د. أبوالفضل الإسناوي يكتب.. لماذا أحب أهل الأقصر “عمارة”؟

ما لاحظته على السوشيال ميديا وصفحات فيسبوك لأبناء الأقصر، أنه مع تداول أنباء غير رسمية عن حركة تغييرات مرتقبة للمحافظين، وظهور أخبار على بعض المواقع تفيد باحتمال تغيير محافظ الأقصر، تحرك الشارع الإلكتروني بسرعة لافتة. خلال ساعات، امتلأت الصفحات والمنشورات بتعليقات ورسائل واضحة المعنى: “عاوزين عبدالمطلب عمارة يكمل”، “مش حتمشي”، “نطالب الرئيس باستمراره”. لم تكن حملة منظمة بقدر ما كانت موجة تلقائية من أبناء المحافظة، خرجت من القلب إلى الشاشة، تعكس شعورًا عامًا بالخوف من فقدان مسؤول شعر الناس معه بشيء من الطمأنينة.
هذه الحملة الشعبية التي حملت عنوانًا بسيطًا لكنه معبر — “عاوزين عبدالمطلب عمارة يكمل” — لم تأتِ من فراغ، ولم تُصنع في غرف مغلقة، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لتجربة عاشها المواطنون مع محافظهم عبدالمطلب عمارة، تجربة صنعت رصيدًا من القبول والثقة، جعلت الناس تتحرك دفاعًا عنه قبل أن يتحرك هو ليدافع عن نفسه.
في الأقصر، لا يُقاس حضور المسؤول بعدد البيانات ولا بكثافة الصور الرسمية، بل بما يتركه في قلوب الناس. وربما لهذا السبب تحديدًا بدا هذا التفاعل الشعبي صادقًا وعفويًا. أبناء الأقصر لا يتحدثون عنه بوصفه “مسؤولًا كبيرًا”، بل بوصفه رجلًا قريبًا منهم. تسمع الجملة تتكرر على ألسنة كثيرين: “بيسمع”، “بينزل بنفسه”، “مش متكبر”. عبارات بسيطة، لكنها تختصر علاقة إنسانية تشكلت بعيدًا عن البروتوكول.
عبدالمطلب عمارة لم يصنع مسافة بينه وبين المواطنين، ولم يتعامل مع المنصب كحاجز، بل كمسؤولية تفرض عليه النزول إلى الأرض، ورؤية المشكلات بعينه، وسماع الشكاوى مباشرة دون وسطاء. حضوره الميداني لم يكن استعراضًا ولا جولات محسوبة بالكاميرات، بل تواجدًا حقيقيًا يتخلله حوار مباشر، واستفسار، ومتابعة. مواطن يشتكي فيقف ليستمع، سيدة تعرض مشكلة فيناقشها بهدوء، شاب يطرح فكرة فيصغي قبل أن يعلّق. تفاصيل صغيرة، لكنها صنعت شعورًا عامًا بأن هناك من يرى الناس ويسمعهم.
اللافت أيضًا أن الحس الإنساني يسبق الحس الإداري في كثير من مواقفه. خلف القرارات التنفيذية، هناك حرص واضح على ألا تتحول الإجراءات إلى عبء إضافي على حياة المواطنين، واهتمام بحالات فردية قد تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها كبيرة في أثرها على أصحابها. في أكثر من موقف، تدخل بنفسه لحل مشكلات لم تكن تحتاج قرارات كبرى بقدر ما كانت تحتاج تعاطفًا وسرعة استجابة.
ربما لهذا السبب جاءت حملة “عاوزين عبدالمطلب عماره يكمل” بهذه القوة. الناس لم تدافع عن منصب، بل عن تجربة. دافعت عن مسؤول شعرت معه بشيء من القرب والاحترام المتبادل. لم تكن مجرد منشورات على فيسبوك، بل رسالة واضحة مفادها أن الشارع يرى، ويقيّم، ويعرف من يقف بجانبه.
عبدالمطلب عماره لا يطارد الأضواء، ولا يبالغ في صناعة الصورة، لكنه حاضر حيث يجب أن يكون. يعمل في هدوء، ويتحرك بثبات، ويوازن بين الحزم في الإدارة واللين في التعامل. هذا التوازن جعله مختلفًا في نظر كثيرين، وقدّم نموذجًا للمحافظ الذي يجمع بين الانضباط التنفيذي والبساطة الإنسانية.
وأنا أكتب هذه السطور، أتمنى من محافظ الأقصر أن يستمر على هذا النهج، أن يظل حاضرًا بين الناس كما اعتاد، وأن يضع جدولًا زمنيًا لزيارة كل قرى المحافظة، لا بروتوكولًا ولا مجاملة، بل لقاءات حقيقية مع المزارعين، ومع الصناع وأصحاب المهن، ومع الشباب والمرأة، يستمع إليهم كما يفعل الآن، ويشركهم في رؤية المستقبل. وأتمنى أن يبقى مكتبه مفتوحًا للجميع كما هو اليوم، لأن هذا الباب المفتوح هو في الحقيقة جسر ثقة بين المواطن والمسؤول.
أقول ذلك من تجربة شخصية عشتها من قبل مع اللواء لبيب عندما كان محافظًا لقنا. كنت قريبًا منه إلى درجة أننا لم نفترق تقريبًا، لا هو تركني ولا أنا تركته، حتى بعد انتقاله إلى الإسكندرية ثم البحيرة، ثم توليه وزارة التنمية المحلية. ومن أشهر قليلة التقيت به في بيته بالإسكندرية على مائدة غداء دعاني إليها، جلسنا نتحدث طويلًا عن تجربته في قنا، وكيف ظل حب أهلها له حاضرًا حتى بعد سنوات من مغادرته المنصب. تحدثنا عن الناس قبل المشروعات، وعن العلاقات الإنسانية قبل القرارات الإدارية، وكأن التجربة كلها كانت تؤكد أن ما يبقى فعلًا هو أثر القرب والصدق.
ومن شدة حب الناس لهذه التجربة، كتب البعض كتابًا عنها بعنوان “مشوار عادل لبيب”، توثيقًا لمسيرة رجل ترك بصمة حقيقية في قلوب أبناء قنا، وكان ذلك أقل ما يستحقه منا، وحقًا واجبًا تجاه تجربة صادقة في الإدارة والإنسانية.
واليوم، وأنا أرى هذا الالتفاف الشعبي حول المهندس عبدالمطلب عماره، أتمنى أن يستمر حب أهالي الأقصر له كما استمر حب أهل قنا لعادل لبيب. لأن ما يبقى في النهاية ليس عدد المشروعات ولا حجم الملفات، بل الأثر الإنساني، والذاكرة الطيبة، والشعور الصادق بأن هذا المسؤول كان يومًا واحدًا من الناس، وقريبًا منهم.