عندما تُربكنا الأرقام: ملاحظات على تصنيف المجلات ومعنى “الانتشار”

لم تعد المؤشرات الرقمية مجرد أدوات مساعدة في التقييم الأكاديمي، بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى مرجعيات حاكمة تُبنى عليها قرارات الترقية، وتُصاغ وفقها تصورات عن قيمة البحث والمجلة والباحث. وفي هذا السياق، برز ARCIF بوصفه محاولة عربية جادة لتنظيم النشر العلمي وقياس أثره، من خلال مجموعة من المؤشرات التي تعتمد أساسًا على الاستشهادات وترتيب المجلات.
من حيث المبدأ، تبدو الفكرة منطقية. أرقام واضحة، جداول قابلة للمقارنة، ومعايير معلنة. غير أن الاقتراب من النتائج، لا من المنهج وحده، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل، لا بدافع الرفض، وإنما بدافع الفهم.
ARCIF يتحدث عن “الانتشار” و”التأثير”، وهما مفهومان كبيران لا يمكن اختزالهما بسهولة في رقم واحد. فالانتشار قد يعني عدد الاستشهادات المسجلة داخل قاعدة بيانات، وقد يعني الحضور الفعلي للمجلة في الحقل العلمي، وقد يعني التداول الحقيقي بين الباحثين والطلاب وصناع المعرفة. والسؤال هنا ليس لغويًا، بل منهجيًا: أي هذه المعاني هو المقصود فعلًا؟
الإشكال يبدأ حين نصطدم بقوائم الترتيب. إذ تظهر مجلات حديثة النشأة، تصدر عن كليات إقليمية أو وحدات بحثية محدودة التداول، متقدمة في الترتيب على مجلات راسخة ذات تاريخ طويل وحضور عربي ممتد. هنا لا نتحدث عن تفضيل قديم على جديد، ولا عن تقليل من شأن تجارب جامعية ناشئة، بل عن مفارقة يصعب تجاهلها.
خذ مثلًا مجلة السياسة الدولية الصادرة عن مؤسسة الأهرام. هذه مجلة لا تحتاج إلى تعريف داخل حقل العلوم السياسية. على مدى عقود، شكلت أحد المصادر الأساسية للتحليل السياسي في العالم العربي، ودخلت قاعات الجامعات، وحضرت في الرسائل العلمية، واستدعيت في النقاشات الأكاديمية ومراكز التفكير. من حيث القراءة والتأثير الفعلي، هي من أكثر المجلات العربية حضورًا في تخصصها.
ومع ذلك، تظهر متأخرة في الترتيب، خلف مجلات تصدر عن كليات علوم سياسية في جامعات إقليمية، بعضها حديث العهد، وبعضها محدود التداول خارج نطاقه المؤسسي. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: لماذا تأخرت هذه المجلة تحديدًا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يُقاس “الانتشار” أصلًا؟
هل يقاس بما هو مفهرس فقط؟ بما يدخل قاعدة البيانات؟ بما يستوفي شروطًا تقنية معينة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فنحن لا نقيس الانتشار العلمي بقدر ما نقيس قابلية المجلة للاندماج في نظام القياس نفسه. وهو فرق جوهري، لأن ما يقرأ على نطاق واسع لا يكون بالضرورة هو الأكثر تسجيلًا داخل قواعد البيانات.
فبعض المجلات، بحكم طبيعتها أو جمهورها أو موقعها بين البحث الأكاديمي والتحليل العام، قد لا تتحرك داخل الدوائر الضيقة، لكنها تملك تأثيرًا حقيقيًا لا يمكن إنكاره. تأثير يقاس بالحضور في النقاشات، وبالاستدعاء في التحليل، وبالرسوخ في الوعي الأكاديمي، لا بعدد مرات الإشارة الرقمية وحده.
المفارقة أن المنهج، حين يضيق، يبدأ في إنتاج تحيز غير مقصود. تحيز لا لصالح الجودة العلمية بالضرورة، بل لصالح من يتقن التعامل مع آليات الفهرسة وشبكات الاستشهاد. مجلات تعرف كيف تسجل وتُستشهد داخل دوائر مغلقة، فتبدو “أعلى تأثيرًا”، بينما هي في الواقع أكثر توافقًا مع نظام القياس، لا أكثر حضورًا في المجال العلمي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، الذي لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام قياس للتأثير العلمي الحقيقي، أم أمام قياس لنمط معين من السلوك النشري؟
هذا السؤال لا ينتقص من قيمة أي مشروع قياس، بل يفترض حسن النية، ويطالب بمزيد من الشفافية والاتساع المنهجي.
لأن أي مؤشر علمي، إذا أراد المصداقية، يجب أن يكون قادرا على تفسير نتائجه حين تتعارض مع المنطق العام للتخصص. فإذا عجز عن ذلك، تحول من أداة مساعدة إلى سلطة صامتة، والعلم بطبيعته لا يحتمل السلطات الصامتة.
ربما نحتاج إلى مقاربة أوسع لمفهوم “التأثير”، تعترف بأن بعض المجلات تؤثر لأنها تقرأ وتناقش، لا لأنها تُحصى فقط. فليس كل ما لا يدخل الجداول خارج التاريخ العلمي، كما أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، تظل جزءًا من الصورة، لا الصورة كلها.
في النهاية، ليست المشكلة في وجود المؤشرات، بل في التعامل معها كأنها الحقيقة كاملة. فمن حق أي باحث، وأي قارئ، أن يسأل: ماذا نقيس؟ وكيف؟ ولماذا؟
أسئلة بسيطة، لكنها وحدها التي تحفظ للعلم والعمل الجاد روحهما.