عبدالسلام فاروق يكتب.. “ترامب” سيد الصفقات يعود للمستنقع !

هنا، مرة أخرى، على أرضنا المنكوبة، تحاك المؤامرات وترسم خطط الدمار. المشهد مألوف، الرجال نفسهم، والعقلية نفسها، والنتيجة مؤكدة مزيد من الدماء، ومزيد من الدموع، ومزيد من الخراب الذي سيدفع ثمنه الفقراء والبسطاء، بينما يجلس سادة الحرب في عواصمهم البعيدة يحسبون أرباحهم وخسائرهم على لوحة شطرنج مصنوعة من لحوم البشر.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سيد الصفقات والعنف اللفظي، يهدد ويصول ويجول.
هو من يملك أقوى جيوش العالم، ومن يملك ترسانة نووية تكفي لإبادة الكوكب مرات، ومع ذلك، يشعر بالخطر من دولة تعاني تحت وطأة عقوبات حصار خانقة وشعب ينتفض مطالباً بالخبز والحرية. ها هو يرسل حاملة طائراته النووية العملاقة، “أبراهام لينكولن”، إلى مياهنا الدافئة، كالقرصان الذي يخشى مركب صيد. يصرخ في وجه إيران، بينما تدعم دولته أكثر الأنظمة دموية وقمعاً في المنطقة، طالما أنها تصب في مصلحة الهيمنة الأمريكية.
ويقابل الصوت الأمريكي المدوي، صوت إيران الرسمي، الذي لا يقل عنفاً واستعداداً للعب بالنار. يهددون بـ “رد ساحق” على دول الجوار. ومرة أخرى، تستخدم مدن عادية، يعيش فيها ملايين البشر الأبرياء، رهينة في لعبة الردع العسكرية المجنونة. بينما يقمع النظام نفسه بشدة احتجاجات شعبيه في شوارع طهران وأصفهان، يجد الوقت والجرأة لتهديد شعوب أخرى بالفناء. إنه منطق الأنظمة القمعية المتشابهة، التي تستمد شرعيتها الواهية من صناعة عدو خارجي، وتستعرض عضلاتها على حساب أمن الجميع.
واللافت في هذه المسرحية المأساوية هو التناقض الصارخ. فالولايات المتحدة، في وثائقها الاستراتيجية، تعلن أن أولويتها قد تغيرت بعيداً عن مستنقع الشرق الأوسط، نحو منافسة القوى الكبرى في آسيا والمحيط الهادئ. وتصف إيران بأنها في أضعف حالاتها. فلماذا إذن كل هذا الاستنفار العسكري الهائل؟ لماذا تصرف مليارات الدولارات على حروب لا تنتهي هنا؟
الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد. بسيطة، لأن منطق الإمبراطورية لا يعرف سوى لغة القوة. هو احتياج دائم لإثبات السيطرة، لإرهاب الخصوم والحلفاء على حد سواء، لصرف عيون شعوبها عن مشاكلها الداخلية إلى وحش خارجي. ومعقدة، لأن هذه الدوافع تتشابك مع أوهام النخب الحاكمة وصراعاتها.
إنهم يتحدثون عن البرنامج النووي الإيراني كخطر وجودي، بينما تغض الطرف عن القوة النووية الحقيقية الوحيدة في المنطقة، التي ترفض الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار وتخزن مئات الرؤوس النووية.. إسرائيل. إنها معايير مزدوجة تقسم العالم إلى نحن و هم. البرنامج النووي الإيراني خطير لأنه إيراني، بينما البرنامج النووي الإسرائيلي مقبول، بل محمي.
ويتحدثون عن نقل الأعباء إلى الحلفاء الإقليميين. أي أنهم يريدون من دول الخليج أو إسرائيل أن تقوم بالدور القذر نيابة عنهم، أن تتحول إلى شرطي المنطقة، بينما تحتفظ واشنطن لنفسها بدور القاضي والجلاد الذي يضرب فقط عندما تشاء. إنها سياسة تهدف إلى إشعال النار بين الجيران، وتكبيلهم بعلاقات تبعية عسكرية وأمنية لا تنتهي، لضمان بقاء تدفق النفط والأموال والولاء.
لكن التوقيت الآن ليس اعتباطياً. إيران تمر بفترة هشة. الاحتجاجات الشعبية الواسعة كشفت عن شرخ عميق بين النظام وشعبه. النظام القمعي في طهران، الذي لا يتورع عن سحق مطالب الناس بالرصاص، يبدو للمخططين في واشنطن فريسة سهلة. إنهم يعتقدون أن ضربة عسكرية الآن قد لا تواجه برد قوي، لأن النظام مشغول ببقائه. إنها فرصة للانقضاض على فريسة مصابة. إنه منطق الصياد، لا منطق السياسة.
ولا ننسى المسرح الداخلي الأمريكي. ترامب، ككل الحكام المستبدين، يحتاج إلى حدث خارجي مذهل لتحويل الأنظار، لتعزيز وضعه، ليرفع شعار “القائد الحازم”. قد تكون الضربة العسكرية المحسوبة هي التذكرة التي يبحث عنها للبقاء في الساحة. إنها حياة البشر مقابل استطلاعات الرأي.
لكن كل هذه الحسابات الباردة، كل هذه الألعاب الاستراتيجية على الورق، تتجاهل حقيقة أساسية واحدة: النار لا يمكن السيطرة عليها بمجرد إشعالها.
ما الذي قد يحدث لو قررت واشنطن الضرب؟ قد تعتقد أنها ستكون ضربة جراحية سريعة، كاستهداف منشأة نووية أو اغتيال قادة عسكريين. لكنهم ينسون أن في طهران نظاماً يشعر أنه في الزاوية، وأن الخيار الوحيد الباقي له للبقاء قد يكون الرد العنيف ليثبت قوته. قد يغلق مضيق هرمز، فيغرق الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة. وقد يوجه صواريخه، لا نحو “قلب تل أبيب” فحسب، بل نحو القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج. وقد يدفع وكلاءه في لبنان والعراق واليمن إلى حرب شاملة. عندها، لن تبقى ضربة محدودة، إنما سنكون على شفا حرب إقليمية كبرى، ستلتهم الجميع.
والنتيجة الأكثر كارثية ستكون درساً يقدم لكل دول العالم إن الاتفاقيات الدولية لا تضمن الأمان، وأن الطريق الوحيد للبقاء هو امتلاك السلاح النووي. ستقول السعودية وتركيا ومصر وغيرها، لقد ضربت أمريكا إيران لأنها لم تكن تملك السلاح النووي ! . هذا هو الدرس. عندها، سيبدأ سباق تسلح نووي في أكثر مناطق العالم توتراً، وسينتهي العالم كما نعرفه.
والحلفاء التقليديون لأمريكا يرتعبون. دول الخليج تخشى على استقرارها من شرارة الحرب. حتى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يسارع إلى طمأنة طهران. وأوروبا، التي تدرك أن حرباً شاملة تعني فيضاناً من اللاجئين وانهياراً للاقتصاد، تعارض الخطوة. أمريكا قد تجد نفسها وحيدة في مغامرتها المجنونة.
في النهاية، الشعب الإيراني ، الذي يتجرع مرارة القمع ويرفع صوته مطالباً بالحرية، هو من سيدفع الثمن الأغلى. والملايين في الشرق الأوسط وفي دول الخليج، الذين يريدون العيش بسلام، هم من سيكونون وقود هذه الحرب. والفلسطينيون، الذين طالما عانوا تحت الاحتلال، سيجدون أن مأساتهم قد طواها النسيان مرة أخرى في خضم هذا الصراع الكبير.
ها نحن نقف مرة أخرى على حافة الهاوية. عدد قليل من الرجال، في غرف مغلقة في واشنطن وطهران، يقررون مصير الملايين. إنهم يلعبون بالنار على أرضنا. وعلينا أن نصرخ: كفى! كفى حروباً! كفى تهديدات! ليس الشرق الأوسط رقعة شطرنج، وشعوبه ليست قطعاً يمكن التضحية بها. الطريق الوحيد هو الحوار، هو احترام السيادة، هو إنهاء سياسة الهيمنة، هو العدالة. أي طريق آخر سيؤدي فقط إلى جحيم لن ينجو منه أحد.
abdelsalamfarouk@yahoo.com