تحديات قائمة: هل يمكن إصلاح مجلس الأمن الدولي؟

هشام قدري أحمد، باحث في العلوم السياسيَّة
بينما تحتفي الأمم المتحدة هذا العام بالذكرى الثمانين لتأسيسها (1945- 2025)، فإن شعورًا عالميًا بالاستياء وعدم الرضا لا يزال يطبع مواقف حكومات الدول الأطراف والجهات الدولية الفاعلة إزاء الاخفاقات المُتجددة التي تواجه المنظمة الأممية وعجزها عن القيام بدورها الرئيس متمثلًا في حفظ السلم والأمن الدوليين ومعالجة بؤر النزاع في مناطق العالم المُختلفة. ولقد شكَّلت هذه الاخفاقات، على الدوام، حافزًا لإطلاق مبادرات ودعوات مستمرة، يرتد جذور بعضها إلى السنوات الأولى من نشأة المنظمة، بضرورة القيام بإصلاحات جذرية وشاملة بشأن أدوار الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة، ولاسيَّما مجلس الأمن، باعتباره الهيئة التنفيذية التي عهد إليها الميثاق بسُلطة حفظ السلم الدولي أو إعادته إلى نصابه، من خلال إعادة النظر في آلية اتخاذه للقرارات وتشكيله الحالي الذي لم يعد يعكس موازين القوى أو يتسق مع الحقائق الدولية المُتغيرة.
فمنذ تأسيسه قبل ثمانية عقود، لم يشهد مجلس الأمن أي تغييرات جوهرية باستثناء التعديل الوحيد الذي أقرته الجمعية العامة بأغلبية الثلثين في ديسمبر 1963، والذي قضى بزيادة مقاعد المجلس للأعضاء غير الدائمين من ستة إلى عشرة مقاعد، فيما لا تزال مسائل أخرى أكثر إلحاحًا وأهمية ثابتة بلا أي تغيير موضوعي أو شكلي حتى اليوم، تبرُز في مقدمتها مسألة توسيع العضوية الدائمة، ونظام التصويت، إضافة إلى مسألة حق الاعتراض (الفيتو).
والحديث عن إصلاح مجلس الأمن، كأحد شواغل المُجتمع الدولي، ليس جديدًا أو نتاجًا للإخفاقات الأخيرة، بل يعود إلى المُناقشات المُبكرة التي جرت على هامش مؤتمر تأسيس الأمم المُتحدة في سان فرانسيسكو خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 1945، عندما أعربت وفود الدول المتوسطة والصغيرة عن تخوفها ورفضها لمسألة منح الدول الكبرى، دون غيرها، العضوية الدائمة بالإضافة إلى حق الاعتراض، باعتبار أن ذلك يُمثل انتهاكًا لمفهوم المساواة بين الدول، ويكرس لهيمنة القوى الكبرى على آلية عمل المجلس واتخاذه للقرارات[1].
ممَ يتألف مجلس الأمن وكيف تُتخذ القرارات فيه؟
يتألف مجلس الأمن من خمسة عشر عضوًا، من بينهم خمسة دول دائمة العضوية أشار إليها ميثاق الأمم المتحدة نصًا في المادة 23، وتضم: فرنسا، الصين الشعبية، المملكة المُتحدة، روسيا الاتحادية- التي انتقل إليها مقعد الاتحاد السوفياتي السابق بعد انهياره باعتبارها الوريث الشرعي، إلى جانب الولايات المُتحدة الأمريكية، وهذه القوى الخمس هي التي خرجت منتصرةً من الحرب العالمية الثانية وكان لها دورًا كبيرًا في إلحاق الهزيمة بدول المحور (ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية، واليابان)، إضافة إلى عشرة أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المُتحدة كل سنتين، مع مراعاة أن الدولة التي تنتهي عضويتها لا يجوز إعادة انتخابها على الفور، كما اشترط الميثاق أيضًا مراعاة التوزيع الجغرافي العادل عند انتخاب الأعضاء غير الدائمين، ومنذ عام 1965 أصبح انتخاب الدول غير الدائمة يتم وفقًا للتوزيع الآتي: خمسة دول من آسيا وإفريقيا، دولتان من أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، دولة واحدة من أوروبا الشرقية، ودولتان من أوروبا الغربية والدول الأخرى.

شكل-1: يوضح تشكيل مجلس الأمن: خمس دول دائمة العضوية بالإضافة إلى عشرة أعضاء غير دائمين يتم انتخابهم كل سنتين من قبل الجمعية العامة. (المصدر: الشكل من إعداد وتصميم الباحث)
ويستمد مجلس الأمن أهميته من كونه الذراع التنفيذي للأمم المُتحدة المكلف بحفظ السلم والأمن الدوليين، ومن ثمّ يتعين على حكومات الدول الأطراف في المنظمة الأممية الإذعان لقراراته باعتبارها ملزمة لها، وقد عهد الميثاق إلى مجلس الأمن في سبيل اضطلاعه بمسئولياته في صون السلم الدولي باختصاصات وسُلطات واسعة؛ فللمجلس سُلطة فحص أي نزاع أو موقف من شأن استمراراه أن يعرض الأمن الدولي للخطر، وله أن يدعو أطراف النزاع إلى تسوية خلافاتهم بإحدى وسائل التسوية السلمية للمُنازعات، كالمفاوضات، أو الوساطة، أو القضاء، وغيرها. كما أن لمجلس الأمن، بموجب أحكام الفصل السابع من الميثاق، أن يتخذ ما يراه مناسبًا من التدابير في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو وقوع عمل من أعمال العدوان، وتتدرج هذه التدابير حسب طبيعة الموقف أو تطور النزاع، بدءًا بالتدابير المؤقتة، ثم التدابير غير العسكرية كالإجراءات العقابية التي لا تنطوي على استخدام القوة، وصولًا إلى التدابير العسكرية التي تنطوي على استخدام فعلي للقوة المُسلحة بغرض رد العدوان وإعادة الأمن إلى نصابه، ومن أمثلة القرارات التي فوَّض فيها مجلس الأمن باستخدام القوة العسكرية القرار 678 الذي أعتمده المجلس في نوفمبر 1990 والذي دعا فيه إلى استخدام كل التدابير اللازمة لحمل العراق على سحب قواته وإنهاء احتلاله للكويت دون قيدٍ أو شرط.
أما بالنسبة لنظام التصويت واتخاذ القرارات، فنجد أن المجلس يُميز بين نوعين من المسائل، يُشار إلى النوع الأول بالمسائل الإجرائية وهي التي يتخذ المجلس قراراته بشأنها بموافقة تسعة من أعضائه، ويستوي في ذلك أن يكونوا من الأعضاء الدائمين أو الدول الأخرى غير الدائمة، كالمسائل المتعلقة بإنشاء فروع ثانوية للمجلس أو دعوة إحدى الدول، من داخل المنظمة الأممية أو خارجها، للمشاركة في مناقشات المجلس دون تصويت[2]، أما النوع الثاني فيُعرف بالمسائل الموضوعية وهي التي يتخذ مجلس الأمن قراراته بشأنها بموافقة تسعة من أعضائه شريطة أن يكون من بينهم أصوات الدول الخمس دائمة العضوية مجتمعة، وهو ما يعني أن اعتراض إحدى الدول الخمس واستخدامها لحق الفيتو يجعل مشروع القرار الذي يناقشه المجلس لاغيًا ولا يُمكن اعتماده.
لماذا يُعد إصلاح مجلس الأمن ضرورةً ملحةً؟
مُنذ انتهاء الحرب الباردة وزوال مرحلة الاستقطاب الدولي، تزايدت قناعة المُجتمع الدولي بأهمية إصلاح الأمم المُتحدة بصفة عامة، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، من أجل التكيف مع التغيرات والتحولات الهيكلية التي مرَّ بها النظام الدولي، ومن هنا شهدت الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة سيولةً في المشاريع والمقترحات، المقدمة من قبل الأمم المتحدة نفسها أو الدول الأطراف فيها، والتي تنطوي على الأسس والحلول التي يُمكن من خلالها مُعالجة نواحي القصور والخلل التي يُعاني مجلس الأمن منها.
وتنبثق ضرورات إصلاح مجلس الأمن، في ظل الأوضاع الدولية الراهنة، من عدة مبررات، يتمثل أهمها فيما يلي:
أولًا- إن مخرجات مجلس الأمن، متمثلة في قرارته، لا تعبر عن إرادة المُجتمع الدولي ولا تراعي مصالح الشعوب، فأداء المجلس في معالجته للأزمات الدولية يطغى عليه الانتقائية والازدواجية في المعايير، ويرجع ذلك بالأساس إلى هيمنة القوى الكبرى وامتلاكها لحق الفيتو الذي تستخدمه لتأمين مصالحها وتوفير الحماية لنفسها وحلفائها في أي نزاع تكون طرفًا فيه، ويظهر ذلك جليًا في العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة مُنذ أكتوبر 2023، والغزو الروسي لأوكرانيا مُنذ فبراير 2022، إذ لم يستطع المجلس، رغم ما يُشكله استمرار هذين العدوانين من تهديد للسلم والأمن الدوليين، من اتخاذ أي خطواتٍ لوقف الأعمال العسكرية بسبب الفيتو الروسي والأمريكي، الأمر الذي أفقد المجلس جزءًا كبيرًا من مصداقيته[3].
ثانيًا- لم تعد تركيبة مجلس الأمن وبنيته الحالية، والتي هي نتاج الظروف والأوضاع السياسية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، تعكس موازين القوى على أرض الواقع؛ حيث شهد النظام الدولي صعود قوى جديدة تعتريها الرغبة في أن يكون لها دورًا فاعلًا أسوةً بالدول الكبرى دائمة العضوية، كاليابان والهند وألمانيا والبرازيل. فمن الناحية العسكرية، كانت القوى الخمس الدائمة تحتكر الأسلحة النووية، بينما اليوم تمتلكها دول أخرى، كالهند وباكستان وكوريا الشمالية، وعلى الصعيد الاقتصادي، أرتقت اليابان وألمانيا إلى المركزين الثالث والرابع خلف الولايات المتحدة والصين الشعبية، فيما تراجعت فرنسا وبريطانيا العظمى اقتصاديًا بصورة كبيرة، أما روسيا فهي متخلفة عن دول أخرى كالهند وإيطاليا والبرازيل وكندا، وبالتالي، فإن أية مبررات عسكرية أو اقتصادية لعضوية الدول الخمس الدائمة، والتي ربما كانت منطقيةً خلال الحرب الباردة، لم تعد اليوم تتسق مع حقائق النظام الدولي الراهن[4].
ومن ناحيةٍ أخرى، لم يعد نظام التمثيل الحالي لمجلس الأمن يواكب التوسع الأفقي في عضوية الأمم المُتحدة، فإذا عدنا إلى بداية نشأة الأمم المتحدة، لوجدنا أن عدد الدول الأعضاء في المنظمة بلغ 51 دولةً، من بينهم 11 عضوًا في مجلس الأمن، أي بنسبة 22 في المائة من مجموع الأعضاء، أما اليوم، وقد وصلت عضوية المُنظمة إلى 193 دولةً، فإن المقاعد المُخصصة لمجلس الأمن هي 15 مقعدًا فقط، أي بنسبة 7,7 في المائة، مما يعكس اختلالًا شديدًا بين عضوية المنظمة وتشكيل المجلس.
ثالثًا- ليس هناك أي مقاعد دائمة مخصصة لإفريقيا أو أمريكا الجنوبية لتمثيل مصالح دول العالم الثالث والدفاع عنها، على الرغم من وجود عدة دول في هاتين القارتين، تبدو مؤهلةً بحكم امكاناتها الاقتصادية والبشرية لشغل مقعد دائم في المجلس[5]. فليس من المقبول أن قارة مثل إفريقيا والتي يبلغ عدد سكانها ضعف قارة أوروبا غير ممثلة بعضو دائم، في حين أن هذه الأخيرة ممثلة بعضوين دائمين، هما فرنسا والمملكة المتحدة.
رابعًا- إن بنية مجلس الأمن بهذه الصورة تعكس تفاوتًا كبيرًا من حيث الدور والسُلطة بين القوى الخمس الدائمة العضوية والأعضاء غير الدائمين. ولقد عبَّر عن هذا الأمر «كيشور محبوباني Kishore Mahbubani»، المُمثل الدائم السابق لسنغافورة في الأمم المتحدة، بقوله إن ميثاق المُنظمة قد منح الدول العشر غير الدائمة في مجلس الأمن مسؤولية دون سُلطة[6].
خامسًا- لم تعد التحديات والأزمات الدولية التي كانت سائدةً بالأمس وقت تأسيس مجلس الأمن هي نفسها التحديات التي تواجه عالم اليوم أو الغد. فالحروب بين الدول لم تعد هي المصدر الوحيد أو الرئيس للتهديد، فلقد أصبحت الصراعات الأهلية، والمجاعات، وتلوث البيئة، وانتشار الأوبئة الفتاكة، وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة، والاحتباس الحراري وتسرب الاشعاع النووي، تُماثل أو تفوق في خطورتها الصراعات العسكرية الدولية من ناحية تأثيرها على السلم الدولي، إلا أن ميثاق الأمم المتحدة لم يخوٍّل مجلس الأمن سُلطة اتخاذ قرارات ملزمة إلا في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو وقوع العدوان[7].
سادسًا- لم يعد خافيًا تسييس القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، بمعنى خضوعها للاعتبارات السياسية بما يتوافق مع رغبات الدول الكبرى ويخدم مصالحها بالدرجة الأولى، الأمر الذي يستدعي ضرورة النظر في آلية عمل المجلس واتخاذ القرارات. وقد تجلى هذا الأمر بصورةٍ واضحة في القرارات التي أعتمدها المجلس بضغط من الولايات المتحدة في أعقاب غزوها العسكري للعراق عام 2003، ومن بينها القرار 1483 الذي دعا الدول إلى التعامل مع العراق من خلال سُلطة الاحتلال، حيث جاء فيه: إذ يُسلم مجلس الأمن بالصلاحيات والمسئوليات والالتزامات المُحددة للولايات المتحدة وبريطانيا العُظمى بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال تحت قيادة موحدة وهي السُلطة[8]، وبالتالي أقرَّ ضمنًا بشرعية الاحتلال من خلال وصف الولايات المُتحدة وبريطانيا بالدولتين القائمتين بالاحتلال، واستبدال تعبير الاحتلال بكلمة مختصرة (السُلطة)، قبل أن يصدر مجلس الأمن القرار 1511 في أكتوبر من العام نفسه، الذي استبدل فيه قوات الاحتلال بتسمية أخرى وهي قوات متعددة الجنسيات[9].
وأخيرًا، فإن التعسف والإفراط الشديدين في استخدام حق الفيتو من قبل القوى الخمس دائمة العضوية بهدف حماية مصالحها وتوفير الحماية السياسية لحلفائها أو الأنظمة العميلة لها، قد حال دون إمكانية اضطلاع المجلس بدوره في مُعالجة الكثير من قضايا النزاع، الأمر الذي يستوجب ضرورة إصلاح هذا الجانب في عملية التصويت واتخاذ القرارات من أجل زيادة فعالية المجلس وتعزيز قدرته على الاستجابة سريعًا لمُهددات السلم والأمن الدوليين، ومن هنا كانت هناك دعوات لإسقاط حق الفيتو وإلغاءه بالكامل أو تقييده جزئيًا من خلال حظر استعماله في حالات الإبادات الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان كما يجري اليوم في غزة.
أي تحدياتٍ تعترض إصلاح مجلس الأمن في الوقت الراهن؟
نشير بدايةً إلى أن الأمم المتحدة تشترط في ميثاقها لاعتماد أي تغييرات بشأن نظام التمثيل أو آلية اتخاذ القرارات في أجهزتها الرئيسية، بما في ذلك مجلس الأمن، موافقة أغلبية ثلثي أعضاء الأمم المتحدة اتساقًا مع قاعدة أغلبية الثلثين التي أقرتها المادة 18/2 فيما يتعلق باتخاذ القرارات المُهمة، شريطة أن يكون من بينهم أصوات الدول الخمس دائمة العضوية مجتمعة، ومن ثمّ، فإن أي مبادرة لإصلاح مجلس الأمن ينبغي أن تحظى بإجماع وتوافق القوى الخمس الدائمة؛ حيث إن لجوء أي منها إلى استخدام حق الفيتو سيُقوض أي محاولة أو فرصة حقيقية للإصلاح.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن الدول الخمس دائمة العضوية لم تبد اعتراضًا صريحًا إزاء توسعة مجلس الأمن، فالمملكة المتحدة وفرنسا تؤيدان فكرة أن يكون مجلس الأمن الدولي أكثر تمثيلًا، ولكنهما- شأنهما في ذلك شأن حليفتيهما الولايات المُتحدة- تحذران من المساس بفعالية المجلس، ومن جانبها أيدت روسيا توسيع المجلس، لكنها شدَّدت على أن مثل هذه الإصلاحات لا ينبغي أن تقوض قدرة المجلس على الاستجابة للتحديات بفعالية وكفاءة، وتتخذ موسكو موقفًا مفاده أن توسيع المجلس ينبغي ألا يتجاوز حدًا معينًا، أما الصين فقد أعرَّبت عن دعمها لزيادة تمثيل البلدان النامية في مجلس الأمن، وخاصة الدول الإفريقية[10].
ومع ذلك، لا ينبغي أن يؤخذ هذا الموقف من جانب الدول الكبرى بإيجابية مفرطة، فليس من المتوقع أن تبدي هذه الدول مرونةً أو استجابةً ملموسةً إزاء أي إصلاحات عميقة لمجلس الأمن، قد يترتب عليها تجريدها من حق النقض أو ينتقص من مركزها المُتميز في الأمم المُتحدة. ولعل السبب الرئيس في ذلك يرجع إلى أن الدول المرشحة لنيل المقاعد «الجديدة» الدائمة في مجلس الأمن، استنادًا إلى مشروعات الإصلاح التي قُدمت للأمم المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية، هي تلك الدول التي يُشار إليها اختصارًا بـ «مجوعة الدول الأربع» التي تتمتع باقتصاديات كبيرة وقوة ديمغرافية ولديها القدرة على المساهمة في ميزانية الأمم المتحدة وأنشطتها المختلفة بحصة كبيرة، وتضم كلًا من ألمانيا، واليابان، والهند، إضافة إلى البرازيل، ولا شك أن انتزاع واحدة من هذه البلدان أو كلها للعضوية الدائمة سيُقوض توازنات القوى داخل المجلس؛ فبالنسبة لطوكيو وبرلين، فإن منحهما مقعدين دائمين سيضر كثيرًا بموقف موسكو باعتبارهما حليفين استراتيجيين لواشنطن، أما نيودلهي فقد يُثير انضمامها قلق بكين، بالنظر إلى العداء التاريخي والتنافس الجيوسياسي بين البلدين في جنوب آسيا، ومن جانبها قد لا ترحب باريس بوجود برلين كعضو دائم بجوارها على طاولة المجلس، على الرغم من دعمها لمشروع مجموعة الدول الأربع؛ إذ سيؤثر ذلك على مركزها القيادي في الاتحاد الأوروبي، وهي التي تنظر إلى مقعدها الدائم في مجلس الأمن، فضلاً عن حيازتها للسلاح النووي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لقوتها على المسرح الدولي، وتعويضًا لها عن تأخرها الاقتصادي أمام ألمانيا.
في الختام، يُمكن القول إن إصلاح مجلس الأمن لا يُمثل فكرةً طوباوية أو طرحًا بعيدًا عن حدود الواقع، لكن نجاح أي فرصة للإصلاح يظل رهنًا بإرادة القوى الكبرى والإطار الذي ستسير فيه العلاقات الدولية مستقبلًا، ورهنًا أيضًا بتدارك الأقطاب الدولية الوازنة لأهمية إصلاح الأمم المُتحدة وأجهزتها، ولاسيَّما مجلس الأمن، من منطلق أن هذا الإصلاح يُمثل ضرورةً ملحة تقتضيها التغيرات والتهديدات الراهنة، ليس فقط لتعظيم دور المُنظمة الأممية وجعلها هيئة أكثر فعالية في مواجهة تلك التهديدات القائمة أو المُستجدة، بل لتمكينها من استعادة مصداقيتها أمام المُجتمع الدولي، وإلا فإنها ستلقى مصير سابقتها «عصبة الأمم».
____________________________________المصادر__________________________-
[1] هشام قدري أحمد، الدائمون الخمسة: مجلس الأمن بين هيمنة القوى الكبرى وفرص الإصلاح (القاهرة، دار الفجر للنشر والتوزيع، 2025)، ص132.
[2] هشام قدري أحمد، العلاقات الدولية: موضوعات وقضايا مُختارة (الإسكندرية، مكتبة الوفاء القانونية، 2024)، ص125- 126.
[3] هشام قدري، الدائمون الخمسة، مرجع سابق، ص134.
[4] Michael J. Kelly, United Nations Security Council Permanent Membership and the Veto Problem, Case Western Reserve Journal of International Law, Vol. 52, Iss.1, 2020, P. 107- 108.
[5] باتريسيو نولاسكو، وآخران، الأمم المتحدة: الشرعية الجائرة، ترجمة: فؤاد شاهين (سرت، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، 1995)، ص73- 74.
[6] Kjell Engelbrekt, Responsibility Shirking at the United Nations Security Council: Constraints, Frustrations, Remedies, Global Policy, University of Durham, Vol. 6, Iss. 4, November 2015, P. 371.
[7] أحمد الرشيدي وآخرون، الأمم المتحدة: ضرورات الإصلاح بعد نصف قرن- وجهة نظر عربيَّة (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1996)، ص165- 166.
[8] قرار مجلس الأمن 1483، الصادر في22/5/2003، في الوثيقة رقم: 1483 (2003)/RES/ S
[9] داود سلمان عبد، “مجلس الأمن أضفى الشرعية على احتلال العراق بعيدًا عن الفصل السابع”، مجلة آراء حول الخليج، العدد (129)، أبريل 2018، ص113.
[10]Bruce C. Rashkow, The united nations security council in the 21ST century: where are we now and where are we heading?, 2022, p. 439.