الصراع السعودي – الإيراني في البحرين واليمن بعد الثورات العربية.. (عرض رسالة ماجستير)

سارة عويس

غدت العلاقات السعودية – الإيرانية محل اهتمام عالمي متزايد نظرًا لتنامي الأهمية الاستراتيجية لهاتين الدولتين خلال العقود الماضية، وتعتبر منطقة الخليج العربي مسرحًا دائما لتفاعلاتهما. وعلى امتداد تاريخ العلاقات السعودية الإيرانية تباينت هذه العلاقات بين التعاون والصراع وفقًا للأحداث الداخلية لهاتين الدولتين، والأحداث الإقليمية المحيطة، وقد كانت العلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية تحدد نوع العلاقة بينهما، غير أن نجاح الثورة الخمينية في إيران عام 1979 م أدى إلي تحول في العلاقات، واتخذت طابع صراعي طائفي، باعتبار إيران دولة شيعية وتسعي إلى تصدير ثورتها إلى باقي العالم العربي والإسلامي.

 

الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي:

تعتبر منطقة الخليج العربي مسرحًا للتنافس على زعامته بين إيران والسعودية، إذ ترى كل منهما أن لها من مقومات القوة والنفوذ ما يبرر أن يعقد لها لواء الزعامة على الدائرة الخليجية، وفي واقع الأمر تعد منطقة الخليج العربي من أكثر المناطق في العالم التي تتمتع بأهمية استراتيجية كبرى نظرًا للمزايا الهائلة التي تحظي بها من موقع استراتيجي ومزايا اقتصادية وعسكرية وسياسية، ولذلك تشكل منطقة الخليج أهمية خاصة لعدد من الدول والقوى الطامحة لممارسة دور قيادي علي الساحة العالمية وفي صدارتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وتقع منطقة الخليج العربي في جنوب غرب آسيا وتبلغ مساحتها (2,648,000) كم. وتكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية كبري حيث تمثل حلقة الوصل بين الشرق والغرب، لأن أقصر الطرق كانت وما تزال تمر في هذه المنطقة التي تتوسط العالم القديم. فضلا عن احتوائها علي أكبر احتياطي للنفط في العالم، وكذلك علي نسبة كبيرة من احتياطي الغاز الطبيعي في العالم، وفيها أهم الموانئ ومحطات الوقود اللازمة لأساطيل الغرب وكذلك كثافة التواجد العسكري الأمريكي من خلال القواعد العسكرية.

كذلك تحتل منطقة الخليج موضع الصدارة في اهتمامات السعودية، حيث تمتد شواطئها علي مسافة 610 كم علي الخليج لتشكل (16%) من إجمالي سواحل الخليج، كما أن الإنتاج النفطي السعودي يقع بأكمله في المنطقة الشرقية المطلة علي سواحل الخليج (حوالي 300 مليار برميل). هكذا تحظي منطقة الخليج بأهمية خاصة لدي صانع قرار السياسة الخارجية السعودية، كما أن أمن المنطقة ودولها يؤثر مباشرة علي أمن المملكة.

ويذكر أن منطقة الخليج قد واجهت عدة تحديات أبرزها الثورة الإيرانية (1979 م)، الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988 م)، الغزو العراقي للكويت (1990 م)، حرب الخليج الثانية (1991 م)، وحرب الخليج الثالثة (2003)، وصولًا إلى ثورات الربيع العربي (2011 م) التي اعتبرتها إيران مستوحاة من ثورتها ساعية إلى تحقيق ما يطلق عليه “القوس الشيعي” انطلاقًا من العراق مرورًا بسوريا ولبنان وانتهاء إلى اليمن، خاصة وأن إيران دولة جوار جغرافي لدول الخليج. ولقد ساعد هذا الجوار على سهولة التنقل والتواصل بين ضفتي الخليج، ومن ثم أصبحت هناك امتدادات ديمغرافية وروابط اجتماعية بين الجانبين.

تطورات الصراع السعودي – الإيراني:

في الواقع، فإن الصراع بين السعودية وإيران من أجل بسط النفوذ على المنطقة ليس بالأمر الجديد، ولكن الجديد في ذلك أن عددًا من دول المنطقة أصبحت مسرحًا لهذا الصراع الذي تتعدد بواعثه، علمًا بأن الاجتياح الأمريكي للعراق عام (2003 م) وإسقاط نظام صدام، الذي كان يعد العدو اللدود لإيران، كان من العوامل التي ساهمت في تغذية الصراع السعودي – الإيراني، كما أنه بعد ثورات الربيع العربي وظهور التدخل الإيراني في منطقة الخليج وخاصة في البحرين واليمن، تحسبت المملكة من تكرار مأساة العراق إذ عضدت إيران وجودها علي الحدود الشمالية للمملكة بعد سقوط بغداد.

وبالنظر إلى التشابه إلي حد كبير في النسيج الاجتماعي والأنظمة السياسية في دول الخليج العربي وعليه فإن أي تحول أو تغير سياسي حاد في إحداها يمكن أن تنعكس مردوداته علي بقية المنظومة الخليجية، وهكذا نظر إلى الانتفاضة البحرينية علي أنها مصدر خطر لا يهدد الحكم في البحرين فحسب بل قد تمتد آثاره إلي أنظمة خليجية أخرى، لاسيما أن أكثرية مواطنيها الأصليين ينتمون إلي المذهب الشيعي.

ويضاف إلي هذا أن المملكة تعتبر الأكثر تأثرا بما يجري في البحرين، فالكتل البشرية في البلدين متقاربة من جهة المسافة والمكان والأكثر اقترابًا من جهة التماثل المذهبي والعائلي، فضلًا عن المشتركات السياسية التاريخية بين شرق السعودية (الأحساء والقطيف) والبحرين، ولعل واحدًا من أهم أسباب ما قامت به السعودية في البحرين لإخماد انتفاضتها عسكريًا يعود إلي الخشية من تأثر المناطق الشرقية السعودية بها، وتحفيز سكانها علي الثورة.

ويرى المحللون أن التدخلات الإيرانية في البحرين تعبر عن مشروع خطير للتمدد وفرض النفوذ، حيث أن خطورة هذا المشروع والذي يقنن التدخلات في الشأن الوطني تنبع من عدة أمور أبرزها يستند علي تصدير الثورة وحماية ما تسميه طهران (المستضعفين في الأرض)، ناهيك عن البعد الأيدولوجي والطائفي الذي تبرر به إيران منطق تدخلها في الإقليم ككل وفي البحرين خاصة.

وقد تزايدت أطماعها في أثناء الاحتجاجات التي رافقت رياح الثورات العربية في 2011، وتلك التظاهرات داخل البحرين كانت تطالب بالتغيير لكل من السلطة والدستور، وتطالب بنظام ملكي دستوري يستطيع فيه أبناء الشعب المشاركة في السلطة خاصة الشيعة الذين يمثلون الأغلبية العظمى من السكان، لذلك ذهبت السعودية إلي التدخل عسكريًا لوقف الحراك الشعبي في البحرين. ولقد دعمت طهران بقوة هذا الحراك مما استدعى التدخل السعودي في البحرين من خلال “درع الجزيرة”  وقد اعترضت إيران علي إرسال السعودية قوات عسكرية إلي البحرين، إلا أن موقفها لم يتجاوز كونه اعتراضًا فقط.

أما اليمن فقد تفجرت بها الثورة انطلاقًا من أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية هي نتاج تراكم سنين من الفقر والفوضى واختلال الموازين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأيضا اتساع رقعة الفساد، وعلو مفهوم المذهب وتدهور الأمن، كما أن النفوذ الإيراني في اليمن قد برز إلي العلن بدءًا من ثورة 11 فبراير 2011. حيث أنه منذ عام 2004م وحتي 2011 شاب العلاقات اليمنية الإيرانية نوع من الفتور والريبة، نتيجة للاتهامات اليمنية للحكومة الإيرانية بوقوفها وراء دعم جماعة الحوثي وظلت تلك الاتهامات دون أي إثبات مادي معلن إلى أن قامت الثورة اليمنية حيث ظهر جليا حقيقة النفوذ الإيراني في اليمن، التي تنبع أهميتها من إطلالها علي أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية ممثلًا بمضيق باب المندب الذي يمر خلاله ما يقارب 3,2 مليون برميل نفط يوميا، وتحسبا من إحكام الحوثيين لقبضتهم علي اليمن، ومن منطلق رفض قاطع لهذا الاحتمال وفي 26 مارس 2015 انطلقت عملية “عاصفة الحزم” بقيادة السعودية والتي أريد منها تحقيق هدفين:

أولهما: مواجهة تقدم ميليشيات الحوثيين وقوات الجيش اليمني التابعة للرئيس المخلوع صالح للسيطرة الكاملة علي اليمن، وقد مثل ذلك التقدم بالنسبة للسعودية تطورًا خطيرًا في المشهد اليمني السياسي والأمني والعسكري، كما مثل أيضا خطًا أحمرًا لن تسمح المملكة بتجاوزه لأنه قد يوقع اليمن في المجال الحيوي الإيراني، إضافة إلى التأثير علي دورها ومكانتها الإقليمية.

وثانيهما: يتمثل بإعادة الرئيس الشرعي هادي من منفاه الاختياري في الرياض إلي عاصمة الجنوب اليمني (عدن).

ومن مراقبة الأحداث المتسارعة في جنوب شبه الجزيرة نستخلص أنه من أهم أسباب ما تقوم به السعودية في هذه المنطقة هو ردع إيران كقوة إقليمية محورية، ومنعها من بسط هيمنتها على اليمن للحيلولة دون اتخاذها منصة لنفوذها انطلاقًا من جنوب شبه الجزيرة العربية، لاسيما بعد أن نجحت طهران في التغلغل في دول عربية أخرى بشكل مباشر كما في العراق وسوريا، وغير مباشر من خلال حلفائها في لبنان.

هل الصراع بين السعودية وإيران تفسره الرغبة في الاستئثار بالدور المحوري في الدائرة الخليجية أم أن له بواعث أخرى؟

في الواقع، يمكن القول بأن التنافس بين السعودية وإيران من أجل بسط النفوذ على المنطقة ليس بالأمر الجديد. ولكن الجديد في ذلك أن عددًا من دول المنطقة أصبحت مسرحًا لهذا التنافس، وذلك في أعقاب اندلاع ثورات الربيع العربي التي اعتبرتها إيران مستلهمة لتجربة ثورتها الإسلامية، بينما اعتبرتها السعودية – ذات التوجه المحافظ – محور هدم لأركان النظام الإقليمي العربي.

هل يلعب العامل المذهبي دوره في تأليب الصراع السعودي الإيراني؟

تمتزج المصالح الاستراتيجية بالتضاد المذهبي السعودي الإيراني، وبالتنافس التاريخي بين العرب والفرس وبالنزاع بين السنة والشيعة، الذي يطغى عليه أحيانًا الطابع العدائي. ويمكن القول في هذا الصدد أن النزاع الطائفي بين السنة والشيعة يحتاج دائمًا إلى فتيل سياسي. فيما تكتب صحيفة الشرق الأوسط: “كان الخميني يسعى لتصدير الثورة بقوة السلاح.” وتضيف قائلة: “ثم جاء خامنئي وحافظ على تصدير الثورة ولكن بأساليب أكثر دهاءً وصبرًا”، ومن جانبها تلعب السعودية بالورقة الطائفية، حيث تدعم في لبنان الطائفة السنية، وفي سوريا المعارضة ذات الأغلبية السنية، وفي اليمن والبحرين حيث الطائفة السنية أيضًا.

دور العامل الاقتصادي في الصراع:

قد يؤثر العامل الاقتصادي في الصراع بين السعودية وإيران من خلال الممارسات الاقتصادية للطرفين في بلدان المنطقة، وبخاصة تلك التي تشهد حالة من النزاع أو الصراع الداخلي، حيث أن التكلفة التي سيدفعها الطرفان لإدارة الصراع داخل البلدان العربية ستكون عالية، لإطالة أمده وبسبب عدم قدرة أحد الأطراف على حسم الصراع. وقد يترتب علي هذا آثار اقتصادية عدة، منها علي سبيل المثال، زيادة دور المال السياسي لأن الطرفان سيلعبان علي توظيف المال السياسي في دول المنطقة، والذي تجلت أسرع صوره في رد الفعل البحريني في سحب البعثة الدبلوماسية من طهران تأييدًا للموقف السعودي.

صعود الخليج العربي الجديد: الطفرة الإقتصادية التالية – أسواق العرب

كيف ينعكس هذا الصراع علي خريطة التحالفات في الدائرة الخليجية؟

في السابق، جمعت قطر والبحرين والكويت علاقات مع السعودية اتسمت بأنها أكثر ودية من علاقاتها مع إيران. لكن العلاقات السعودية القطرية تضررت منذ تحدت قطر مطالب السعودية بأن تقلل الدوحة من روابطها مع إيران وتدعم قرارات المملكة، أما عن الكويت، فقد سعت دومًا إلى التموضع في نقطة وسط ما بين إيران والسعودية داعية إلى تصفية الأجواء بين الرياض وطهران.

وختامًا، يمكن تصور مستقبل تلك العلاقة بين السعودية وإيران من خلال سيناريوهات ثلاث، مفادها كالتالي:

(*) سيناريو الصدام المباشر: يقوم هذا السيناريو على فرضية قرب وقوع الصدام ما بين السعودية وإيران، وذلك نظرًا للتناقض الاستراتيجي والسياسي والمذهبي الواضح بين مصالح الطرفين في المنطقة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى انفجار الأوضاع، وصولًا للمواجهة العسكرية في أي لحظة. وتحسبًا لهذا الاحتمال قامت إيران سعيًا وراء تطويق السعودية بتكريس نفوذها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي المقابل حرصت السعودية علي تشكيل تحالف عربي سني يكون قادرًا على مواجهة التمدد الشيعي الإيراني، كانت اليمن أبرز مسارحه ومن قبل البحرين.

(*) سيناريو التوافق: يقوم هذا السيناريو على فرضية وصول الطرفين السعودية وإيران إلي تفاهمات مشتركة تراعي مصالح البلدين، ترتكز على قاعدة اقتسام النفوذ والمصالح بهدف خفض مستوى التوتر والتفرغ لخطر مواجهة الجماعات الإرهابية (داعش) وغيرها التي أصبحت تهدد مصالح واستقرار البلدين، ولعل ما يزكي هذا السيناريو أن كلتا الدولتين باتت تعاني من مشاكل اقتصادية جمة، فإيران مازالت متأثرة بالعقوبات الاقتصادية بسبب البرنامج النووي وانخراطها في نزاعات المنطقة ودعمها لأذرعها المسلحة، كذلك السعودية تعاني من أزمة اقتصادية بسبب انخفاض سعر البترول والتكلفة الباهظة لحرب اليمن.

(*) سيناريو الحرب الباردة: ويقوم هذا السيناريو على فرضية بقاء الحرب البادرة بين الدولتين في المنظور القريب، كون أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على عدم فتح مواجهات عسكرية جديدة بعد انتهاء الحرب مع العراق، واستخدام القوة الناعمة بديلًا في تنفيذ مشروعها الإقليمي.

وبالنظر إلي طبيعة العلاقات السعودية الإيرانية في الحقبة السابقة نجد أنها غلب عليها طابع الحرب البادرة، وهو الأمر المرشح بالاستمرار خلال الفترة القريبة، حيث أن البلدين لم يدخلا في صدام عسكري مباشر حتي مع ارتفاع معدلات التهديد من الجانبين ووصول الخلاف بينهما إلى مستويات بالغة الخطورة.

إعداد

سارة عويس

حاصلة علي بكالوريوس التجارة وإدارة الأعمال، قسم العلوم السياسية، جامعة حلوان

وحاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية ، شعبة العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى