د. محمد الجمال يكتب: مصانع جديدة لمن؟.. فاتورة أخرى لفوضى صناعة الألومنيوم

حين تحدثنا من قبل عن الفوضى التي باتت تهدد صناعة الألومنيوم في مصر، كان الهدف هو لفت الانتباه إلى سوق يحتاج إلى التنظيم قبل أن تتسع مشكلاته ويصبح علاجها أكثر صعوبة وكلفة. لكن المسألة لا تتوقف عند حدود المنافسة بين مصنع وآخر، أو دخول خطوط إنتاج صغيرة، خاصة الصينية، إلى السوق دون قراءة دقيقة لاحتياجاته، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يستحق أن يوضع أمام وزارة الصناعة وكل الجهات المعنية: لماذا نستهلك المزيد من الطاقة في إنشاء وتشغيل مصانع جديدة، بينما المصانع الكبيرة القائمة بالفعل لا تعمل إلا بنحو 40% من طاقتها الإنتاجية؟
هذا السؤال، في تقديري، يجب أن يكون نقطة البداية في أي قراءة جادة لمستقبل صناعة الألومنيوم في مصر، لأننا لا نتحدث عن صناعة بسيطة، وإنما عن نشاط صناعي كثيف الاستهلاك للطاقة، وأي توسع غير محسوب فيه لا تتحمل تكلفته الصناعة وحدها، بل تتحمل الدولة جزءًا مهمًا منه في صورة احتياجات إضافية من الكهرباء والغاز والبنية الأساسية والخدمات.
في الحقيقة، ليست كل زيادة في عدد المصانع دليلًا على نمو الصناعة، كما أن إضافة خطوط إنتاج جديدة لا تعني بالضرورة زيادة حقيقية في القيمة المضافة. النمو الصناعي الحقيقي يحدث عندما تكون هناك حاجة في السوق، وعندما تعمل الطاقات القائمة بكفاءة، ثم نضيف إليها استثمارات جديدة لتلبية طلب حقيقي أو لإنتاج أصناف لا يتم تصنيعها محليًا أو لتقليل واردات تحتاجها الدولة. أما أن تكون لدينا مصانع كبيرة قائمة باستثمارات ضخمة وخبرات متراكمة وقدرات إنتاجية لا يُستفاد بأكثر من 40% منها، ثم نستمر في إضافة مصانع وخطوط جديدة تنتج المنتجات نفسها تقريبًا، فهذه ليست زيادة في الإنتاج بقدر ما هي إعادة توزيع للسوق على عدد أكبر من المنتجين، مع تحميل الدولة احتياجات جديدة من الطاقة.
وهنا تكمن المشكلة التي تحتاج إلى قراءة السوق قبل إصدار المزيد من التراخيص أو تشجيع توسعات لا تستند إلى احتياج فعلي. فإذا كانت الطاقة موردًا استراتيجيًا للدولة، وإذا كنا نسعى إلى تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، فمن الضروري أن نسأل عن أفضل استخدام لكل ميجاوات كهرباء ولكل وحدة غاز يتم توجيهها إلى الصناعة. هل الأفضل توجيهها إلى مصنع جديد لإنتاج سلعة توجد بالفعل طاقات كبيرة غير مستغلة لإنتاجها؟ أم توجيهها إلى صناعة أخرى تحتاجها السوق المصرية وتستورد الدولة جانبًا كبيرًا من منتجاتها بالعملة الصعبة؟
المعادلة هنا واضحة. لدينا طاقات قائمة غير مستغلة، ولدينا في الوقت نفسه احتياجات صناعية في قطاعات أخرى وفجوات بين الإنتاج المحلي والاستهلاك يتم سد جزء منها بالاستيراد. وبالتالي فإن توجيه الطاقة إلى استثمارات صناعية جديدة في المجالات التي تعاني نقصًا حقيقيًا قد يكون أكثر فائدة للاقتصاد من استهلاكها في مضاعفة طاقات إنتاجية لسوق يعاني أصلًا فائضًا في بعض المنتجات.
ولا يعني ذلك بالطبع إغلاق الباب أمام الاستثمار الجديد في صناعة الألومنيوم، فهذا ليس منطقيًا ولا مطلوبًا، وإنما المطلوب هو أن يكون الاستثمار الجديد إضافة للصناعة وليس عبئًا عليها. فإذا جاء مصنع بتكنولوجيا متطورة، أو بمنتج جديد تحتاجه السوق، أو بقدرة تصديرية حقيقية، أو بتصنيع مدخلات نستوردها من الخارج، فهذه إضافة تستحق الدعم. أما تكرار خطوط الإنتاج نفسها، وبطاقات صغيرة، لمجرد انخفاض تكلفة الحصول على بعض الخطوط الصينية وسهولة تركيبها، دون دراسة لحجم الطلب والطاقة الإنتاجية الموجودة، فهو أمر يحتاج إلى مراجعة.
والأخطر أن آثار هذه الظاهرة لا تقف عند الطاقة أو الاقتصاد. انتشار المصانع الصغيرة غير القادرة على الالتزام بالمواصفات ومستويات الجودة نفسها التي بنت عليها الصناعة المصرية سمعتها على مدار سنوات يمكن أن يضر باسم الألومنيوم المصري في الداخل والخارج. فالعميل الخارجي لا يملك دائمًا القدرة على التفرقة بين مصنع وآخر؛ هو يتعامل في النهاية مع منتج يحمل صفة المنشأ المصري. وإذا خرجت إلى الأسواق منتجات منخفضة الجودة أو غير مستقرة في مواصفاتها، فإن الضرر لن يقع على المصنع الذي أنتجها وحده، وإنما قد يمتد إلى سمعة قطاع كامل ومصانع ملتزمة أنفقت لسنوات على التكنولوجيا والجودة والتدريب وبناء الأسواق التصديرية.
هناك أيضًا أثر آخر لا يقل أهمية، وهو الضغط على الأسعار بصورة غير صحية. فحين تتزايد الطاقات الإنتاجية في سوق لا ينمو بالمعدل نفسه، تبدأ المنافسة على مساحة محدودة، وقد تتحول المنافسة من تحسين الجودة والكفاءة إلى تخفيض التكلفة بأي وسيلة. وهنا قد نجد أنفسنا أمام دائرة تبدأ بفائض في الطاقات، ثم حرب أسعار، ثم تراجع في الجودة، ثم ضعف قدرة المصانع الجادة على الاستثمار والتطوير، وفي النهاية نخسر صناعة كان يمكن أن تكون واحدة من الصناعات المصرية القادرة على التوسع والتصدير.
من الضروري إذن أن نغير طريقة النظر إلى ملف التراخيص الصناعية في هذا القطاع. الترخيص ليس ورقة إدارية فقط، وإنما قرار له تكلفة اقتصادية وطاقة مطلوبة وسوق سوف يتأثر ومنتج مصري يجب الحفاظ على سمعته. ولهذا يصبح من المنطقي أن تسبق الموافقة على الطاقات الجديدة دراسة حقيقية للطاقات الموجودة ونسب تشغيلها وحجم الاستهلاك المحلي وفرص التصدير وحجم الطاقة التي يحتاجها المشروع والقيمة المضافة التي سيقدمها.
صناعة الألومنيوم المصرية لا تحتاج مزيدًا من المصانع لمجرد زيادة عدد المصانع، وإنما تحتاج أولًا إلى تشغيل ما لديها بكفاءة، وحماية الجودة، ورفع القدرة التصديرية، وتوجيه الاستثمارات الجديدة إلى الحلقات الناقصة في سلسلة الصناعة. وعندما تصل المصانع القائمة إلى معدلات تشغيل مرتفعة ويصبح السوق قادرًا على استيعاب طاقات جديدة، سيكون التوسع عندها أمرًا طبيعيًا ومطلوبًا.
أما أن تعمل مصانع كبيرة بنحو 40% من طاقتها، بينما نستنزف مزيدًا من الطاقة في إنشاء طاقات إنتاجية جديدة لا يحتاجها السوق، فهذه معادلة تستحق التوقف أمامها سريعًا. لأن الطاقة التي نهدرها هنا قد تكون هي نفسها الطاقة التي يحتاجها مصنع آخر ينتج سلعة نستوردها، ويوفر للدولة عملة صعبة، ويغلق جزءًا من فجوة الإنتاج المحلي.
القضية إذن لم تعد فقط إنقاذ صناعة الألومنيوم من الفوضى، وإنما إنقاذ موارد الدولة من فاتورة هذه الفوضى. وهذا ربما يكون أخطر ما في الأمر.