اتجاهات التزايد والتراجع في انتشار داعش بجغرافيا الإرهاب

إسراء قاسم- باحثة ببرنامج التحولات الداخلية
أصدرت منظمة الأمم المتحدة مؤخرا تقريرا يستعرض التهديد الذى يشكله تنظيم ( داعش ) الإرهابي على الأمن والسلم الدوليين, مؤكدة أن الخطر لا زال قائما, خاصة بعد الحصار الدولي الذى واجهه التنظيم الإرهابي كان يجب أن يبحث عن ملاذ أمن, فبدأ خطوة بخطوة يزحف نحو غرب إفريقيا ودول الساحل, وكان تقرير أخر قد أكد أن 48% من وفيات الأعمال الإرهابية كانت فى إفريقيا الفترة الماضية, خاصة فى ظل الصراعات العرقية والمحلية التى تواجهها هذه المنطقة, ما يجعلها بيئة خصبة لاستقطاب التنظيم والاستعداد لظهور جديد مستقبلا.
وأيضا أكد تقريرا لوزارة الخارجية الأمريكية، أن الجماعات الإرهابية كانت قد شنت هجمات ضد البنية التحتية في أفريقيا، والتى أدت إلى تدهور الأوضاع في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال عام 2022, بالإضافة إلى إعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن هجمات كرمان التي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 100 شخص يناير الماضي.
وفى ضوء ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى حدود انتشار تنظيم (داعش) الإرهابي، واحتمالات ظهوره في مناطق جديدة خلال الفترة المقبلة.
إفريقيا بوابة عودة داعش:

بعد أن أعلن التحالف الدولي القضاء على (داعش) في سوريا والعراق، مارس 2019 لم تتوقف الضربات من قبل التنظيم بشكل كامل, فقد عمل على تغيير الأيديولوجية العسكرية وقام التنظيم بخلق خلايا نائمة تنغمس فى المجتمع لنشر الفكر الإرهابي, فبعد الضربات المتتالية وتضييق الخناق على التنظيم ومحاصرته كان يجب أن يجد خطة بديلة لالتقاط أنفاسه والعودة من جديد، لذلك كان اختيار القارة الإفريقية، هو الأمثل بسبب إنها تعتبر بيئة خصبة بسبب الانقسامات والحروب, والتى تسببت فى أن تكون معقل يضم منظمات إرهابية عديدة لها نفس الأيديولوجية الفكرية, لذلك يعمل تنظيم (داعش) حاليا على أن يجد له مكانة فى إفريقيا والتى تعتبر بيئة مناسبة جدا بسبب هشاشة الوضع الأمنى والاضطراب المجتمعى والصراعات القبلية, وذلك عن طريق استقطاب الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وعن طريق المزايدة بحلم الخلافة, وأيضا لأنها منطقة تتمتع بثروات هائلة من النفط والمعادن مثل الذهب والألماس مما يجعلها مصدر أمان بالنسبة للجماعات المتطرفة. وقد أكدت منظمة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، أن ما يقرب من نصف الأعمال الإرهابية في جميع أنحاء العالم وقعت في القارة السمراء.
لماذا إفريقيا؟
(-) سلسلة الانقلابات التى شهدتها القارة الإفريقية فى السنوات الأخيرة، كانت عامل قوى جدا لاستقطاب التنظيمات الإرهابية التى باتت فى صراع الوصول إلى السيطرة الكاملة، خاصة تنظيمي ( داعش ) و( القاعدة ), فمنذ عام 2012 شهدت القارة 45 انقلابا عسكريا ومنذ عام 2020 حتى 2013 شهدت إفريقيا 18 محاولة انقلاب عسكري فى(مالي, وبوركينا فاسو, والسودان وغينيا, وتشاد, والنيجر والجابون), مما أحدث حالة من الفوضى العارمة و تراجع فى الوضع الاقتصادي والعسكري.
(-) كان للانسحاب الدولى وإنهاء الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب فى إفريقيا, خاصة انسحاب قوات حفظ السلام من مالى، أدى بطبيعة الحال إلى خلق حالة من الفراغ الأمني الذي يعزز دور المنظمات الإرهابية، التى تعتمد على تواضع قدرات بعض القوات العسكرية فى الدول الأفريقية, وأيضا إعلان قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الكونغو (مونوسكو) سحب قواتها من الدولة الواقعة في وسط إفريقيا بحلول نهاية عام 2024, سيؤدى للنتيجة ذاتها.
مؤثرات الجغرافيا:
على صعيد أخر وبسبب عدم استقرار الوضع الاقتصادي وانهيار البنية التحتية وتراجع التحالف الدولي وتدهور الوضع الأمني منذ عام 2011، لم ينتهي الإرهاب بصورة كاملة فى سوريا والعراق, حيث لا زال ( داعش) نشط إلى حد ما، حيث أعلن التنظيم فى عام 2022، مسؤوليته عن 279 هجوماً في سوريا و483 هجوماً في العراق, وهو ما يؤكد أن التنظيم لم تطوى صفحته بعد, كما أن التنظيم منذ 2019 حتى الآن يستخدم إستراتيجية جديدة عن طريق غرس المعتقدات والأفكار المتطرفة فى عقول الأطفال, خاصة فى مخيم ( الهول ) الذي يعتبر مقر لجيل جديد من التنظيم الإرهابي, والذى يضم ما يزيد عن 70 ألف شخصا-أي 90 بالمئة منهم أطفال ونساء بحسب تقديرات الأمم المتحدة, بالإضافة إلى أن الحكومة السورية حتى الآن لم تستطيع أن تسيطر بشكل كامل على الخلايا النائمة لتنظيم داعش فى المناطق الصحراوية والذى قرر تغيير خطته من المواجهة المباشرة إلى استراتيجية إنهاك الحكومات عن طريق حملات وعمليات إرهابية شأنها الإرباك والمراوغة, وقد ساعد عدم الاستقرار الأمنى فى سوريا أن تمتد أذرع التنظيم إلى العراق عن طريق العامل الجغرافي لجذب العديد من العناصر البشرية عبر محافظتي نينوى والأنبار وعبر الأنفاق السرية القديمة التى عن طريقا بيتم نقل العناصر البشرية إلى العراق وتنفيذ عمليات إرهابية.
التحرك تجاه آسيا:

بالحديث عن العمليات الإرهابية لا يمكن أن نغفل النشاط الذى يمارسة التنظيم فى أفغانستان التى تعانى حاليا من وجود حرب البقاء بين حركة ( طالبان ) وتنظيم ( داعش ) فبعد أن سحبت الولايات المتحدة جنودها من أفغانستان أغسطس 2021 كان لتنظيم داعش خطة لاستغلال هذا الفراغ ليدخل فى حرب مباشرة أمام حركة ( طالبان ), وكانت هناك محاولات ومواجهات دائمة مع الأخيرة منذ أن تأسس التنظيم عام 2015 فى أفغانستان لتثبيت أقدامها فى المنطقة عن طريق سلسلة هجمات من قبل ( داعش ).
وكان تقريرا للمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أفاد أن جماعة ( داعش خرسان) وهى ذراع التنظيم الإرهابي فى أفغانستان، وتعتبر أخطر تهديد إرهابي هناكو يقدر عدد مقاتليها بحوالي 4000 إلى 6000 مقاتل, ويتجاوز خطر ( داعش حراسان ) حدود أفغانستان بالطبع, فقد أعلن يناير الماضي مسؤوليته عن تفجيرات كرمان الأخيرة في إيران، والتى كان شأنها إرباك العلاقات بين طهران وكابول .
الخلاصة، بالنظر لما سبق وبعد قراءة المشهد، فمن الواضح أن تنظيم ( داعش ) الإرهابي يعمل على تغيير إستراتيجية المواجهة المباشرة عن طريق الاستفادة من الأوضاع الدولية غير المستقرة وعلى رأسهم حرب غزة التى بدأت 7 أكتوبر الماضي, مستغل بطبيعة الحال انشغال العالم بهذه القضية وعلى صعيد أخر يعمل على استعادة قوته وبناء صفوف جديدة عن طريق الإنترنت لنشر أيديولوجيته.