معضلة الطلاق: ما هي التحديات المالية التي يواجهها صندوق تأمين الأسرة ببنك ناصر؟

ارتفعت في عام 2026 قضايا العنف الأسري في مصر وما يتعلق بها من أضرار اجتماعية واقتصادية كبيرة، إذ تُشير بعض البيانات إلى أن ما يُقرب من 69% من النساء يتعرضن لشكل من أشكال العنف، حيث يؤثر هذا العنف على نحو 7.8 مليون امرأة سنويًا، فهذه القضايا رفعت من نسب الإعالة داخل المجتمع المصري، وهو الأمر الذي خلق إقبال كبير على خدمة صندوق تأمين الأسرة في بنك ناصر الاجتماعي، فالامرأة المطلقة التي لا تجد مصدرًا للدخل تعتمد عليه تحاول الحصول على هذا الدخل من هذا الصندوق، مما خلق مجموعة من التحديات المالية يواجهها.
ومن الجدير بالذكر هنا أن هناك علاقة بين مدى تحقُق الاستقرار الأسري داخل دولة وبين تحقق النمو الاقتصادي بها، فعالميًا بلغت الخسائر العالمية الناجمة عن العنف نحو 19.97 تريليون دولار أمريكي في عام 2024، أي ما يُعادل نحو 11.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويُساهم العنف الأسري بنسبة كبيرة في هذه الخسائر.
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التكاليف المختلفة للعنف الأسري داخل مصر، فضلًا عن توضيح التحديات المالية التي يواجهها صندوق تأمين الأسرة ببنك ناصر.
تكلفة العنف الأسري:
تتنوع التكاليف المرتبطة بالعنف الأسري في مصر بين اقتصادية واجتماعية، والتي يتم توضيحها في المؤشرات التالية:

(-) ارتفاع نسبة المطلقات: تُعبر مؤشرات الطلاق والزواج التي يوضحها الشكل(1) عن مدى الاستقرار الأسري داخل الدولة المصرية، فكلما ترتفع نسب الزواج وتنخفض نسب الطلاق، نستطيع القول أن الاستقرار الأسري مُتحقق داخل الدولة المصرية، وبالتالي وبقراءة أرقام الشكل(1) فإن حالات الزواج ارتفعت من 876 ألف في عام 2020 إلى 961.2 ألف في عام 2023،لكنها انخفضت في عام 2024 إلى 936.7 ألف، أي انخفضت بنسبة 2.5%، وعلى الجانب الأخر ارتفعت حالات الطلاق من 222 ألف حالة في عام 2020 من إجمالي 876 ألف حالة زواج إلى 273.9 ألف حالة في عام 2024 من إجمالي 936.7 ألف حالة زواج، أي ارتفعت بنسبة 23.4% بين عامي 2020 و 2024، وارتفعت بنسبة 3.12% بين عامي 2023 و 2024، وكان هذا الارتفاع بسبب حالات العنف الأسري المتكررة بشكل كبير داخل البيوت المصرية.

(-) الضغط على الموازنة العامة للدولة: تتسبب الأثار الاجتماعية الناتجة عن العنف الأسري في قيام الدولة المصرية بزيادة مخصصات برنامج تكافل وكرامة داخل الموازنة العامة للدولة، ففي الموازنة الجديدة للعام المالي 2026 /2027 تم تخصيص 55.3 مليار جنيه لبرنامج ” تكافل وكرامة والضمان الاجتماعي” و ” معاش الطفل” و ” الرائدات الريفيات”، وهو التخصيص الذي ترتفع له تكلفة الفرصة البديلة، فإذا قدرنا أن بناء مصنع في مصر يُكلف في المتوسط نحو 10 مليون جنيه، فإن هذا المبلغ يُقابل إنشاء نحو 5530 مصنع، وهو ما يوضح أن مساندة الدولة المصرية للفئات التي تتعرض للعنف الأسري يخفض من نموها الحقيقي نسبيًا، فالقطاع الصحي يتحمل أكثر من14 مليون دولار أمريكي؛ لتغطية تكاليف خدمة ربع الناجيات(600 ألف).
وبالتالي يُمكن القول أنه إذا كان هناك استقرار أسري بقدر كبير في مصر، فإن هذه المخصصات كانت ستقل بشكل ملحوظ، وكان سيتم توجيهها إلى مشروعات إنتاجية ذات عائد اقتصادي كبير، بالإضافة إلى أن هذا الاستقرار سيُساهم في خفض عجز الموازنة الذي يوضحه الشكل(2)، حيث يُشير إلى أن نسبة العجز ارتفعت من 5.7% في عام 2023 إلى 6.55% في عام 2025، وكان هذا الارتفاع نتيجة عوامل مختلفة، بعضها يتعلق بالأزمات الاقتصادية التي عاصرتها مصر من أزمات المنطقة، والأخر متعلق بزيادة مخصصات الدعم في الموازنة.
(-) فقدان الإنتاحية والعمل: يترتب على عدم الاستقرار الأسري ووجود مشاكل زوجية في المجتمع، ارتفاع ساعات الغياب عن العمل، فقد قدرت الأمم المتحدة أنه في مصر هناك 500 ألف يوم عمل يُفقد سنويًا؛ بسبب العنف الزوجي، وهو الأمر الذي يوضح أن العنف الأسري داخل مصر يؤثر على الإنتاجية بشكل كبير، مما سيخلق حالة من التراجع الإنتاجي لبعض فئات المجتمع، بأن تصبح مساهمتها ضعيفة في الاقتصاد المصري، وهو الأمر الذي إذا انتشر سيعمل على تحقيق معدلات نمو أقل مما كان المجتمع سيُحققها في حالة سيادة الاستقرار الأسري.
(-) انخفاض الكوادر التعليمية: يُعتبر التعليم أحد أهم متغيرات نمو الاقتصادات كافة، فلا يتحقق نمو أو تنمية داخل الدولة بدون وجود كوادر تعليمية يُمكن الاعتماد عليها في المجالات المختلفة، ولكن إذا ارتفع العنف الأسري داخل الدولة، تزداد معدلات التسرُب من التعليم، إذ تشير التقديرات في مصر إلى أن هناك أكثر من 100 ألف طفل متسرب سنويًا، حيث يخرج يوميًا ما يقرب من 342 طفلًا من المنظومة التعليمية، وهو الأمر الذي يرتبط بانخفاض التشجيع الأسري للاستمرار في التعليم، وبالتالي تتكون تكلفة كبيرة من العنف الأسري تتعلق بضعف المساهمة الإنتاجية لعدد لا يستهان به من أفراد المجتمع الذين تسربوا من التعليم.
نموذج صندوق تأمين الأسرة:
يُعد نموذج صندوق تأمين الأسرة في بنك ناصر من أحد النماذج البارزة في مساندة ضحايا العنف الأسري، ولكنه يواجه بعض التحديات المالية التي سيتم توضيحها فيما يلي:
(-) ضعف القيمة المالية للنفقة: يعمل بنك ناصر الاجتماعي من خلال صندوق تأمين الأسرة على صرف مبلغ قدره 500 جنيه كحد أقصى في حالات عدم الالتزام بالنفقة من قبل الزوج(وفقًا للقانون رقم 11 لسنة 2004)، وهو مبلغ ضعيف للغاية في الوقت الحالي، فإذا تم مقارنته بأي سلعة في السوق، نجد أنها تضاهي سعر كيلو لحم فقط، وبالتالي هي قيمة ضئيلة للغاية لا تُساعد مستفيدي هذا الصندوق على مواجهة احتياجاته المعيشية في ظل ارتفاع معدلات التضخم.
(-) ضعف منظومة تحصيل مستحقات الصندوق: يواجه صندوق تأمين الأسرة في بنك ناصر عجزًا ماليًا كبيرًا؛ نتيجة ضعف منظومة تحصيل النفقة من الأزواج، وقد قُدر هذا العجز بنحو 2.7 مليار جنيه في تقارير سابقة، فالصندوق ينفق شهريًا 82 مليون جنيه، فقد بلغ إجمالي المصروف منذ نشأة الصندوق في عام 2004 إلى عام 2025 نحو 7.8مليار جنيه، حيث يتجاوز عدد المستفيدين من هذا الصندوق نحو 409 ألف مستفيد كما يوضح الجدول(1)، وبالتالي مع انخفاض كفاءة تحصيل بنك ناصر للنفقة سيتضرر كلاً من تعرضوا للعنف الأسري بأن البنك سوف لا يستطيع زيادة القيمة المالية لهذه النفقة؛ لإنه لا يضمن تحصيلها، في ظل صعوبة تتبع مصادر دخل الزوج المدين بالنفقة.

(-) التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة: يواجه صندوق تأمين الأسرة ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد المصري، حيث ارتفعت من 13.6 % في مارس 2025 إلى 15.2% في مارس 2026 كما يوضح الشكل(3)، وهو الأمر الذي يُقلل من حجم النفقة التي يقوم بصرفها، حيث أنها لا تعمل على تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمستفيدين، مما يخلق ضغطًا مجتمعيًا بزيادة قيمة النفقة التي يصرفها الصندوق، وهو أمر لا تتحمله ميزانية البنك في الوضع الحالي.

(-) ارتفاع التكاليف التشغيلية والإدارية: إن إدارة مئات الآلاف من الملفات، والتحقق من الأحكام، والمتابعة القضائية، والصرف الإلكتروني، والتحصيل؛ كلها تتطلب موارد بشرية وتقنية وتشغيلية مستمرة، وهو الأمر الذي يرفع التكاليف التشغيلية والإدارية المُخصصة لصندوق تأمين الأسرة، مما يزيد من العبء المالي في ظل انخفاض التدفقات المالية والاستثمارية إليه.
وفي النهاية يُمكن القول أن العنف الأسري لا يُحقق إلا الضرر للمجتمع والاقتصاد الذي يتوطن به، فإنه يعمل على نشأة أبناء غير أسوياء في المجتمع، كما أنه يُحمَل الدولة العديد من الالتزامات؛ لتغطية الاحتياجات الأساسية للفئات التي تتعرض للعنف الأسري، وهو ما يزيد من الضغط على الموازنة العامة للدولة، هذا فضلًا عن زيادة الاعباء على البنوك ذات الطابع الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الغير مستقرة التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط.
فمن هنا لابد من معالجة مشكلة العنف الأسري من جذورها بأن يتم تربية النشأ على قيم الدين والأخلاق، حتى يستطيعوا تكوين أسرة سوية، لا تُعاني من أي تصدعات، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى مجتمع حضاري ينعم فيه الجميع بحقوقه، وإلى اقتصاد تنموي يُساهم جميع أفراده في نموه.
المصادر
– Divorce Rate in Egypt: Current Trends, Causes, and Social Implications.(2024). https://www.elsabbahlawfirm.com/divorce-rate-in-egypt/
-الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء. (2024). النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024. https://www.capmas.gov.eg/mediaLanding/news/3309
-UN Women. (2025). Facts and figures: Ending violence against women. https://www.unwomen.org/en/articles/facts-and-figures/facts-and-figures-ending-violence-against-women