لواء أحمد زغلول يكتب: محطات في حياتي.. المحطة السابعة عشرة

عندما تكون القيادة خُلُقًا ويصبح القائد مدرسة وطن

محطات لا تُكتب بالحبر بل بالوفاء

في حياة الرجال محطات، وفي عمر الأوطان شواهد، وفي ذاكرة القلوب أسماء لا تغيب مهما طال الزمن. هناك أشخاص لا نلتقي بهم مصادفة، بل تضعهم الأقدار في طريقنا ليكونوا علامات فارقة، وبوصلات هادية للطريق، ونماذج تُختصر فيها معاني الشرف والالتزام والانتماء. وحين أصل في رحلتي إلى المحطة السابعة عشرة، فإنني لا أستدعي ذكرى عابرة، بل أقف إجلالًا أمام قامة وطنية، وقائدٍ فذ، ورجلٍ من طرازٍ نادر، اللواء صلاح محمد الهادي، أحد رموز القوات المسلحة المصرية وهيئة الاستخبارات العسكرية، ورمزٍ حقيقي من رموز “الزمن الجميل” الذي لم يكن فيه المنصب غاية، بل وسيلة لخدمة الوطن والرجال.

القائد الذي سبق رتبته:

لم يكن اللواء صلاح الهادي قائدًا لأن الرتبة منحته ذلك، بل كانت الرتبة اعترافًا متأخرًا بقيادته. تعلمت منه، كما تعلم أقراني من الأقدم رتبة والأحدث، أن القيادة الحقيقية لا تُمارس من خلف المكاتب المغلقة، بل تُصنع في الميدان، وبين الرجال، ومع تفاصيل العمل اليومية. كان قائدًا يُشعرك منذ اللحظة الأولى أنك أمام رجل يعرف ماذا يريد، ولماذا يعمل، وكيف يصل دون ضجيج أو استعراض. فهم مرؤوسيه بذكاء فطري نادر، واستوعب قدراتهم، واحترم اختلافاتهم، ووظّف طاقاتهم بحكمة القائد الخبير، فكان لكل فرد مكانه وقيمته ودوره.

ذكاء فطري وبصيرة نافذة:

امتلك رحمه الله ذكاءً حادًا وبصيرة نافذة، مكنته من قراءة الأشخاص قبل الملفات، وفهم المواقف قبل تطورها. كان يعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، ومتى يحسم، ومتى يحتوي. هذا الذكاء لم يكن نظريًا أو متعاليًا، بل ذكاءً عمليًا خالصًا، نابعًا من الخبرة، مشحونًا بالإخلاص، ومسنودًا بثقافة عسكرية وأمنية رفيعة. لذلك كانت آراؤه غالبًا صائبة، وقراراته حاسمة، وتقديراته محل ثقة من مرؤوسيه ورؤسائه على حد سواء.

المكتب الذي كان مدرسة معنوية:

لم يكن مكتبه مجرد مساحة إدارية، بل كان مساحة إنسانية ومعنوية. حين كان يستدعينا إلى مكتبه، كنا نعلم يقينًا أن هناك “هدية معنوية” في انتظارنا: كلمة طيبة، أو توجيهًا صادقًا، أو دعمًا غير مباشر يرفع الروح المعنوية ويعيد شحن الهمم، أو قطعة حلوى يقدمها بابتسامة، كلها حنان الأب القدوة والرمز. كان يؤمن أن الإنسان قبل المهمة، وأن الروح المعنوية المرتفعة نصف النجاح، فمارس القيادة بالاحتواء، وبث الثقة، وصناعة الأمل، دون شعارات أو مبالغات.

العمل باليد.. فلسفة قائد:

ومن أصدق وأبلغ صور قيادته تلك التي لا يمكن أن تُنسى: قائد يخلع جاكيت بدلته ويجلس ليعمل بيده. لم يكن يرى في ذلك انتقاصًا من هيبته، بل تعزيزًا لها. كان يراجع الموضوعات بنفسه، ويشارك في إخراجها، ويضع لمساته الفنية الدقيقة، وكأنه يقول لنا عمليًا: “القائد الحقيقي هو من يعرف تفاصيل العمل كما يعرف اسمه”.

امتلك خطًا جميلًا نادرًا، وموهبة فنية في الرسم والتنسيق، جعلت من الموضوعات التي يشرف عليها نماذج يُحتذى بها شكلًا ومضمونًا، تعكس هيبة المكان الذي كان يرأسه، ودقة العمل الاستخباري الذي لا يقبل الخطأ.

عمق الفكر ودقة التعبير:

كانت كتاباته تحمل بصمة خاصة:

١. عمق في دراسة الموضوع

٢. صدق في القناعة

٣. وضوح في الطرح

٤. حسم في الرأي

لم تكن كلمات مُنمّقة بلا مضمون، بل خلاصة فكر وتجربة ومعرفة، لذلك كانت آراؤه محل تقدير، وتوجيهاته مرجعًا، وكتاباته شاهدًا على عقل منظم، وقلب مخلص، وضمير حي.

الكرم.. سمة القادة الكبار:

كان الكرم عنده أسلوب حياة، لا فعلًا موسميًا؛ كرم في الأخلاق، وكرم في الدعم، وكرم في الوقت، وكرم في المشاعر. لم يبخل بنصيحة، ولم يتأخر عن مساندة، ولم يتردد في الوقوف بجانب مرؤوسيه، بل كان حريصًا على حمايتهم، والدفاع عنهم، وتوجيههم، وتربيتهم مهنيًا وإنسانيًا.

الحزم الهادئ.. قوة بلا صخب:

هادئ الطباع كاسمه، لكنه حين يتطلب الأمر كان حازمًا وحاسمًا. حزمه لم يكن قسوة، وحسمه لم يكن اندفاعًا، بل كان نتاج ميزان دقيق بين العقل والضمير. جمع بين الانضباط العسكري الصارم، والمرونة الإنسانية الراقية، فصنع نموذجًا قياديًا نادرًا قلّ أن يتكرر.

في المرض درس آخر:

حتى في مرضه ظل قائدًا. لم يُشعر من حوله بألمه، ولم يسمح للحزن أن يتسلل إلى نفوسنا. واجه المرض بنفس الروح التي واجه بها المسؤولية: بصبر وثبات ورضا، وكبرياء هادئ يُعلّم دون كلام.

وما تعلمناه منه — وأشهد أن كثيرين تعلموا —:

١. الولاء الحقيقي للوطن

٢. الانتماء الصادق للمؤسسة

٣. الانضباط القائم على القناعة لا الخوف

٤. أن القيادة أخلاق قبل أن تكون صلاحيات

٥. أن العمل شرف، والمسؤولية أمانة

رجل من الزمن الجميل:

كان اللواء صلاح الهادي بحق رجلًا من زمن جميل؛ زمن الرجال الذين ضحّوا بالغالي والنفيس، ولم ينتظروا مقابلًا، ولم يسعوا لشهرة، بل عملوا في صمت وتركوا أثرًا لا يُمحى.

حين تتحول السيرة إلى رسالة ومسؤولية:

إن الحديث عن القائد اللواء صلاح محمد الهادي — رحمه الله — لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الرثاء أو الامتنان، بل يجب أن يتجاوز ذلك ليصبح رسالة ووصية مهنية وأخلاقية لكل من يتولى موقع القيادة، ولكل من يعمل تحت راية الوطن، رئيسًا كان أو مرؤوسًا. لقد علّمنا بسيرته قبل كلماته أن المنصب لا يصنع قائدًا، بل القائد هو من يصنع قيمة المنصب، وأن السلطة الحقيقية لا تُمارَس بالقسوة ولا بالبعد، وإنما تُمارَس بالقدوة والعمل والعدل واحترام الإنسان. علّمنا أن القائد الذي ينزل إلى تفاصيل العمل، ويعمل بيده، ويشارك رجاله أعباء المسؤولية، هو وحده القادر على أن يطلب منهم العطاء دون تردد، والتضحية دون تذمر.

وإلى كل رئيس يتولى مسؤولية قيادة الرجال:

تذكروا أن الحكمة، والإنصاف، والكرم الإنساني، والاهتمام بالروح المعنوية، ليست رفاهية إدارية، بل هي صميم الأمن القومي وقاعدة النجاح المؤسسي، وأن القائد الذي يحتضن مرؤوسيه، ويحميهم، ويوجههم، ويُحسن الاستماع إليهم، هو من يضمن الولاء الحقيقي، والاستقرار، واستدامة الأداء المتميز.

وإلى كل مرؤوس يؤدي واجبه في صمت:

تذكروا أن الانضباط ليس خوفًا، وأن الالتزام ليس ضعفًا، وأن الإخلاص في العمل هو الطريق الأصدق لخلود الأثر. تعلموا من هذه السيرة أن العمل الشريف، مهما كان بعيدًا عن الأضواء، لا يضيع، وأن الرجال تُعرف بقيمها لا بكلماتها.

إن الوفاء الحقيقي للواء صلاح محمد الهادي لا يكون بالبكاء على رحيله، بل باستمرار النهج الذي جسّده، والحفاظ على القيم التي عاش من أجلها، وهي: الولاء للوطن، والإخلاص للمهمة، واحترام الإنسان، وصون شرف المسؤولية. فالأوطان لا تُبنى بالأسماء، بل بالمبادئ، ولا تستمر إلا برجال يحملون الأمانة كما حملها هو. رحم الله هذا القائد الجليل، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأدام على مصر رجالًا من طينته، يدركون أن القيادة رسالة، وأن العمل أمانة، وأن الوطن لا يُصان إلا بالصدق والتجرد ونقاء القلوب.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى