بنية الظل: كيف كشف “رأس الأفعى” آليات الشبكات السرية للإخوان؟

قدم موسم دراما رمضان ٢٠٢٦ مسلسل “رأس الأفعى” كمعالجة درامية لواحدة من أكثر الشخصيات غموضًا داخل جماعة الإخوان، وهي شخصية محمود عزت الذي ظل لسنوات طويلة أحد أهم العقول التنظيمية داخل الجماعة قبل أن يتم القبض عليه بعد فترة طويلة من الاختفاء.

لكن أهمية العمل الدرامي لا تكمن فقط في كونه يستعيد سيرة رجل عاش في الظل، بل في أنه يفتح بابًا لقراءة العقل التنظيمي الذي حكم مسار الجماعة في مرحلة ما بعد ٢٠١٣. فالمسلسل يظهر شبكة الأدوات التنظيمية والإعلامية والفقهية التي استخدمها التنظيم في إدارة صراعه مع الدولة.

واللافت أن كثيرًا من هذه الأدوات ليست وليدة اللحظة التاريخية، بل تمتد جذورها إلى خبرات تنظيمية أقدم تعود إلى قضية تنظيم ١٩٦٥ المرتبطة بسيد قطب والتيار القطبي داخل الجماعة. ومن هنا يطرح المسلسل سؤالًا أعمق من مجرد قدرة قطب تنظيمي على التخفي؛ هل ما وقع من أحداث بعد ٢٠١٣ بقيادة محمود عزت يمثل تطورًا في بنية التنظيم، أم إنه إعادة إنتاج لنمط فكري وتنظيمي قديم أعيد تكييفه في سياقات حديثة؟

وفي ضوء ذلك يمكن طرح عدة أسئلة يحاول هذا التحليل الإجابة عنها؛ كيف ظهرت استراتيجية الإيهام كأداة لإدارة الصراع مع الدولة؟ وكيف تم توظيف ملف الاعتقالات والحرائر -وفق تعبير الجماعة- في التعبئة السياسية وتدويل الصراع؟ وما الدور الذي لعبه كتاب زينب الغزالي في ترسيخ خطاب المظلومية داخل الجماعة؟ وكيف تطورت البنية التنظيمية من التنظيم الخاص إلى الخلايا العنقودية؟ وكيف ارتبط ذلك كله بخلفية فقهية بدأت من أدبيات حسن البنا وتبلورت مع الفكر القطبي؟

استراتيجية الإيهام:

من أبرز المفاهيم التي يطرحها المسلسل استراتيجية الإيهام. تقوم هذه الاستراتيجية على خلق صورة ذهنية مضللة لدى الرأي العام بحيث يبدو الواقع مختلفًا عن البنية التنظيمية الحقيقية. فبدلًا من المواجهة المباشرة في تصريحات التنظيم الرسمية، يتم التركيز على تصدير روايات إعلامية مضللة بشكل مكثف، وتضخيم وتلفيق بعض الملفات الحقوقية، وخلق جدل مستمر في المجال العام.

الهدف النهائي من هذا المناخ هو إشغال الرأي العام بقضايا وهمية، بينما تبقى خطط وتحركات البنية التنظيمية الحقيقية بعيدة عن الضوء. وبهذا المعنى يتحول الصراع إلى صراع على الرواية وعلى تشكيل الإدراك العام.

تمثل إحدى أدوات هذه الاستراتيجية تصدير خطاب الاعتقال العشوائي. ففي الخطاب المرتبط بالجماعة يتم تصوير الحملات الأمنية باعتبارها اعتقالات واسعة بلا سند قانوني، وهو خطاب يستهدف خلق حالة من التعاطف والهلع في آن واحد داخل المجتمع. كما تكمن أهمية هذا الخطاب في تدويل الصراع، حيث اعتمدت الجماعة على نقل هذه الروايات إلى شبكات حقوقية وإعلامية خارجية بهدف تحريك المنظمات الحقوقية الدولية ضد الدولة. وبذلك يتحول الملف الأمني الداخلي إلى أداة ضغط سياسي ودبلوماسي ذات بعدين؛ داخلي ودولي.

وفي سياق متصل، تعرض المسلسل لصناعة التنظيم لما سموه “ملف الحرائر”، وهو المصطلح الذي استخدم في الخطاب الإخواني للإشارة إلى النساء المنتميات للجماعة داخل السجون. ويعود هذا الملف في جذوره التأسيسية إلى زينب الغزالي، التي أسست لهذا المفهوم في كتاب “أيام من حياتي” الذي كتب عقب خروجها من السجن في قضية تنظيم ١٩٦٥.

ففي هذا الكتاب قدمت الغزالي روايات عن تجربتها في السجن، وصورت تلك التجربة باعتبارها نموذجًا للتعرض لكافة صنوف التعذيب النفسي والجسدي.

ومع مرور الوقت تحول هذا الكتاب إلى مرجع سردي داخل أدبيات الجماعة، وأصبح جزءًا من الخطاب التعبوي الذي يستحضر تجربة السجون بوصفها دليلًا على المظلومية. غير أن التطور الأخطر الذي تعرض له المسلسل يتمثل في تحول هذا الملف إلى أداة دعائية، حيث تم تزييف الحقائق المتعلقة بمعاملة نساء الجماعة في السجون، بل وصل الأمر في بعض الحملات الإعلامية إلى الادعاء بتعرض نساء الجماعة للاغتصاب.

هذه الروايات التي يتم تداولها دون أدلة موثقة استخدمت لمخاطبة المنظمات الحقوقية الدولية ووسائل الإعلام الأجنبية بهدف الضغط على الدولة وتشتيت الصراع في مسارات عدة. وبذلك أصبح ملف الحرائر يعمل في اتجاهين؛ تعبئة القواعد التنظيمية داخليًا عبر إثارة التعاطف والغضب، وتحريك المنظمات الحقوقية خارجيًا ضد الدولة.

والمفارقة أن هذا الخطاب لم يتردد في التشهير بنساء الجماعة على لسان ذويهم المنتمين للتنظيم كذلك، عبر نشر روايات تمس شرفهن في سياق المعركة الإعلامية.

الطليعة المؤمنة:

يشير المسلسل أيضًا إلى بعد مهم في إدارة الصراع ضد الدولة، وهو الضغط الاقتصادي. فالتنظيمات التي تدخل في صراع طويل مع الدولة تدرك أن الاقتصاد يمثل أحد أعمدة الاستقرار، ومن ثم يصبح التأثير في هذا المجال وسيلة لخلق حالة من القلق داخل المجتمع. وقد تعرض المسلسل لمحاولات الجماعة التأثير على سوق الدولار من خلال تقليل المعروض من العملة الأجنبية داخل السوق.

تقاطعت هذه الأداة من الاستراتيجية مع التشكيك والتشويه المستمر للقيادة السياسية ومؤسسات الدولة. حيث تعتمد هذه السياسة على نشر روايات متضاربة حول أداء الدولة وإثارة الشكوك حول قدراتها على إدارة الملفات الداخلية والخارجية. كما ركز المسلسل على لعب الجماعة على التكرار المستمر لعبارات مشوهة للنظام مثل “حكومة الانقلاب” و”شرطة الانقلاب”.

هذا الأسلوب يتقاطع مع بعض الأفكار التي ظهرت في الأدبيات القطبية التي صورت الأنظمة السياسية القائمة باعتبارها فاقدة للشرعية. والهدف هنا يكون إضعاف الثقة في الدولة ومؤسساتها ومحاولة إحداث حالة من السخط العام، لتتشتت جهود المؤسسات وتوضع في حالة دفاع دائم يستنزف طاقتها، وهو جزء من خطة “الإرباك والإنهاك” التي اعتمدها محمود عزت.

وإن كانت المحاور السابقة التي تمت الإشارة إليها قد عرض لها المسلسل في إطار مسار خطة الإرباك، فإن المسلسل تعرض كذلك للمحاور التي أدارتها الجماعة لتنفيذ خطة الانهاك. ومن ضمن هذه النقاط التنظيمية التي يبرزها المسلسل الخلايا العنقودية.

فيقوم التنظيم بتشكيل مجموعات صغيرة مستقلة نسبيًا، بحيث لا تعرف كل خلية سوى الحد الأدنى من المعلومات المرتبطة بالمهمة التي تقوم بها. ويجري الاستعانة بهذا النموذج في فترات الصدام، وهو يمثل تطويرًا لنموذج التنظيم الخاص الذي تأسست بذوره الأولى داخل جماعة الإخوان في الأربعينيات.

النسخة الحديثة تعتمد على شبكات صغيرة مرنة يمكنها تنفيذ مهام محددة دون الحاجة إلى هيكل تنظيمي متكامل.

ولفهم هذه البنية التنظيمية لا بد من التوقف عند مفهوم “الطليعة المؤمنة” الذي طرحه سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. يقوم هذا التصور على أن عملية التغيير في المجتمع لا تبدأ عبر الحشد الجماهيري الواسع، بل عبر نواة صغيرة من المؤمنين بالفكرة تتحرك كطليعة عقائدية تقود عملية التغيير.

وقد وضع حسن البنا بذرة تربية هذه العناصر بالتأكيد على مفهوم السرية الذي يجب أن يلتزم به العضو العامل في الجماعة ضمن الواجبات العشر التي منها “حفظ سريرتنا”.

وعندما يتم إسقاط هذا التصور القطبي على الواقع التنظيمي، تظهر الحاجة إلى بنية تنظيمية صغيرة ومنضبطة، وهو ما يفسر اعتماد التنظيمات المتأثرة بالفكر القطبي على نموذج الخلايا العنقودية. فكل خلية تمثل جزءًا من هذه الطليعة، تتحرك ضمن نطاق محدود من المعرفة لكنها مرتبطة بمشروع أكبر.

ويرتبط نموذج الطليعة المؤمنة أيضًا ببرامج التدريب الأمني والتنظيمي داخل الجماعة. فقد أظهرت أحداث المسلسل أن العناصر التي تعد جزءًا من الطليعة المؤمنة تخضع لتدريبات تشمل استخدام السلاح، وإعداد المقرات السرية، وأساليب الرصد والمتابعة، وقواعد العمل السري، والصمود والمراوغة في التحقيقات. هذه الأدبيات التنظيمية لا تهدف فقط إلى تنفيذ العمليات، بل إلى حماية القيادات العليا للتنظيم.

وفي هذا السياق يمكن فهم كيف تمكن محمود عزت من الاختفاء لسنوات طويلة قبل القبض عليه، حيث ساهمت البنية التنظيمية المغلقة والتدريب الأمني للعناصر في إطالة قدرة التنظيم على حماية بعض قياداته.

وفي سياق متصل، فقد أبرز المسلسل مكانة محمود عزت كرمزية قطبية لدى أتباعه. فلم يكن تأثيره نابعًا فقط من موقعه التنظيمي، بل من حضوره الرمزي باعتباره أحد القيادات التي تأثرت مباشرة بأفكار سيد قطب.

فمع مرور الوقت تحول محمود عزت داخل الجماعة إلى مرجعية تنظيمية تحافظ على استمرارية الفكرة والتنظيم الخاص تحديدًا. ولهذا لم يكن عزت مجرد قائد إداري، بل حارسًا لخط فكري وتنظيمي امتد من تجربة الستينيات إلى المرحلة المعاصرة، وأصبح شعلة الإلهام والمحرك لأغلب العمليات الإرهابية التي قامت بها الخلايا النوعية التي تشكلت بعد ٢٠١٣.

التأصيل الفقهي:

يقتضي بيان الأسس التي تستند إليها الجماعة للقيام بالعنف الإشارة إلى البعد الفقهي والفكري الذي وفر الخلفية النظرية التي جاءت على لسان الكثير من القيادات في سياق أحداث المسلسل.

فالتنظيمات العقائدية لا تتحرك بدوافع سياسية أو تنظيمية بمعزل عن التأكيد على الغطاء الشرعي لأفعالها عبر انتقاء النصوص الدينية وإعادة توظيفها خارج سياقها التاريخي والفقهي.

واللافت في هذا السياق أن الآيات التي استخدمت في خطاب الجماعات المتطرفة وكتبهم بعد تأسيس الإخوان المسلمين هي نفسها التي أصل لها حسن البنا وسيد قطب وكافة قادة الإخوان من بعدهم في الخطاب الحركي في مختلف المراحل.

فقد استدعيت آيات القتال مثل قوله تعالى: “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، وقوله تعالى: “وقاتلوا المشركين كافة”، في أدبيات التعبئة الدينية المرتبطة بفكر الجهاد ومواجهة الخصوم.

هذا الخطاب أخذ بعدًا مختلفًا مع تطور الفكر القطبي، الذي نقل هذه الآيات من إطارها المرتبط بظروف القتال في صدر الإسلام إلى إطار يتعلق بفكرة الصراع بين المجتمع الجاهلي والمجتمع المسلم وفق التصور القطبي.

وفي هذا السياق تحولت الآيات التي كانت مرتبطة بسياق تاريخي محدد إلى جزء من خطاب يبرر الصدام مع الأنظمة والمجتمعات التي تعد – وفق هذا الفكر – منحرفة عن الحاكمية الإلهية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم كيف انتقلت أدبيات العنف من حسن البنا، ثم أعيد تعميق تأصلها عند سيد قطب، وتبنتها كافة التيارات المتطرفة فيما بعد. فالمسار الفكري حتى محمود عزت لم يكن في جزر منعزلة، بقدر ما كان عملية تراكم وتأويل متدرج انتهت بتشكيل نموذج الخلايا العنقودية بتبرير شرعي كأداة للتغيير والصدام مع الدولة والمجتمع.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى