مجدى طنطاوى يكتب.. السياسة فن المستقبل لا تصفية حسابات الماضى

في السياسة لا تعيش الأمم على اجترار الماضى ولا على جلد الذات، بل على قراءة اللحظة واستشراف المستقبل.
المحاسبة مطلوبة لكنها لا تكون بديلاً عن الرؤية ولا عذراً للعجز. واليوم، ونحن نتابع التصعيد حول إيران، نجد أن السؤال الأهم ليس ماذا جرى، بل ماذا سيجرى وكيف نستعد.
الحرب على إيران إن وقعت لن تكون معركة حدود تقليدية، بل مواجهة متعددة الأبعاد.
إيران دولة إقليمية ذات نفوذ ممتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأى اشتباك واسع سيشعل أكثر من ساحة، ويهدد طرق الطاقة والملاحة فى الخليج والبحر الأحمر، وسيضع الاقتصاد العالمى كله أمام اختبار قاس.
الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب توازن بين الضغط والردع، وإسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو ترى فى إيران خطراً وجودياً وتسعى منذ سنوات لكبح برنامجها النووى. وفى المقابل تعتبر طهران أن نفوذها الإقليمى هو خط دفاعها الأول، وأن التراجع يعنى محاصرتها داخل حدودها.
المعادلة إذن معقدة. ضربة محدودة قد تتدحرج إلى مواجهة واسعة، وحرب شاملة قد لا يملك أحد رفاهية تحمل كلفتها. ولهذا تظل سياسة حافة الهاوية هى السائدة حتى إشعار آخر.
أما الموقف العربى فيقف بين هاجسين: هاجس الخوف من تمدد إيران ونفوذها، وهاجس الخوف من الفوضى إذا اشتعلت المنطقة.
بعض الدول العربية سعت فى السنوات الأخيرة إلى تخفيف التوتر عبر مسارات تفاهم وحوار، وأخرى ما زالت ترى فى التحالفات الدولية ضمانة أمنها.
لكن الحقيقة أن الأمن العربى لا يُبنى بالكامل على مظلات خارجية ولا على صراعات بالوكالة. التحدى الحقيقى أمام العرب اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، من انتظار نتائج الصراع إلى صناعة بيئة إقليمية أقل قابلية للانفجار.
ذلك يتطلب ثلاثة مسارات واضحة: أولاً: تحصين الداخل سياسياً واقتصادياً، فالدولة القوية داخلياً أقل عرضة للابتزاز الخارجى. ثانياً: بناء موقف عربى مشترك لا يقوم على الشعارات بل على تنسيق أمنى واقتصادى حقيقى. ثالثاً: دعم مسارات التهدئة ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لأن كلفة النار إذا اشتعلت لن تتوقف عند حدود دولة بعينها.
السياسة ليست انتقاماً من الماضى بل هندسة للمستقبل، والمستقبل فى هذه اللحظة يتطلب عقلاً بارداً لا خطاباً حماسياً. فالمنطقة لم تعد تحتمل حرباً جديدة، ولا تحتمل أيضاً استمرار حالة اللا سلم واللا حرب. الرهان الآن ليس على من يربح المعركة، بل على من يمنع وقوعها، ومن يُحسن قراءة اللحظة قبل أن تُفرض عليه نتائجها.