تباطؤ الرد: كيف يؤثر استهداف القيادات الإيرانية على القدرة القتالية لطهران؟

سلمي محمد- باحثة بوحدة الدراسات الدولية
لم يعد التصعيد العسكري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مقتصرًا على استهداف القدرات العسكرية التقليدية، بل اتجه – وفق ما تشير إليه التطورات الأخيرة – إلى تبني ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس”، أي توجيه الضربات نحو القيادات السياسية والعسكرية العليا، وعلى رأسها شخصيات بارزة في الحرس الثوري، مع تداول تقارير متباينة حول استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين.
هذا التحول يطرح تساؤلًا استراتيجيًا جوهريًا: هل يؤدي اغتيال القيادات إلى تقويض القدرة الإيرانية على الاستمرار في الصراع بشكل حاسم، أم أنه يعيد تشكيل طبيعة الصراع وأدواته دون أن ينهيه؟
التأثيرات العملياتية المباشرة (الأمد القصير):
على المستوى التكتيكي، يمكن أن يؤدي استهداف القيادات العليا إلى إحداث اضطراب مؤقت في منظومة القيادة والسيطرة، بما يؤخر عمليات اتخاذ القرار ويعيق التنسيق بين الأفرع العسكرية المختلفة وشبكات الوكلاء الإقليميين. كما أن تدمير قاذفات الصواريخ والبنية التحتية البحرية ومخازن الذخائر يقلل من القدرة على تنفيذ رد واسع وفوري.
ومع ذلك، تكشف التجربة الإيرانية عن تماسك مؤسسي واضح يقوم على وجود تسلسل قيادي بديل وآليات إحلال سريعة للقيادات المتضررة. ويحد هذا التصميم من احتمالات الانهيار العملياتي الشامل، بحيث يظل التأثير المباشر في حدود الإضعاف التكتيكي المؤقت، دون أن يصل إلى مستوى شل القدرة القتالية الكلية.
تعميق استراتيجية الاستنزاف وتكاليف التصعيد:
أظهرت الردود الإيرانية اللاحقة – من خلال إطلاق صواريخ باليستية على قواعد أمريكية في الخليج واستهداف مواقع إسرائيلية – أن الضربات لم تحقق ردعًا فوريًا فعالًا، بل أسهمت في تفعيل أنماط الرد غير المتماثل.
تمتلك إيران ترسانة صاروخية واسعة، تشمل صواريخ مثل “عماد” و“غدر”، إلى جانب قدرات متقدمة في الطائرات المسيّرة والألغام البحرية والعمليات السيبرانية.
وفضلاً عن ذلك، تمثل شبكات الوكلاء الإقليميين – مثل حزب الله والحوثيين – امتدادًا استراتيجيًا يتيح توسيع نطاق الصراع جغرافيًا دون الانخراط في مواجهة مباشرة. ومن ثمّ، يميل استهداف القيادات إلى دفع إيران نحو تعميق استراتيجية الاستنزاف غير المتماثل بدلًا من الانكفاء.
ورغم التفوق العسكري التقليدي للولايات المتحدة، فإن احتواء تصعيد إقليمي مطوّل يتطلب استنزافًا كبيرًا للموارد العسكرية، بما يشمل ذخائر دقيقة مرتفعة التكلفة، ودعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا مكثفًا من الحلفاء.
وتبرز هنا معضلة الاستدامة: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على حملة طويلة الأمد دون أن يؤثر ذلك سلبًا في أولوياتها الاستراتيجية الأخرى، لا سيما في سياق المنافسة مع الصين؟
فإذا تحولت الحملة إلى نزاع مفتوح بلا “نظرية نصر” واضحة، فقد يُعاد توزيع الموارد الأمريكية على نحو يؤثر في توازنات أوسع، دون ضمان انهيار داخلي للنظام الإيراني.
فرض التغيير والقدرة على الاستمرار:
تستند استراتيجية استهداف القيادة إلى افتراض مفاده أن إضعاف النخبة الحاكمة قد يحفّز انتفاضة داخلية تؤدي إلى سقوط النظام. غير أن الأدبيات المقارنة في مجال تغيير الأنظمة تشير إلى أن النجاح العسكري التكتيكي لا يضمن بالضرورة استقرارًا سياسيًا مستدامًا.
فقد أسفر إسقاط نظام صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا عن فراغات أمنية مكلفة وممتدة. وفي الحالة الإيرانية، حتى في حال إضعاف القيادة أو انهيارها، يظل السؤال مفتوحًا بشأن من سيملأ الفراغ السياسي، وما إذا كانت القيادة البديلة ستتبنى سياسات مختلفة جذريًا، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. وعليه، قد يتحول النجاح التكتيكي إلى حالة عدم استقرار إقليمي طويل الأمد يعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة بدلًا من إنهائه.
توضيحا لما سبق، يمكن التأكيد على أن قدرة إيران على الاستمرار في الصراع، تعتمد على ثلاثة عناصر بنيوية رئيسية، هم:
١. التماسك المؤسسي للحرس الثوري وأجهزة الأمن الداخلي.
٢. القدرات الردعية الاحتياطية القابلة للتفعيل التدريجي.
٣. شبكات الامتداد الإقليمي التي تتيح توزيع عبء المواجهة وتوسيع نطاقها.
وبالتالي، فإن استهداف القيادة – رغم أهميته الرمزية والسياسية – لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري في القدرة القتالية، بل قد يعيد توجيهها نحو أدوات أقل تقليدية وأكثر امتدادًا زمنيًا.
في النهاية، يتضح أن اغتيال القيادات الإيرانية، رغم ما قد يحدثه من صدمة رمزية واضطراب عملياتي في المدى القصير، لا يفضي بالضرورة إلى تقويض القدرة البنيوية للدولة على الاستمرار في الحرب. فالنظام الإيراني يستند إلى بنية مؤسسية متشابكة تتيح آليات تعويض سريعة نسبيًا، سواء عبر إعادة توزيع الصلاحيات أو ترقية قيادات بديلة، بما يقلل من احتمالات الانهيار الفوري.
وعلى المدى البعيد، يتوقف الأثر الحقيقي لاستراتيجية “قطع الرأس” على مدى قدرتها على إحداث تآكل تراكمي في شبكة القيادة وصنع القرار، لا على إزاحة أفراد بعينهم. غير أن التجارب المقارنة تشير إلى أن الأنظمة ذات الطابع الأيديولوجي–الأمني تميل إلى إعادة إنتاج نخبها تحت الضغط، بل وتوظيف الضربات الخارجية لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة شرعنة خطاب “المقاومة”.
ومن ثمّ، فإن اغتيال القيادات قد يعيد تشكيل نمط الصراع من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف غير متماثلة، دون أن يفضي بالضرورة إلى إنهائه.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن تأثير اغتيال القادة في الحالة الإيرانية يظل تأثيرًا تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا، ما لم يقترن بإطار سياسي شامل يعالج موازين القوى الإقليمية وبنية التحالفات المرتبطة بإيران. وعليه، فإن الرهان على الإضعاف القيادي وحده كمدخل لحسم الصراع يبدو محدود الجدوى، بل قد يسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد بيئتها الإقليمية.