اتجاهات مرتبكة: كيف تحركت القوى الدولية تجاه الحرب على إيران؟

ريهام السادات- باحثة بوحدة الدراسات الدولية.
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعدًا سريعًا في التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في مشهد لم يعد يقتصر على الاشتباك العسكري التقليدي، بل يمتد ليطال التوازنات الإقليمية وطبيعة التفاعلات الدولية. فقد شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية وصاروخية استهدفت مواقع استراتيجية داخل إيران، وردّت طهران بإطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية باتجاه إسرائيل وعدد من دول الخليج، ما أدى إلى اعتراض صواريخ في الكويت والبحرين والأردن، وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع.
وترافق هذا التصعيد العسكري مع خطاب سياسي متوتر؛ إذ توعدت إيران برد واسع، واعتبرت الضربات انتهاكًا لسيادتها، فيما أكدت الولايات المتحدة وإسرائيل أن عملياتهما تستهدف تحييد التهديد النووي والصاروخي الإيراني. ومع امتداد العمليات إلى أجواء وأراضي دول عربية، تزايد القلق من انزلاق تدريجي نحو حرب إقليمية يصعب احتواؤها.
ومن ثم، بات التركيز على المواقف الدولية مسألة مركزية، إذ تمثل تصريحات القوى الكبرى والمؤسسات الأممية عاملًا مهمًا في ضبط إيقاع التصعيد أو إعادة توجيهه، كما تساعد في فهم حدود التأثير الدولي واستكشاف فرص التهدئة مقابل احتمالات التوسع والانفجار.
الموقف الأوروبي:
تكشف التصريحات الأوروبية عن تباين واضح بين الدعوة إلى التهدئة وممارسة الضغط السياسي على إيران، بما يعكس طبيعة الدور الأوروبي الواقعة بين الوساطة الدبلوماسية والانحياز إلى الحلفاء الغربيين. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن، محذرًا من تداعيات خطيرة على السلم والأمن الدوليين، فيما شدد الاتحاد الأوروبي على حماية الاستقرار الإقليمي ومنع تقويض نظام عدم الانتشار النووي، مع استمرار فرض العقوبات على إيران.
واتخذت إسبانيا موقفًا أكثر نقدية، إذ أدان رئيس وزرائها الضربات الأمريكية والإسرائيلية، داعيًا إلى خفض التصعيد مع الحفاظ على مسافة نقدية من طهران، بينما أكد البيان المشترك لفرنسا وألمانيا وبريطانيا ضرورة إنهاء إيران لبرامجها النووية والصاروخية والامتناع عن الأنشطة المزعزعة للاستقرار.
أما بريطانيا، فتميز خطابها بحدة تجاه إيران، ووصفت نظامها بأنه بغيض، مؤكدة ضرورة منعه من امتلاك سلاح نووي، لكنها في الوقت نفسه دعت إلى العودة للعملية الدبلوماسية وحماية المدنيين ودعم الحلفاء الإقليميين، بما يعكس توازنًا بين التشدد الأمني والدعوة إلى التهدئة.
وبوجه عام، تعكس هذه التصريحات ازدواجية الموقف الأوروبي: حرص على التهدئة وضبط النفس، مقابل استمرار الضغط السياسي على إيران. غير أن تأثير أوروبا يظل محدودًا بفعل تبعيتها الاستراتيجية للولايات المتحدة والانقسامات الداخلية بين دولها، ما يجعل دورها أقرب إلى التأثير الخطابي منه إلى الفعل العملي المباشر في مسار الأزمة.
اتجاهات الموقف الآسيوي:
تتسم المواقف الآسيوية بالحذر والتمسك بالمسار الدبلوماسي، نظرًا لارتباط هذه الدول بمصالح استراتيجية في الطاقة والتجارة، ورغبتها في تجنب الانخراط المباشر في صراعات الشرق الأوسط.
ففي الصين، أكدت وزارة الخارجية ضرورة حل الأزمة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، معارضة اللجوء إلى القوة، ومشددة على حق إيران في الحفاظ على استقرارها ومصالحها المشروعة. أما كوريا الجنوبية، فركزت على حماية مواطنيها، داعية جميع الأطراف إلى خفض التوتر، مع الحفاظ على الحياد. فيما تميل اليابان إلى الدعوة لضبط النفس وحماية إمدادات الطاقة واستقرار الخليج باعتباره شريانًا حيويًا لاقتصادها.
وتعكس هذه المواقف منطقًا آسيويًا يرتكز على حماية المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة، مع السعي إلى احتواء الأزمة أكثر من حلها، في ظل غياب أدوات ضغط عسكرية أو سياسية مباشرة، ما يجعل استقرار الخليج هدفًا مركزيًا دون القدرة على فرض مسار جديد للأحداث.
حدود الموقف الروسي:
يبرز الموقف الروسي باعتباره من أكثر المواقف وضوحًا في إدانة الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، حيث عقد الرئيس فلاديمير بوتين اجتماعًا مع أعضاء مجلس الأمن الروسي لتقييم التطورات، في إشارة إلى أن موسكو تنظر إلى المواجهة بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي. وقد وصفت وزارة الخارجية الروسية الهجمات بأنها “عمل عدواني مسلح مخطط له مسبقًا وغير مبرر ضد دولة ذات سيادة”، مؤكدة أن واشنطن وتل أبيب تتذرعان بالمخاوف النووية بينما تسعيان في الواقع إلى تغيير النظام الإيراني.
ويجمع الموقف الروسي بين الدعم السياسي لإيران والتحذير من مخاطر التصعيد على النظام الدولي. غير أن تأثير موسكو يظل مقيدًا بعدة عوامل، أبرزها انشغالها بالحرب في أوكرانيا وما يترتب عليها من ضغوط اقتصادية وعسكرية، فضلًا عن علاقاتها المعقدة مع إسرائيل التي لا ترغب في خسارتها بالكامل.
وبذلك تسعى روسيا إلى توظيف الأزمة لتعزيز خطابها المناهض للهيمنة الأمريكية وإبراز نفسها كمدافع عن الشرعية الدولية، لكنها تواجه قيودًا عملية تحد من قدرتها على فرض حلول أو منع التصعيد.
أين وقفت دول الشرق الأوسط؟
يتسم موقف دول الشرق الأوسط بقدر من التباين بين الإدانة الصريحة للهجمات الإيرانية والدعوة إلى التهدئة. فقد عبّرت مصر عن قلق بالغ، مؤكدة أن الحلول العسكرية تزيد من حدة العنف، مع التشديد على ضرورة الحوار وإدانة استهداف الأراضي العربية.
وأدانت السعودية الهجمات واعتبرتها عدوانًا صارخًا، مؤكدة دعمها للدول المستهدفة واستعدادها لاتخاذ الإجراءات الدفاعية اللازمة، فيما شددت الإمارات على حقها في حماية أراضيها ومواطنيها، مؤكدة سيادة الدولة ورفض أي انتهاك لأمنها القومي.
كما أعربت الكويت والبحرين عن مواقف مماثلة، مع اعتراض صواريخ إيرانية والدعوة إلى اتخاذ الاحتياطات، بينما وصفت قطر الهجمات بأنها اعتداء على أمنها القومي مع احتفاظها بحق الرد وفق القانون الدولي. أما الأردن فركز على الدفاع عن أراضيه دون الانخراط المباشر في التصعيد.
في المقابل، اتخذت تركيا وسلطنة عُمان مواقف تميل إلى التهدئة، داعية إلى وقف الهجمات والعودة إلى الوسائل السلمية، مع استعداد عُمان لدعم جهود الوساطة. وتكشف هذه المواقف عن ثلاثة اتجاهات رئيسية:
(*) المسار الأول،– إدانة صريحة مع التأكيد على الدفاع عن السيادة.
(*) المسار الثاني،- توجهات حيادية تركز على الحوار والتهدئة.
(*) المسار الثالث،– مواقف دفاعية لحماية الأراضي دون الانخراط المباشر.
ويعكس هذا التباين حرص العالم العربي على منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مقابل صعوبة صياغة موقف موحد بسبب اختلاف الأولويات.
ملامح الموقف الأممي:
يبرز موقف الأمم المتحدة في التمسك بالشرعية الدولية والدعوة إلى وقف فوري للأعمال العدائية. فقد أدان الأمين العام أنطونيو غوتيريش التصعيد، مؤكدًا ضرورة احترام سيادة الدول، فيما شدد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك على المخاطر الإنسانية، ودعت منظمة الصحة العالمية إلى حماية المدنيين والبنية الصحية.
ورغم عقد مجلس الأمن اجتماعات عاجلة، فإن فعاليته تبقى محدودة بسبب حق النقض، ما يجعل تأثيره أقرب إلى الضغط السياسي والأخلاقي منه إلى فرض حلول عملية.
سيناريوهات محتملة:
استنادًا إلى المواقف الدولية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، يمكن رصدها كالتالي:
(-) السيناريو الأول،– يتبني مستوى منخفض الحدة، وهو يتوقع استمرار الضربات المحدودة دون حرب شاملة.
(-) السيناريو الثاني،– يعلن عن تهدئة مشروطة، ويؤكد هذا السيناريو على خفض التصعيد وفق حسابات داخلية لكل طرف.
(-) السيناريو الثالث،– يتبتي هذا السيناريو اتجاه التصعيد الشامل، ويرى أنه في حال استهداف منشآت استراتيجية أو تدخل قوة كبرى قد تتوسع الحرب إلى تصعيد شاملقد يعم كل المنطقة، خاصة المناطق ذات المرتكزات الأمريكية.
في النهاية، يمكن القول إن الأزمة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، لم تعد في هذه اللحظة مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى ساحة اختبار لإعادة تموضع القوى الدولية والإقليمية داخل نظام عالمي يتسم بالسيولة وعدم اليقين. فهي نقطة تقاطع بين الردع العسكري، والشرعية الدولية، وأمن الطاقة، وحسابات الداخل السياسي لكل طرف.