لماذا فشل كل مبعوث أممي في وقف انهيار الدول العربية؟

من يتأمل تسلسل الأحداث الكبرى التي عصفت بالعالم العربي منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى السنوات الأخيرة، سيجد خيطاً خفياً لكنه شديد الوضوح يربط بين كل هذه المحطات المدمّرة: المبعوث الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة، ومشروعات “التحول الديمقراطي” و”إعادة بناء الدولة”. دخل مبعوثون إلى العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، ولبنان، لكنهم لم يخرجوا بشيء سوى الأنقاض. فلماذا لم ينجح مبعوث واحد في تحقيق مهمة “السلام”؟ ولماذا تُركت جيوش العرب تنهار باسم “الإصلاح السياسي”؟ وهل كان هؤلاء المبعوثون أبرياء أم جزءاً من خطة كبرى لإعادة تفكيك المنطقة لصالح مشروع دولي–صهيوني؟

 بول بريمر وحل الجيش العراقي الشرارة الأولى لانهيا الأمة:

حين عيّنت أمريكا بول بريمر حاكماً مدنياً للعراق بعد غزوه، لم تكن مهمته إصلاح النظام أو إحلال الديمقراطية كما زُعِم، بل كانت أولى قراراته حلّ الجيش العراقي.

(*) أكثر من 350–400 ألف جندي وضابط تم تسريحهم في يوم واحد.

(*) أُفرغت الدولة من ذراعها الضاربة.

(*) تحوّل الفراغ إلى حاضنة للإرهاب والطائفية والانقسام.

لقد تم تفكيك المؤسسة العسكرية التي كانت يوماً من أقوى جيوش العرب، وبدأ الانحدار الفعلي للدولة العراقية التي أصبحت ساحة مفتوحة لكل اللاعبين: إيران، أمريكا، داعش، وكل طامع في النفوذ.

 سوريا والقرار 2254

في سوريا، جاء السيناريو بشكل مختلف لكنه بالنتيجة نفسها: بعد سنوات من الحرب الأهلية، والاستنزاف الممنهج، والدعم الخارجي لجماعات متطرفة، وسكوت دولي على الكارثة، انهك الجيش السوري وتآكلت مؤسسات الدولة.

(*) الجيش السوري، الذي كان يعدّ ثاني أقوى الجيوش العربية، تعرض لانقسامات وانهاك شديد.

(*) قُتل مئات الآلاف وتشرد الملايين، وتحولت البلاد إلى كانتونات عسكرية.

(*) صدر القرار 2254 عن مجلس الأمن في ديسمبر 2015، ونصّ على:

(*) وقف إطلاق النار في سوريا.

(*) تشكيل حكومة ذات تمثيل واسع خلال 6 أشهر.

(*) وضع دستور جديد خلال 12 شهراً.

(*) إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

لكن وعلى مدار سنوات، لم ينجح المبعوثون الأمميون المتعاقبون، وعلى رأسهم النرويجي غير بيدرسون، في تنفيذ أي من هذه البنود. تحوّل القرار إلى ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة دون تطبيق واقعي، والنتيجة أن سوريا لم تعد دولة موحدة ولا جيش موحد ولا قرار سيادي.

من اليمن إلى ليبيا إلى السودان أين ذهب المبعوثون؟

اليمن: تولى جمال بن عمر المهمة (2011–2015)، ثم إسماعيل ولد الشيخ، ثم مارتن غريفيث، وأخيراً هانس غروندبرغ. النتيجة: اليمن انهار وأصبح مرتعاً للحوثيين وتدخلات خارجية.

(-) ليبيا: جاء برناردينو ليون (2014–2015) ثم مارتن كوبلر وغسان سلامة ويان كوبيش وعبد الله باثيلي. النتيجة: حرب بالوكالة بين قوى أجنبية.

(-) السودان: كان المبعوث الأممي فولكر بيرتس (2021–2023)، لكنه فشل في منع الانقسام والحرب الأهلية.

(-) لبنان: شهد وجود مبعوثين مؤقتين مثل يان كوبيش (2019–2021)، دون أن يتحقق استقرار أو حلول حقيقية.

كل هؤلاء حملوا عناوين براقة: “الحوار الوطني”، “الانتقال السياسي”، “حل النزاع”. لكن النتيجة دائماً واحدة: لا حلول، لا استقرار، لا سلام.

 لماذا يُستهدف الجيش أولاً؟

هل من المصادفة أن المبعوثين الدوليين كانوا حاضرين أو صامتين عند تفكيك الجيوش الوطنية؟

(&) العراق بلا جيش = لا تهديد لإسرائيل.

(&) سوريا بلا جيش = جبهة الجولان آمنة.

(&) السودان بلا جيش موحد = لا خطر على منابع النيل.

(&) ليبيا بلا جيش = لا نفوذ عربي في شمال أفريقيا.

(&) اليمن بلا جيش = باب المندب مفتوح للقوى الأجنبية.

هذه ليست نتائج عرضية، بل سياسة ممنهجة تُنفَّذ تحت مظلة دولية وبأدوات سياسية على شكل “مبعوث” أو “بعثة مراقبة”.

خامساً: الأمم المتحدة وفشل متكرر:

الأمم المتحدة لم تحقق تسوية واحدة ناجحة في أي دولة عربية منذ 2003.

(-) المبعوثون يتغيرون والمآسي تبقى.

(-) القرارات تصدر ولا تُنفذ.

(-) المؤتمرات تُعقد والواقع ينهار.

لقد تحولت الأمم المتحدة إلى واجهة دولية لتمرير مشاريع الهيمنة ومنح غطاء شرعي لتدخلات أجنبية تمزق الدول من الداخل.

الخلاصة، العالم العربي يتعرض لمخطط ناعم وشرس في آن واحد، يستهدف تفكيك الدولة من بوابة المبعوث الأممي.

كلما فشلت الحرب المباشرة، جاء الحل عبر المسار السياسي. كلما استعصى السلاح، جاء القرار الأممي لينهي ما تبقى من السيادة. كلما بقي جيش عربي واقفاً، جاء من يفككه باسم الإصلاح.

التوصيات:

1. رفض أي خطة سياسية لا تضمن الحفاظ الكامل على الجيوش الوطنية.

2. المطالبة بمراجعة أداء كل مبعوث أممي فشل في مهمته، ومحاسبته إن ثبت الإضرار المتعمد.

3. تعزيز الإعلام العربي في كشف دور الأمم المتحدة في حماية مصالح القوى الكبرى.

4. قيام جامعة الدول العربية بإطلاق محور سيادي مستقل عن القرار الأممي.

5. تفعيل دور البرلمانات والأحزاب العربية في متابعة الأداء الأممي ورفض تمرير قرارات تكرّس الفوضى.

كفانا صمتاً أمام هذا المخطط. الوطن العربي ليس حقل تجارب للمبعوثين الدوليين، ولا ساحة فارغة تُرسم فيها خرائط جديدة بمقاسات إسرائيل وأمريكا. يجب أن يُقال بوضوح: لن نسمح بعد اليوم بحل جيش عربي واحد تحت أي ذريعة.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

‫3 تعليقات

  1. ربنا يحفظ مصر برجالها المخلصيين وصدقت فى نقاط التحليل للوضع الراهن انها الحقيقة الغائبة

  2. مقال عميق ويفضح خيوط لعبة كبرى استهدفت الجيوش العربية باسم “السلام”. لكن يبقى السؤال الأصعب: هل فشل المبعوثين وحده السبب، أم أن هشاشة البيت العربي هي ما جعلت التفكيك ممكناً؟

  3. الحمدلله والشكر لله اننا عندنا علماء يدرسون إسرائيل ويعلموا ما تفكر فيها وما تنوي عليها إسرائيل.
    ارجوا انتشار الوعي لتحقيق أهداف الإنتماء الحقيقي لتكون هناك تنمية مستدامة لرفع النمو الاقتصادي والاجتماعي الثقافي عن طريق التعليم الابتدائي والاساسي والثانوي
    ويكون هناك قناه إسمها ( الوعي ) قناه مصريه 100/100 لنقل الحقائق من مصدرها وتكون مرجع لابناء الوطن العربي كله.
    حفظ الله مصر وشعبها العظيم المبارك وأبناء الواجب الوطنى الأوفياء الاذكياء فى كل مكان فى العالم 🤲

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى