عبدالسلام فاروق يكتب: جيل يقرأ.. وأمة تَبني

القاهرة تطلق معرضها الدولي للكتاب

من رحم الزحام الصاخب، تشرق شمس الكلمة. ومن قلب القاهرة التي لا تنام، ينبعث نبض المعرفة متحدياً صخب العالم العابر وزيفه. يحلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، كالنسر الأسطوري، من تحت الرماد الثقيل؛ ليعلن أن الربيع العربي الحقيقي ليس في ساحات السياسة وحدها، لكنها هنا، بين دفتي كتاب، وفي حفيف صفحات تصر على رواية حكاية إنسانية أعمق. إنه ربيع العقل الذي يرفض السبات، وجذوة الإبداع التي تتقد رغم رياح التسطيح. تحت سماء رعاية تدرك أن الأمن الثقافي هو اللبنة الأولى لأي بناء، تستعد مصر لتقديم موسم ثقافي هو الأضخم في التاريخ، مؤكدة أن هذه الأمة التي علمت البشرية الحرف، ما زالت قادرة على تعليمهم كيف يقرؤون الوجود.

الدكتور أحمد فؤاد، وزير الثقافة، قال في كلمته بصوته الهادئ الواثق، بوضوح لا يترك مجالاً للشك أو الجدل: هذه الدورة هي الأضخم في تاريخ معرض القاهرة للكتاب. ثم أضاف، وفي عينيه ذلك البريق الذي تعرفه عيون الحالمين حين يقترب الحلم من التحقق: ونعد الجمهور بنسخة استثنائية، تستلهم روح الإبداع المصري. لم يكن يعدنا بمعرض عادي، بل كان يعدنا بموسم كامل من الجمال العقلي، وبعث للكلمة الحقيقية في زمن طغت فيه الألفاظ الفارغة.

أما اختيار شخصية المعرض، فكان من نصيب الأديب العالمي نجيب محفوظ. وفي اختياره رد صامت لكنه قاطع على كل من ظن أن مصر الحاضر قد نسيت مصر الماضي. مصر الحكايات والأساطير، مصر الحارة والمقهى، مصر التي تخرج من زحمتها وأزمتها أفكار كالجبال. وإذا كان محفوظ هو شخصية المعرض الرئيسية، فقد اختير لمعرض كتاب الطفل شخصية أخرى، تمسح على رؤوس الأحلام الصغيرة: الفنان الكبير محيي الدين اللباد. أليس هو من جعل الحرف العربي لعبة وسريراً للأحلام؟ لقد أعطانا بمهارته فرشاته مفاتيح مملكة الخيال، فما أروع أن يكرم اليوم ليذكرنا: الأمم تبنى بمخيلة أطفالها قبل أن تشيد بأيدي رجالها.

ثم جاءت مفاجأة ضيف الشرف: رومانيا. توقفت الأقلام، وتساءل الكثيرون: لماذا رومانيا؟ ألم تكن دولة عربية أو أوروبية أشهر أولى بهذا الشرف؟ لكن الإجابة جاءت من السفيرة أوليفيا توديران، سفيرة رومانيا في القاهرة: الاختيار استعداداً للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 2026. وهكذا تتحول الكتب إلى دبلوماسيين من نوع خاص، وسفراء لا يعرفون الكذب ولا المكر، فصفحاتهم بيضاء وقلوب حروفهم نقية.

أما لغة الأرقام، فهي لغة صادقة لا تحتاج إلى مترجم:

· 1457 دار نشر من 83 دولة.

· 400 فعالية ثقافية.

· 100 حفل توقيع.

· 120 فعالية فنية.

· 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً.

· أكثر من 1500 مثقف ومبدع.

هذه ليست مجرد أرقام تروى عن حدث، إنها شهادة وجود. دليل حي على أن القاهرة ما زالت قادرة على جمع العالم تحت سقف واحد، ليتحاوروا ويتعلموا ويبنوا معاً. إنه المعرض الأكبر بحق، كما قال الوزير.

ومن بين كل الجديد في هذه الدورة، تبرز مبادرة تحمل اسماً كالوعد: “مكتبة لكل بيت”. فكرة بسيطة في ظاهرها، وكما نعلم، فإن الحقائق العظيمة تظهر دوماً في ثياب البساطة. هدفها أن يعود الكتاب جزءاً من نسيج الحياة اليومية، رفيقاً في صالون البيت، وصديق سمر بعد العشاء. تضم المبادرة عشرين مؤلفاً متنوعاً من إصدارات الوزارة، بالإضافة إلى “حقيبة نجيب محفوظ” التي تحوي خمسة عشر من أبرز أعماله. إنها تذكرة لطيفة: الحضارة لا تبدأ في المقاهي وقاعات المؤتمرات وحدها، بل تبدأ في قلب البيوت، حيث يقرأ الأب لأطفاله، وتتحاور العائلة حول ما قرأت.

ولأول مرة في تاريخ المعرض، يظهر مخيم يحمل اسماً دافئاً كالبيت: “أهلنا وناسنا”. هو مكان مخصص للتراث غير المادي لمحافظات مصر. كم كنزاً ثقافياً نغفل عنه! كم من حكاية شعبية، أو أغنية تقليدية، أو عادة قديمة، تخبئها قرانا ومدننا الصغيرة؟ هذا المخيم هو اعتراف بأن الحضارة المصرية ليست حكراً على العاصمة، بل هي نبع يتفجر من كل بئر في صعيدنا، ومن كل حقل في دلتانا.

ثم يأتي الشباب، ليكونوا الأبطال الحقيقيين في هذه الملحمة القرائية، فهم يمثلون نحو 80% من جمهور المعرض. هذا الرقم ليس عادياً، بل هو نصر. نصر للكلمة على كل ما يشتت الذهن ويضيعه. إذا كانت الإحصاءات العالمية تنادي بأن القراءة في انحدار، فإن شباب مصر يصرخون بعكس ذلك. لكن بشروطهم: أن نحاورهم بلغتهم، وأن نفتح لهم الأبواب التي يحبونها. ولهذا، خصصت فعاليات لهم، لتسمع أصواتهم الجديدة، ولترى أفكارهم التي قد تبدو غريبة أحياناً.

ويحمل شعار هذه الدورة رسالة كاملة في ثلاث كلمات: “القراءة فعل حضاري”. كما أوضح الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي للمعرض، فهذا الشعار هو ثمرة رؤية تهدف إلى ترسيخ القراءة كسلوك أصيل في حياتنا. القراءة ليست تسلية لتمضية الوقت، هي في رأيي عبادة العقل. هي العمل الأثمن والأبقى لبناء الإنسان المستنير.

أما الاحتفال بنجيب محفوظ، فلن يكون مجرد موسم للألقاب والخطب الرنانة. سيكون برنامجاً حياً يمشي على الأرض: ندوات فكرية، وعروض سينمائية، وأنشطة فنية. ويقام معرض تشكيلي بعنوان “نجيب محفوظ بعيون العالم” يضم أربعين لوحة لفنانين من جنسيات مختلفة، كل يراه بعين ثقافته. والأهم من ذلك كله، هو إطلاق “جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية”، برعاية البنك الأهلي المصري، وبقيمة نقدية كبيرة. هكذا تتحول الذكرى من حفلة على قبر إلى دفقة حياة جديدة للإبداع.

وللمعرض هذه المرة بعد صناعي جديد. فبإدخال نشاط تبادل حقوق الملكية الفكرية بين الناشرين، يتحول من مجرد سوق لبيع الكتب إلى منصة أعمال ثقافية حقيقية. وعودة برنامج “القاهرة تدعوك” لتعزيز العلاقات بين الناشرين المصريين والأجانب، تجعل من الثقافة صناعة تسير وفق قوانين السوق: عرض وطلب، تعاون ومنافسة.

ولا ينسى المعرض أخوات الكتاب من الفنون. فسيشهد حفل افتتاح فني كبير على مسرح المنارة، بعنوان يلتقط روح زمن مضى: “يوسف شاهين.. حدوتة مصرية”، احتفاء بمئوية المخرج العظيم. وسيكون هناك حفل ختام فني آخر بعنوان “غناء القاهرة”. لتؤكد لنا هذه الأنشطة أن الجمال واحد، حتى وإن اختلفت لغات التعبير عنه.

وللناشرين كلمة أخيرة في هذا المشهد الكبير. يقول فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين: “لا بد من التأكيد على موقع القاهرة في العالم العربي، فمصر تملك واحدة من أهم أدوات قوتها، وهي قوتها الناعمة”. كلمة تصيب كبد الحقيقة: فالقوة ليست في السلاح وحده، بل في القدرة على إقناع العالم بجمال فكرك. ويضيف محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، بأن معرض القاهرة هو الأكثر جماهيرية عربياً، بأكثر من خمسة ملايين زائر.

وفي الخلفية من كل هذا، يعمل خيط ناظم قوي. حيث يقول الدكتور خالد أبو الليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب: “هناك ترابط واضح بين قطاعات وزارة الثقافة، ولم يعد العمل يتم بمنطق الجزر المنعزلة”. هذا هو السر: التكامل. فالمعرض ليس حدثاً منعزلاً، إنه حلقة في مشروع ثقافي ضخم، يهدف إلى استعادة مصر لمكانتها، لا بالحديث عن أمجاد الماضي فحسب، بل بالفعل الملموس في الحاضر.

في النهاية، معرض القاهرة للكتاب في دورته السابعة والخمسين، سيكون رسالة. رسالة تقدمها مصر لنفسها أولاً، وللعالم ثانياً. تقول فيها: نحن هنا. ما زلنا نلد الكلام الجميل، وننحت الأفكار، ونبني الجسور. تعالوا إلى مصر، لا لتروا أحجار أجدادنا الغابرة فقط، بل لتقرؤوا كلماتنا الحاضرة. لتعرفوا أن هذه الأرض التي علمت الإنسان الكتابة قبل آلاف السنين، ما تزال تعلمه كيف يقرأ الحياة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى