محطات في حياتي.. المحطة الخامسة والعشرون

إفطار على مائدة الكرامة.. حين يكتب عمال النظافة معنى الوطن

في مسيرة الإنسان محطات لا تُقاس بطول الزمن، بل بعمق الأثر الذي تتركه في النفس والعقل معاً، ومن بين تلك المحطات التي ستظل راسخة في وجداني مشاركتي في إفطار رمضاني استثنائي جمعني بكوكبة من عمال التجميل والنظافة بمركز ومدينة البدرشين – محافظة الجيزة، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد لقاء عابر بل رسالة إنسانية متكاملة الأبعاد. جاءت هذه الدعوة الكريمة من الإعلامي القدير محسن داوود، مقدم برنامج حق عرب المتخصص في إنهاء الخلافات والنزاعات القبلية وإصلاح ذات البين، والذي نجح عبر مسيرته في إعادة الاستقرار إلى العديد من العائلات، والإعلامية الراقية عبير صلاح، مقدمة برنامج احتواء المعني بالحياة الاجتماعية والأسرية وتعزيز التماسك المجتمعي داخل الأسرة المصرية، وهما نموذج مشرف لإعلام يحمل رسالة حقيقية تتجاوز حدود الشاشة إلى واقع الناس. وقد زاد المشهد ثراءً حضور الدكتور زين إدريس، رئيس مجلس مدينة البدرشين ونوابه، إلى جانب عدد من القيادات التنفيذية والشعبية، ونخبة من السياسيين والشخصيات الاجتماعية العامة وأساتذة الجامعات ورموز محافظة الجيزة، فضلًا عن رموز العائلات الكبرى، يتقدمهم النائب الخلوق صبحي الدالي، الرمز والقدوة، والنائب اللواء عماد الدرجلي صاحب المواقف الطيبة، في مشهد يعكس وحدة الصف والتقدير الجماعي لهذه الفئة العظيمة.

حين تتجلى الكرامة في أبسط صورها:

لم تكن المائدة وحدها هي من جمعت الحضور، بل كان هناك ما هو أعمق، كان هناك شعور بالامتنان واعتراف ضمني بأن هؤلاء العمال هم حراس الجمال في وطن يسعى دوماً لأن يظهر في أبهى صورة. لقد رأيت في عيونهم ما لا يمكن أن تنقله الكلمات، رأيت التحدي والرضا والإصرار، رأيت رجالاً ونساءً يعملون في صمت، يواجهون قسوة الطقس ويصمدون أمام قلة الإمكانات، ومع ذلك يبتسمون. نعم، كان من بينهم عاملات سيدات نماذج مشرفة للمرأة المصرية المكافحة، يعملن بجد ونشاط لافت، يشاركن في هذه المهنة الشاقة بكل قوة وعزيمة، في مشهد يجسد أسمى معاني الكفاح والشرف.

لو غابوا.. اختل ميزان الحياة:

دعونا نتخيل ولو للحظة مصر بدون عمال نظافة: كيف ستكون الشوارع؟ كيف ستبدو المؤسسات؟ ماذا عن الحدائق؟ ماذا عن الصحة العامة؟

إنهم ليسوا مجرد عمال، بل هم العمود الفقري للنظام الحضاري، وجودهم ليس رفاهية بل ضرورة، إنهم يحمون المجتمع من الفوضى ومن الأمراض ومن التدهور البيئي، ومع ذلك يعيش كثير منهم تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية برواتب لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول ولا مع المخاطر التي يتعرضون لها يومياً.

بين مصر والعالم.. فجوة تستدعي الانتباه:

في دول مثل اليابان يُنظر إلى عامل النظافة باعتباره شريكاً في بناء المجتمع، لا مجرد موظف يحصل على راتب كريم وتأمين صحي شامل، وتُمنح له مكانة اجتماعية محترمة، بل إن ثقافة النظافة هناك تبدأ من المواطن نفسه، مما يعزز من قيمة العامل ويخفف من عبئه.

وفي أوروبا تُنظم هذه المهنة بقوانين صارمة تضمن حقوق العامل من حيث الأجور وساعات العمل والتأمينات والتدريب المستمر.

أما في القارة الإفريقية فقد قدمت *رواندا تجربة فريدة تستحق التأمل، حيث يتم تخصيص يوم شهري يُعرف باسم “أوموجاندا” يشارك فيه جميع أفراد المجتمع من رئيس الدولة إلى أصغر مواطن في أعمال النظافة والتجميل وتقديم الخدمات للمؤسسات الاجتماعية المختلفة، وأبرزها دور المسنين والمستشفيات وغيرها. إنها تجربة لا تعزز فقط من نظافة البيئة بل تُرسخ قيم الانتماء والمسؤولية الجماعية.

تجربة رواندا.. اقتراح قابل للتطبيق في مصر:

إن تعميم تجربة رواندا في مصر ولو بشكل تدريجي يمكن أن يُحدث تحولاً نوعياً في الوعي المجتمعي. يمكن البدء بالمناطق الراقية ثم التوسع تدريجياً لتشمل باقي المحافظات مع تنظيم هذا اليوم بشكل مؤسسي وتحت إشراف الجهات المحلية.

تخيلوا لو أن كل مواطن شارك ولو لساعات قليلة شهرياً في تنظيف شارعه أو منطقته، كم سيتغير المشهد؟ وكم سيشعر عامل النظافة بالتقدير الحقيقي؟

توصيات استراتيجية قابلة للتنفيذ:

١- إعادة هيكلة شاملة للأجور بما يضمن حياة كريمة لهذه الفئة.

٢- توفير تأمين صحي متكامل يشمل الأمراض المهنية والإصابات.

٣- تزويد العاملين بمعدات حديثة ووسائل حماية شخصية متطورة.

٤- إطلاق برنامج وطني للتدريب والتأهيل يرفع من كفاءة العاملين.

٥- إدماج المرأة بشكل أوسع في هذا القطاع مع توفير بيئة آمنة وداعمة.

٦- تخصيص يوم وطني شهري للنظافة على غرار تجربة رواندا.

٧- إدراج مفاهيم النظافة والانتماء في المناهج التعليمية منذ الصغر.

٨- تفعيل دور الإعلام في تسليط الضوء على هذه الفئة وتكريمها.

٩- إنشاء صندوق دعم لعمال النظافة يساهم فيه القطاعان العام والخاص.

١٠- تقديم حوافز للمجتمعات المحلية التي تحقق أعلى مستويات النظافة.

١١- تطوير منظومة الجمع وإعادة التدوير بما يحقق عائداً اقتصادياً للعاملين.

١٢- إطلاق جوائز سنوية لأفضل عامل نظافة على مستوى الجمهورية.

١٣- توفير وسائل نقل لائقة للعاملين تسهل وصولهم إلى مواقع العمل.

١٤- توسيع مظلة التأمينات الاجتماعية لتشمل جميع العاملين دون استثناء.

١٥- تفعيل الشراكة مع المجتمع المدني لدعم هذه الفئة مادياً ومعنوياً.

نحو يوم وطني لعمال النظافة:

إن ما شهده مركز ومدينة البدرشين من تنظيم راقٍ لهذا الإفطار يجب أن يكون نواة لمبادرة وطنية شاملة تُعمم في جميع أنحاء الجمهورية.

أقترح إطلاق يوم سنوي بعنوان: “يوم الكرامة لعمال النظافة” أو “يوم الوفاء لجنود الجمال” يكون مناسبة لتكريمهم والاستماع إلى مطالبهم وتقديم الدعم اللازم لهم، ليس فقط بالكلمات بل بالأفعال.

في النهاية، حين يصبح الامتنان واجباً، إن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة بل بما تُقدمه من تقدير لأبسط أبنائها، وعمال النظافة هم من هؤلاء الذين يستحقون أن نرفع لهم القبعة وأن نُعيد لهم بعضاً من حقهم. لقد كانت هذه المحطة درساً في الإنسانية وتذكيراً بأن الكرامة لا تُقاس بالمكانة بل بما يُقدمه الإنسان لوطنه.

تحية تقدير وإجلال وعرفان لكل عامل وعاملة نظافة في مصر، أنتم من تصنعون الجمال وتصورون الوطن في أبهى صورة له، أنتم جنود الظل عماد الأمة.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى