الخارج مع توسع نطاق أهدافهم في زمن الحرب من مراكز وقنوات المعارضة الإيرانية في الخارج والأشخاص والمصالح الإسرائيلية والأمريكية في أوروبا وكندا والولايات المتحدة. وارتبط نشاط السعدي المسئول بـ”كتائب حزب الله” العراقية حسب بيانات الإدارة الأمريكية والذي أدار أكثر من 18 عملية في الغرب تحت غطاء “حركة أصحاب اليمين الإسلامية التي ظهرت في 9 مارس 2026 ولا تمتلك حسابًا مستقلًا على منصات التواصل الاجتماعي.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي نمط التحول في نموذج شبكات الوكلاء الإيرانيين في الغرب وأهداف عملياتها والوسائل المعتمدة في التواصل والتخطيط للهجمات.

واجهات وشبكات مستحدثة

رغم غياب الزخم حول نشاطها في الفضاء الإعلامي التقليدي والرقمي، برزت شبكات الوكلاء الإيرانيين في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال حرب 28 فبراير 2026، مستفيدة مما تبقى من تلك الشبكات المتمثلة في استخبارات الحرس الثوري وعناصر محسوبة على حزب الله اللبناني التي واجهت تقييدًا متزايدًا مع إدراج الكيانين ضمن قوائم المنظمات الإرهابية في عدد من البلدان الغربية مؤخرًا على خلفية التورط في أعمال عنف على أراضي تلك الدول، بينما امتلكت طهران أرضية أكبر للتهديد بعمليات التخريب والترهيب التي ترعاها في الدول التي تتحسب من خطوة تصنيف الحرس كمنظمة إرهابية مثل ألمانيا وبريطانيا.

(*) شبكات وخلايا بديلة: تقليديًا كانت المراكز الثقافية الإسلامية الشيعية بالتحديد في أوروبا أدوات نفوذ في يد “الجمهورية الإسلامية”، إلا أن تطورات المواجهة وتأثيراتها على بنية النظام السياسي الإيراني ربما عززت من التحول في أنماط عمل الشبكات الإيرانية في الخارج، حيث اتسعت مظلة الكيانات والأفراد المخولين بتجنيد عملاء في الشارع الأوروبي لتشمل القنوات الدولية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية والتي تُعنى بصفة أساسية بالمعارضين في الخارج. كما ساهمت التحولات في نمط المواجهة بالشرق الأوسط بين إسرائيل والمحور الإيراني في إضعاف قدرات حزب الله وحرية حركة عناصره تحت غطاء شركات تجارية ولوجستية عقب تصنيفه منظمة إرهابية في عدد من الدول الغربية عامة وألمانيا وبريطانيا على وجه التحديد، مما أدى إلى صعود نموذج محمد باقر السعدي الذي نفت “كتائب حزب الله” العراقية صلها التنظيمية به والذي عمل باتصال وثيق مع استخبارات الحرس، مع بصمة أقل في الساحة الأوروبية ومع تسهيلات للسفر ضمن شبكة متعددة من الحلقات الوسيطة تبدأ من استخبارات الحرس وفرع العمليات الخارجية “فيلق القدس” من جهة، وصولًا إلى “كتائب حزب الله” العراقية التي تتعمد إخفاء هوية المنتسبين إليها بالنظر لمدى اتصالها بالحرس الثوري ولطبيعة المهام الموكلة إليه، ومنها المساهمة في التخطيط لعمليات ضد أهداف مدنية وسياسية عالية القيمة في الغرب.

(*) واجهات جديدة ومنهجية استهداف منخفضة التكلفة: برز نمط جديد من عمليات التجنيد والاستهداف مع بروز “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” التي ظهرت في 9 مارس 2026 ولا تمتلك منصة إلكترونية مستقلة تنشر عملياتها وبياناتها، بينما تتناقل الحسابات الإعلامية الإيرانية بيانات عملياتها في أوروبا والتي بلغت نحو 17 عملية في أقل من شهرين (9 مارس إلى 30 أبريل 2026). ارتبطت أغلب الاستهدافات بالمواقع الدينية والتجمعات السكنية لليهود، منها 6 كنس يهودية في كل من لييج (بلجيكا) وسكوبي (مقدونيا الشمالية) وأمستردام (هولندا) ومنهم كنيسين في شمال وشمال غرب لندن (المملكة المتحدة)، وكنيس في ميشيجان (الولايات المتحدة)، بينما أعلنت واشنطن أن القيادي بـ”كتائب حزب الله” العراقية محمد باقر السعدي خطط لاستهداف كنيس يهودي في جنوب نيويورك. وجاءت الأهداف الدبلوماسية الرسمية في مكانة لاحقة مع محاولة استهداف السفارة الإسرائيلية في لندن والقنصلية الأمريكية في تورنتو بكندا، فيما حلت الأهداف والمصالح الاقتصادية أخيرًا ممثلة في محاولة استهداف مكتب “بنك أوف أمريكا” في فرنسا.

ويظهر التطور في أنماط الاستهداف أن النشاط العنيف ارتبط في زمن الحرب بموجتين؛ أولهما منتصف مارس وثانيها في أواخر أبريل، مما يشير إلى مجموعة من الدلالات، أبرزها؛ أن معدل العنف المتصاعد من العمليات التخريبية ضد المنشآت والممتلكات إلى حوادث الطعن يعكس إحلالًا لعناصر إجرامية بسيطة إلى خلايا عقائدية، وهو ما يقودنا إلى الدلالة الثانية وهي تمكين الجهة المشغلة من رفع سقف المواجهة العنيفة بالتوازي مع تطور الموقف السياسي الأوروبي من الدعم الدفاعي للحلفاء الإقليميين في منطقة الخليج العربي إلى الانخراط الفاعل لكل من لندن وباريس في بناء تحالف عسكري محتمل لتأمين الملاحة عبر مضيق هرمز عقب انتهاء الصراع. وثالث وأهم الدلالات أن هذا النموذج يحقق قدرة أكبر على الإنكار وقابلية نفي صلة الحرس بتلك الشبكات، مما يحفظ بقاء بعض أفراد حال انكشاف أمر تلك الخلايا.

(*) الانتقائية الدعائية: على الرغم من تأثر الهجمات في أوروبا بنمط هجمات تنظيم “داعش” الإرهابي، إلا أنها بدت أكثر انتقائية وتنظيمًا وهدفت لخدمة الدعاية الأيديولوجية والسياسية الإيرانية من خلال مخاطبة الشعوب الأوروبية مباشرة وتوجيه العنف نحو المجتمعات اليهودية حصرًا، وبالتبعية فقدان التواصل مع التنظيمات الإرهابية من خارج الإطار المذهبي على غرار “داعش” و”القاعدة”، كما اعتمدت على شبكات وأفراد محليين مما يوفر غطاءًا للمناورة يمكنها من التنكر عن مسئولية تلك الهجمات من جهة، ويعزز من الخطاب الرافض للحرب في القواعد الشعبية الأوروبية غير اليهودية وبالتالي رفض الانخراط في الصراع والتمهيد لاتخاذ خطوات إلى الوراء بشأن الحرب ووقف كافة أشكال الدعم للولايات المتحدة وإسرائيل.

وإجمالًا؛ تبدو تحولات مشهد وراثة الحرس الثوري لقيادة النظام الإيراني حافة بالعديد من التحولات الاستراتيجية ولعل من بينها تنمية أصول استخباراتية خارجية قادرة على اختراق المجتمعات الإقليمية والغربية، وهو ما يكشف في الوقت ذاته الأساليب الجديدة في توليد موجات عنف داخل المجتمعات الغربية يمكن من خلالها إدارة الصراع داخل الشرق الأوسط رغم أن التعويل على أصول بشرية من خلفيات إجرامية وخارج وعاء التجنيد العقائدي التقليدي في بيئة الشرق الأوسط لا تزال تخلق صعوبات في تحويل تلك الشبكات منخفضة التكلفة إلى أدوات فعالة لإثارة عنف منظم يحقق الأثر المطلوب إيرانيًا. كما يبدو أن الثابت الجديد في معادلة الشبكات الإيرانية أن تدخل المشغل يتزايد عنفًا بوتيرة طردية مع فشل شبكاته في تمهيد الأرض لعمليات الاختراق المجتمعي الواسع، على غرار حادثة تسلل خلية من بحرية الحرس الثوري في جزيرة بوبيان الكويتية مطلع مايو 2026. ويتشابه نموذج “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” مع آليات تخفي عديدة أدارتها الميليشيات الموالية لإيران خاصة في العراق، حيث نفذت هجمات في الفترة من 2020 إلى 2022 على أهداف أمريكية في المنطقة باستخدام تنظيمات وهمية قد تكون متفرعة عن منظماتها الأم على غرار ميليشيا “سرايا أولياء الدم” التي نشطت خلال حرب إيران الأخيرة.

ضياء نوح

ضياء نوح- باحث أول بمركز رع للدراسات الاستراتيجية وهو المنسق الأكاديمي للمركز. الباحث خبير بوحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهو حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية، وباحث ماجستير في ذات التخصص، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية، متخصص في شئون الخليج وإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى