القدس في عين العاصفة.. بين نفخ البوق والحفريات تحت الأقصى هل اقترب الخطر؟

في زمن تضج فيه المنطقة بالحروب، وتترنح فيه القيم أمام المصالح، تتقدم إسرائيل بخطى ثابتة نحو تنفيذ أخطر مخططاتها: تغيير هوية القدس، وتقسيم أو هدم المسجد الأقصى، وبناء ما يُسمى بالهيكل الثالث فوق أنقاضه.
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو تتويج لسياسات استيطانية ودينية وأمنية وعقائدية تعمل بشكل متوازٍ وممنهج، مستغلة الانشغال العالمي، والانقسام الفلسطيني، والصمت العربي، والدعم الأمريكي غير المحدود.
وفي قلب هذا المشهد، برزا خلال الأسابيع القليلة الماضية حدثان يمثلان قفزة نوعية في مشروع تهويد المدينة المقدسة.
نفخ البوق “الشوفار” داخل المسجد الأقصى:
في أواخر أغسطس 2025، اقتحم مستوطنون متطرفون باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن ما جعل هذا الاقتحام مختلفاً عن سابقيه هو ظهور أحد المتطرفين وهو ينفخ في بوق “الشوفار” داخل الحرم القدسي، في مشهد صادم ومقصود موثق بالصوت والصورة.
في المعتقدات التوراتية، يُستخدم هذا البوق للإعلان عن بداية “زمن جديد” أو “نصر مقدس”، لكنه داخل الأقصى يحمل دلالة أخطر، إذ يمثل إعلاناً رمزياً ببدء “الزمن اليهودي” وفرض السيطرة العقائدية على المسجد المبارك.
وقد علّق الباحث المتخصص في شؤون القدس زياد ابحيص قائلاً: “النفخ في الشوفار داخل الأقصى هو إعلان انتهاء الزمن الإسلامي في المكان، وبدء مرحلة الهيكل الثالث كزمن عقائدي لليهود.” ما كان يُعتبر سابقاً تهديداً نظرياً بات الآن يُمارس عملياً.
افتتاح “طريق الحُجّاج” اليهود تحت الأرض بمشاركة أمريكية:
بالتزامن مع تصاعد العدوان على غزة والضفة، افتتحت سلطات الاحتلال مشروعاً أثرياً أطلقت عليه اسم “طريق الحُجّاج”، وهو نفق يُزعم أنه استخدم قديماً للوصول إلى “الهيكل”، ويمتد من بلدة سلوان إلى ساحة البراق، مروراً بمحاذاة وربما أسفل الأقصى.
المثير أن هذا الافتتاح جرى بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في إشارة إلى دعم سياسي علني وواضح من واشنطن لمشروع التهويد.
وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح: “القدس ستبقى عاصمة موحدة لإسرائيل، ولن تُقسم مجدداً.”
هذه الرسائل ليست رمزية فحسب، بل تؤكد نية الاحتلال في فرض سيادة كاملة دينية وأثرية وسياسية على القدس القديمة، بما فيها المسجد الأقصى.
القدس في قلب معركة غزة والضفة، ما يجري في القدس لا يمكن فصله عن العدوان المستمر على غزة، الذي دخل عامه الثاني وأدى إلى استشهاد عشرات الآلاف وإصابة مئات الآلاف وتهجير السكان، إضافة إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية.
وفي الضفة الغربية، تُسجَّل أعلى معدلات الاعتقالات وهدم المنازل والاقتحامات الميدانية، وتتسارع عمليات التهجير والاستيطان.
يستخدم الاحتلال غزة كغطاء ناري، والضفة كمسرح أمني، والقدس كجائزة نهائية في معركة السيطرة الشاملة.
بينما تُباد غزة بالسلاح، تُغتصب القدس بالرمز.
السوابق التهويدية: خطوات محسوبة منذ عقود.
(*) اقتحامات يومية للأقصى وتحويل باحاته إلى مسرح طقوس يهودية.
(*) فرض التقسيم الزماني تمهيداً للتقسيم المكاني. حفريات تهدد أساسات المسجد وتطمس الآثار الإسلامية.
(*) تضييق على الكنائس وفرض ضرائب على أملاكها لتغيير التوازن الديني في المدينة. تشريعات في الكنيست لفرض “السيادة الإسرائيلية” على الحرم القدسي..
أين اليونسكو والمجتمع الدولي؟:
رغم أن مدينة القدس القديمة مُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر في منظمة اليونسكو، لم يصدر عن المنظمة أي تحرك حقيقي مؤثر في السنوات الأخيرة.
أما الأمم المتحدة، فقد أصبحت أقرب إلى هيئة إصدار بيانات لا تُقرأ وقرارات لا تُنفذ.
والاتحاد الأوروبي لا يزال أسير الحسابات الاقتصادية والسياسية، يكتفي بالتعبير عن “القلق” بينما تُرتكب جرائم موثقة.
أما مجلس الأمن الدولي فبات رهينة للفيتو الأمريكي الذي شل كل المحاولات لمحاسبة إسرائيل على جرائمها.
استغلال اللحظة الجيوسياسية
تضرب إسرائيل اليوم، وهي تدرك:
(*) انشغال العالم بأزمات أوكرانيا وتايوان والطاقة.
(*) إنهاك العالم العربي وانقسامه.
(*) انشغال الأنظمة بالبقاء، ومعاناة الشعوب من الأزمات.
(*) حصار الفلسطينيين في غزة، ومطاردة أهل الضفة، وتهديد المقدسيين.
التوصيات: ما العمل؟
(-) دولياً، كالتالي:
1. دعوة اليونسكو لإرسال لجنة تحقيق ميدانية عاجلة حول الحفريات والتعديات في محيط الأقصى.
2. تقديم ملف القدس لمحكمة العدل الدولية باعتباره انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي.
3. الضغط على الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على مسؤولي الاحتلال المشاركين في مشاريع التهويد.
4. تفعيل آليات المساءلة داخل مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
5. تدويل قضية القدس عبر جبهة قانونية وإعلامية موحدة.
(-) عربياً وإسلامياً. كالتالي:
1. تمكين الأردن والوقف الإسلامي من ممارسة صلاحياتهم دون عرقلة إسرائيلية.
2. عقد قمة عربية إسلامية استثنائية لإقرار خطة حماية فاعلة للقدس.
3. تفعيل لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي ودعم تحركاتها دبلوماسياً وميدانياً.
4. إنشاء صندوق عربي إسلامي لحماية المقدسات وتمويل التوثيق والتقاضي الدولي.
(-) إعلامياً وثقافياً، كالتالي:
1. إطلاق حملات إعلامية دولية متعددة اللغات عبر وسائل التواصل والمنصات العالمية.
2. إنتاج أفلام وثائقية ومواد مرئية تكشف انتهاكات الاحتلال بحق القدس.
3. دعم الإعلاميين المقدسيين وحمايتهم من الاستهداف والملاحقة.
(-) شعبياً ومجتمعياً. كالتالي:
1. تحرك الجاليات المسلمة والمسيحية في الغرب لتنظيم مظاهرات ضاغطة.
2. مخاطبة البرلمانات العالمية عبر حملات ضغط مدروسة.
3. إشراك النخب الثقافية والدينية والفنية في معركة الوعي والدفاع عن القدس.
الخطر نداء من قلب القدس:
يا أمة الإسلام، يا صوت الضمير الحي، القدس تناديكم، والأقصى يستغيث، وغزة تحترق، والضفة تنزف.
العدو لا يكتفي بقتل الجسد، بل يذبح التاريخ ويمزق الهوية ويغتال المقدسات.
من فوق الأرض إلى ما تحتها، من اقتحامات الشوارع إلى نفخ الأبواق، من الحفريات التي تهدد الأقصى إلى الأنفاق التي تزعم طريق “الهيكل”، كل شيء يسير نحو فرض واقع جديد لا مكان فيه لهوية عربية أو روح إسلامية.
فهل نبقى صامتين؟ وهل نكتفي بالبكاء على الأطلال؟
أما آن للأصوات أن تعلو وللأقلام أن تكتب وللشعوب أن تتحرك؟
القدس ليست مدينة كغيرها، هي مفتاح السماء وقبلة الأرواح وميدان المعارك الكبرى بين الحق والباطل. منها ابتدأ الإسراء، وإليها يعود الأمل، وعلى ترابها يلتقي نور النبوة بسيف العدل.
اعلموا أن الهجمة اليوم ليست عابرة، إنها زلزال يستهدف العقيدة والتاريخ والمقدسات ويهدد بهدم الأقصى تحت “أحلام الهيكل” الكاذبة.
فتحركوا قبل أن يُقسّم، واصرخوا قبل أن يُدنّس، وانتفضوا قبل أن يُهدم. فما بقي من الكرامة شيء إن ضاعت القدس، وما نفع البيانات إن هُدم الأذان وغابت القبة وتحوّلت أولى القبلتين إلى أطلال.
القدس لا تنادي بقرار، بل بالثبات. لا تطلب الشجب، بل الرد. لا تبكي على الماضي، بل تنتظر من يصنع المستقبل. وإن لم نكن نحن، فمن؟ وإن لم يكن الآن، فمتى؟