هل من دور لـ “الأجاويد” في تهدئة الصراع السوداني؟

أشرف الدبش- مساعد مدير المركز للتخطيط الاستراتيجي
يعتقد البعض بأن الحروب الأهلية، والصراعات المسلحة الدموية التي عاشتها السودان في فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير، هي بداية الصراع القبلي في السودان، ولكن الحقيقة وحسب رأي مؤرخي الصراع القبلي فإن هذه الصراعات لها جذور تاريخية، وهي قديمة قدم القبيلة نفسها، وهي امتداد لسلسة من الصراعات القبلية، التي بدأت عام 1932 بين قبيلتي الزيادية والميدوب ضد قبيلتي الكبابيش والكواهلة في منطقة دارفور، وفي عام 1987أندلعت المعارك بين قبيلة الزغاوة والقمر في شمال وغرب دارفور، والجدير بالذكر أن قبيلة الزغاوة من أكثر القبائل مشاركة في هذه النزاعات, حيث كانت طرف في أحد عشر نزاعا قبليا وقتال مسلح من أصل أربعة وعشرون نزاع مسلح حدث في الفترة ما بين عام 1987 حتى 2001 ، وامتدت هذه الصراعات لفترات طويلة، دون أن يكون هناك كيانات مسلحة أو مليشيات منفصلة عن القبائل، وكان السبب الرئيسي لهذه الصراعات هو الاختلاف علي مصادر الري، وأماكن الرعي.
بداية ظهور الجنجويد والمراحيل:
يكاد يكون هناك اتفاق بين مؤرخي الصراعات القبلية في السودان، علي أن ظهور المليشيات المسلحة في السودان كان عام 1985، وذلك بعد رحيل الرئيس السوداني جعفر النميري، وتولي المشير عبدالرحمن سوار الذهب رئاسة الحكومة الانتقالية، والتي كانت تعاني من الحركات التمردية في جنوب السودان، وفي نفس الوقت كان يؤرقها حماية الحدود السودانية الممتدة والشائكة، فبدأ تسليح بعض القبائل في إقليم كردفان “المراحيل ” لمساندة الحكومة في هذه الأمور، وأستمر تسليح هذه القبائل أيضا بعد انتخاب حكومة الصادق المهدي، حيث كانت القبائل تقوم بالمهام المسندة إليها من الحكومة بالإضافة لحماية مصالحها الشخصية، إلا أن الرئيس السابق عمر البشير وعلي أثر نزاع دارفور الدموي توسع في استخدام هذه المليشيات، وبدأ يظهر الجنجويد، وكلمة الجنجويد هي اختصار لكلمة “جن ” يركب “جواد”، والجدير بالذكر أنه تم توجيه، اتهام لهذه المليشيات، بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، ويري العديد من المراقبين، أن هذه المليشيات أحدثت انشقاق في النسيج الاجتماعي في الإقليم، لأنة بالرغم من الصراعات القبلية في هذه المنطقة، إلا أنها تتميز ببنيان اجتماعي صلب، وبالرغم من الدور الكبير الذي قامت به هذه المليشيات خلال الحرب في دارفور، إلا أنها خلال هذه الفترات، كانت تدور في فلك الجهات النظامية، تخضع لتبعيتها، دون أن يكون لها كيان قانوني أو شكل رسمي تحظي به، وتغيرت تبعيتها لجهات مختلفة حيث كانت في البداية تتبع استخبارات حرس الحدود، حتى أصدر الرئيس السابق عمر البشير القرار رقم 351 في عام 2016 والذي أنشأ لها وضع دستوري وقانوني، وباتت المليشيات المسلحة معترف بها بموجب القانون وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة، وبات أسمها قوات الدعم السريع.
محمد حمدان دقلو “حميدتو “:
وتم اختيار محمد حمدان دقلو والشهير بحميدتو قائدا لقوات الدعم السريع، وهو ابن قبيلة الرزيقات ولد في عام 1975، وعمل في تجارة الإبل والقماش عبر الصحراء متنقلا بين دول الجوار، مصر وليبيا، ولم يستكمل حميدتو دراسته، حيث تخلي عنها وهو في سن الخامسة عشر، إلا أنة قام بتشكيل وبمساعدة بعض أبناء القبائل، مجموعة مسلحة لحماية القوافل والإبل، ومحاربة اللصوص وقطاع الطرق، وانضم للجنجويد إلي أن تولي منصب قائد قوات الدعم السري.
والجدير بالذكر أنه خلال هذه الفترات المتعاقبة كان للأجاويد أو الجويدة دور كبير في تهدئة الصراع والنزاعات بين القبائل. من هم الأجاويد أو الجويدة؟ وما هو دورهم التاريخي في تهدئة وحل الصراعات بين القبائل؟ وهل من الممكن أن يكون لهم دور في تهدئة الصراع الحالي بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة في السودان؟ وخصوصا أن أفراد قوات الدعم السريع هم في الأساس أبناء قبائل سودانية، فهل سيتدخل الأجاويد وينصاع أبناء القبائل للقوانين العرفية أم أن الانتماء لقوات الدعم السريع بات أكبر من الانتماء القبلي أم أن النزاع أكبر من الأجاويد؟ وأخيرا هل ستلعب قوي إقليمية دور الأجاويد لحل هذه الأزمة؟.
الأجاويد “والجودية “:
يقول الدكتور رسمي جدو محمد النور عميد كلية تنمية المجتمع جامعة السودان بأن الجودية، هي أحد المؤسسات المجتمعية التي تهتم باحتواء الصراعات والنزاعات بين القبائل، فيما يتصل بالحدود الإدارية، وما يرتبط بها من حقوق حول المراعي، والمزارع ، ومصادر المياه، والجويدة هي مصطلح سوداني قديم يعني الإشراف علي تسوية الخلافات بين أفراد المجتمع علي مختلف مستوياتهم، في إطار مؤسسات محلية، دون اللجوء للدولة، وتستخدم الجويدة في حل النزاعات في كل أنحاء السودان وعلي كافة المستويات، والأجاويد هم رموز ووجهاء وقادة المجتمع القبلي في السودان. ويحتل الأجاويد مكانة كبيرة بين أبناء القبائل فهم المعنيين بتطبيق الأعراف القبلية، ويتميزوا بالتعقل ورجاحة العقل، والإلمام بالأعراف والعادات والتقاليد القبلية، وهم يتميزون بالحياد التام، لأن هدفهم هو إعادة العلاقات الطيبة بين أطراف النزاع، وينال الأجاويد في السودان مكانة عالية, تصل لحد التقديس، فمن يخرج علي أحكامهم فهو مارق ناكر للعرف ويتم تسميتة ” بكسار الخواطر ” وشارك الأجاويد في حل صراعات قبلية كبيرة، حيث شهدت العاصمة الخرطوم في 21 سبتمبر عام 2019 مبادرة للسلام والمحبة أطلقها رجل الأعمال السوداني الأمين الشيخ مصطفي الأمين بين قبيلتي بني عامر والنوبة وذلك بسبب نزاع نشب بينهما وتم إنهاء النزاع بين الطرفين وتم توقيع اتفاق صلح نهائي نص علي ضرورة عقد مؤتمر صلح شامل يضم ولايات شرق البلاد الثلاثة بمشاركة الحكومة المركزية.
وشهدت منطقة دارفور عبر تاريخها العديد من مؤتمرات للصلح بين القبائل، استطاع من خلالها الأجاويد إنهاء هذه الصراعات، والصلح بين القبائل، بل أن “حميدتو” شارك في عام 2020 في سلسة من الاتفاقيات والمعاهدات القبلية بين عدد من القبائل بولايتي شرق وجنوب دارفور وذلك لإنهاء صراعات تمتد جذورها للماضي البعيد، وتم التوقيع علي وثيقة تصالح لإنهاء هذه الصراعات الدموية تعهد من خلالها, أبناء القبائل بجمع السلاح، وعدم إيواء المجرمين والخارجين علي القانون، وشارك في هذه المصالحات قبائل الرزيقات والفلاتة والمساليت والهبانية.
والجدير بالذكر أنة خلال أزمة دارفور هناك أطراف خارجية لعبت دور الأجاويد في السودان حيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات بين الحكومة والحركات المتمردة المسلحة في دارفور وكانت البداية، بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار الإنساني الموقع بتاريخ 8أبريل عام 2004 ثم أعقبها اتفاقية أبوجا ثم محادثات الدوحة.
من سيلعب دور”الأجاويد”:
لا أحد يعلم في الوقت الراهن كيف سيتم حل هذه الأزمة المتشابكة، وما هي الأطروحات السياسية التي من الممكن قبولها من الأطراف المتصارعة ،وفي الوقت نفسه تنال قبول المجتمع المدني أيضا. ولكن ومن المنطقي وقبل الحديث عن تفاصيل خارطة الطريق وكافة الأطروحات المتوقعة ،يبقي السؤال الأهم من هو الطرف الذي سيكون بمثابة “الجويدة” في السودان ،والذي من خلاله سيجلس الطرفين علي مائدة المفاوضات لوضع اتفاق ملزم للجانبين لحل الأزمة. يري بعض المراقبين أن الجانب الأفريقي، هو الأقرب للقيام بهذا الدور وذلك من خلال الإتحاد الأفريقي أو من خلال بعض الدول الأفريقية فهو يحظي بقبول لدي الطرفين بلا إستثناء ،ويري البعض أن دولة قطر هي أقرب الدول للقيام بهذا الدور وخصوصا أنها نجحت سابقا في القيام بهذا الدور خلال أزمة دارفور “محادثات الدوحة ” ثم يأتي بعد ذلك بالتساوي الجانب المصري ثم الإماراتي والسعودي ثم بعد ذلك الجانب الأوربي ولكن مع كل هذه التكهنات تبقي حقيقة واحدة ضرورة أن يحظي هذا الطرف بالإضافة لقبول طرفي النزاع قبولا أيضا من باقي الأطراف الداخلية في السودان.