كيف انتهكت “طالبان” حقوق الإنسان في أفغانستان؟

في العاشر من ديسمبر احتفلت الجماعة الدولية باليوم العالمي لحقوق الإنسان، وجاء الاحتفال هذا العام تزامنا مع الذكري الـ ٧٥ لتلك المناسبة، حيث تعالت الأصوات الأممية المنددة بالوضع الإنساني المتردي في أفغانستان، فقد أعادت حركة طالبان تدريجيا النموذج المتشدد العاصف لكل مبادئ حقوق الإنسان داخل أفغانستان منذ وصولها إلي الحكم، حتى أصبحت تمارس الأفعال ذاتها المناهضة لحقوق الإنسان التي مارستها منذ التسعينيات تطبيقا للنموذج الأصولي المتشدد التي تنتمي إليه الحركة عقائديا.

بناء عليه؛ أعرب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان “فولكر تورك” عن استيائه لوضع حقوق الإنسان في عدة مناطق من العالم على رأسها أفغانستان، حيث الإقصاء الممنهج للنساء عن جميع جوانب الحياة وفقا لقوله، وأضاف معبرا عن استيائه من استمرار العقوبات الجسدية (الجلد والرجم والإعدام العلني)، وهو ما يطرح التساؤل التالي: لماذا لم تلتزم أفغانستان بعهودها أمام المجتمع الدولي؟، وما أسباب الصمت الأمريكي أمام ممارسات حركة طالبان؟، وما إمكانية مسائلة طالبان دوليا عن جرائم ضد الإنسانية؟

وضع حقوقي مأزوم:

بدأت التقرير الأممية تعرب عن قلقها من انتهاكات حقوق الإنسان لحركة طالبان منذ ٢٤ أغسطس ٢٠٢١، وذلك بعد أيام من عودة الحركة للحكم، حيث صدر تقرير عن مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث عن إعدامات لمدنين خارج إطار القانون، وقيود علي النساء في الزى ومنع من التعليم والعمل، بهذا أصبحت أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي تحرم النساء من التعليم والعمل، بالإضافة إلي زواج القاصرات بالإكراه إلي أن وصل الحال منذ شهر يناير الماضي، إلى حجبت النساء عن الحياة العامة بالكلية من خلال منع التواجد في أماكن الرياضة والحدائق العامة أو الشوارع بدون محرم بحيث يعاقب بالجلد السيدة والمحرم في حالة المخالفة.

بناء على ما تقدم؛ بهذا تكون أعادت الحركة النموذج المتشدد للحكم الذي اشتهرت به في أعقاب حكمها تسعينيات القرن الماضي، الوضع الراهن في أفغانستان وصفته بعض الجهات الحقوقية الدولية بأنه يعد انتهاك يكيف كجرائم ضد الإنسانية يستوجب المسائلة الدولية، حيث جاء ببيان خبراء الأمم المتحدة ٢٥ نوفمبر الماضي رصدا لحالات جلد علني لرجال ونساء، ووصف البيان أن أفغانستان تشهد انتهاكات حقوقية الأكثر توحشا عالميا (وفقا لقول الخبراء الدوليين) وترقي إلي الاضطهاد على أساس النوع بما يجعلها تصنف جريمة ضد الإنسانية.

حركة إرهابية تحكم:

هلل بعض المحللين والمعنيين بشئون الإرهاب الدولي في العالم بوصول حركة طالبان إلي الحكم في أفغانستان منذ أكثر من عام، واصفين المشهد حينها بانتصار حركة تحرر وطنية (قاصدين طالبان) على المحتل الأمريكي، متجاهلين كل الشواهد لممارسات الحركة عبر التاريخ بما يصنفها من الوجهة الأكاديمية والقانونية كتنظيم إرهابي منذ نشأتها حتى تاريخه وذلك للأسباب التالية:

(*) لم تستطع الحركة الالتزام بعهودها الدولية، فيما يتعلق باحترام الحريات العامة وحرية التنقل وحماية حقوق المرأة، كما لم تلتزم بعهودها بعدم السماح لأراضي أفغانستان أن تكون ساحة للتنظيمات الإرهابية.

(*) تعمل الحركة على نشر والترسيخ لفكر الجهاد عبر إعلامها المسموع والمكتوب، حيث تنشر مجلة “الصمود” التابعة للحركة حتى تأريخه محتوي يمجد في كل العناصر الجهادية من كل الجهات، سواء تابعين للحركة كنشر إصدار بعنوان (المصلح العظيم والمجاهد الكبير الشيخ جلال الدين حقاني) وغيرهم من التابعين للتنظيمات الإرهابية الأخرى كالقاعدة.

(*) يدير المجلة ويضع السياسة التحريرية، ويكتب فيها عناصر تابعة للجهاد العالمي ينتمون لكل التنظيمات الإرهابية ويروجون لعقيدة الجهاد الأممي.

(*) استخدام معجم عبارات ومصطلحات الجماعات المتطرفة، مما يعكس الانتماء للعقيدة التي تدعوا أو تؤيد وجود خلافة عالمية (رغم محلية الحركة) تصطدم مع كل مفاهيم العلاقات الدولية الحديثة مثل (بيان أمير المؤمنين، المجاهد، مؤسسة منبع الجهاد.. وغيرها).

(*) استخدام الحركة للعقوبات البدنية حتى تاريخه، بما يعني تشوقها وتشوفها لإقامة الحدود دون التقيد بأحكام تطبيقها التي يستحيل توفرها في العصر الحديث كقاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات المنبثقة عن حديث النبي (ص): “ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا”، ضاربين بمقتضيات حقوق الإنسان والمفاهيم الدولية الحديثة عرض الحائط.

(*) اضطهاد بعض الطوائف والاعتداء عليهم، مثل شيعة الهزارة رغم وعودها لإيران بعدم التعرض لهم كشرط إيراني لدعم ومساندة الحركة.

(*) التمسك بتشكيل حكومة تضم عناصر لها تاريخ إرهابي، وتمجدهم وإعطاءهم الكلمة ذات التأثير والسطوة داخل أفغانستان.

(*) إيواء ودعم عناصر القاعدة وإشراكهم بشكل مقنع في القرارات السياسية في أفغانستان، وكذلك دعمت الحركة ورحبت بموجة ما يعرف “بثورات الربيع العربي”، وكتب في مجلة “الصمود” مقالات داعمة ومؤيدة للفوضى ومنددة بالحكام العرب كمقال “جرائم دعاة الديمقراطية في مصر” عدد ٨٨، وأيدت واحتفت في المجلة بوصول جماعة الإخوان إلي السلطة في مصر عام ٢٠١٣.

(*) أرسلت الحركة عناصر تابعين للقاعدة وعدة تنظيمات إرهابية أخري، وذلك للمشاركة في أحداث الفوضى والعنف في البلاد العربية التي شهدت حراك عقب ٢٠١٠ كمصر وسوريا وليبيا.

سياسات أمريكية برجماتية:

ادعت الولايات المتحدة خلال ثلاثين عام أنها تحارب الإرهاب في أفغانستان وعدة دول أخري، ثم عقدت اتفاق الدوحة ٢٠٢٠ مع حركة طالبان التي تصنفها أمريكا نفسها وعدة دول أخري تنظيما إرهابيا، بموجب تلك الاتفاقية سلمت الولايات المتحدة حكم أفغانستان لحركة طالبان متجاهلة كل دعاوي حقوق الإنسان التي تتشدق بها في كل الفعاليات الدولية، فتغاضي السياسات الأمريكية تجاه الحالة الأفغاني يصل لحد التواطؤ مع الجماعات الإرهابية، فإذا كانت الإدارة الأمريكية حسنة النية في الخروج من أفغانستان لمصلحة الشعب الأفغاني وتمكينه من حقه في الاستقلال، من المفترض أن تمكن الشعب الأفغاني من اختيار حكومة مدنية تحت رعايتها أو بتأمين قوات دولية محايدة بدلا من تسليم البلاد لتنظيم إرهابي يعيث فسادا وانتهاكا لحقوق المدنيين ورعاية للتنظيمات الإرهابية المختلفة.

في ذات السياق؛ فقد دعمت وتحالفت الولايات المتحدة ومازالت مع حركة طالبان حيث وجدت في تلك التحالف السبيل للوصول إلي أهدافها ومصالحها في المنطقة دون الاستمرار في استنزاف عسكري، من هذه الأهداف الأمريكية على سبيل المثال:

(&) التنسيق مع الحركة لتحجيم الجماعات الإرهابية لتأمين الولايات المتحدة، ومصالحها في حين تري السياسة الأمريكية استمرار الفوضى والعنف في أفغانستان بدليل غياب الرد الأمريكي تجاه الحركة على إيواء أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق داخل حي الوزراء في العاصمة كابل.

(&) وجود طالبان في الحكم يضمن أوضاع متوترة لإيران في المنطقة، لتقويض بعض من النفوذ الإيراني الذي تخشاه أمريكا في المنطقة ومحاولة عرقلة وتعطيل مشروع إيران النووي والاقتصادي في المنطقة.

مما يدعم الرأي السابق؛ استمرار إرسال المساعدات الإنسانية للحركة، حيث استثنت الولايات المتحدة المنظمات الإنسانية من العقوبات الاقتصادية ليتمكنوا من التعامل مع الحركة، وإيصال المبالغ التي يعرف إدخالها في ميزانية الحركة، حيث تتمكن الحركة من ضخها كمرتبات لعناصرها ودعم وتجنيد عناصر إرهابية جديدة، بينما يعاني الشعب الأفغاني من أوضاع اقتصادية وإنسانية كارثية.

أخيرا؛ مما سبق يتضح أن العلاقات السياسية الدولية يحكمها المصالح بمعزل عن تفعيل المنظومة الدولية، فقد تمكنت الولايات المتحدة من تجميد محاكمة القوات الأمريكية والأفغانية وحركة طالبان أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولم يتم تحريك الدعاوي الجنائية واستأنفها من قبل أي طرف دولي منذ أكثر من عام ضد أي من الفواعل الدولية (دول- تنظيمات دون الدول) التي ارتكبت جرائم دولية داخل أفغانستان منذ التسعينيات إلي حينه، فهل ينتظر محاكمة الحركة علي جملة الانتهاكات الدولية منذ نشأتها أو حتى عن الجرائم التي سجلتها الجهات الحقوقية مؤخرا؟!

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في القانون الدولي. - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى