من واشنطن إلى تل أبيب .. هل يتحول التمثيل الانتخابي إلى نفوذ سياسي؟

في اليوم الذي توجه فيه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع، أعلن الرئيس “ترامب” أن واشنطن ستوقف مساعداتها العسكرية السنوية لإسرائيل اعتبارًا من عام ٢٠٢٧، مع استمرار بيع السلاح لها، وبعد أيام من انتخابات الكنيست، منحت القائمتان العربيتان منافس “نتنياهو”، “آيزنكوت”، أغلبية في مشاورات التكليف بتشكيل الحكومة، رغم أنه استبعد حتى الآن تشكيل حكومة معهما، وتكشف الواقعتان، على اختلافهما، أن ما كان يُستبعد من الحسابات السياسية أصبح حاضرًا فيها، ففي واشنطن: أصبح الدفاع عن الدعم غير المشروط لإسرائيل ذو تكلفة انتخابية عالية لدى قطاعات من الناخبين، وفي إسرائيل: أصبح تجاوز القوائم العربية أكثر صعوبة في معادلة تشكيل الحكومة.
لكن الأثر السياسي لهاتين النتيجتين يتوقف على ما يحدث بعد فرز الأصوات، ففي واشنطن: الاختبار هو قدرة الكونجرس على ترجمة التحول الانتخابي إلى رقابة أو شروط على التمويل، وفي إسرائيل: الاختبار هو قدرة القوائم العربية على تحويل وزنها العددي إلى اتفاق سياسي يمنحها تأثيرًا في أولويات الحكومة المقبلة.
واشنطن .. حين ترتفع كلفة الدعم غير المشروط:
حمل فوز “عبد الرحمن السيد” الشهير بـ “عبدول” بمقعد ولاية ميشيجان دلالة تاريخية، إذ أصبح أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ الأمريكي، وتجدر الإشارة إلي فوز ستة مرشحين مسلمين على الأقل بمقاعد في مجلس النواب، من بينهم رشيدة طليب وإلهان عمر وأندريه كارسون ولطيفة سايمون، إلى جانب آدم حماوي ودارياليزا أفيلا شوفالييه، ويكشف تنوع خلفياتهم وبرامجهم عن اتساع التمثيل داخل الكونجرس، أما وزنهم السياسي في كل قضية فسيتحدد بقدرتهم على العمل مع نواب وشيوخ يشاركونهم الموقف، بصرف النظر عن أصولهم أو معتقداتهم.
وتتجاوز أهمية تجربة “عبد الرحمن السيد” خلفيته الشخصية، فقد خاض سباقًا تنافسيًا على مستوى ولاية كاملة، وانتقد الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، ووضع هذا الموقف ضمن برنامج تناول الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة ودور المال في الانتخابات، وبهذا استطاع مخاطبة الناخب في قضاياه اليومية، وفي الوقت نفسه طرح سؤال عن أولويات الإنفاق الأمريكي، ونجاحه يمنح مرشحين آخرين سببًا لإعادة حساباتهم بشأن التكلفة الانتخابية لانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية.
وفي الاتجاه المقابل، ارتد الدفاع عن سياسات حكومة “نتنياهو” المتشددة، ولاسيما في غزة، على بعض داعميها في واشنطن، فقد أتاح لخصومهم مساءلتهم عن استمرار التمويل العسكري وشروطه، وعن اتساقه مع المصالح الأمريكية في المنطقة، وتداخل هذا العامل مع ملفات أكثر حضورًا لدى قطاعات كبيرة من الناخبين، في مقدمتها الأسعار وتكاليف المعيشة، لذا تختلف مساهمته في النتيجة من دائرة إلى أخرى، لكن دلالته السياسية واضحة في حديث “ترامب” نفسه عن استخدام الديمقراطيين ملف المساعدات للضغط على الجمهوريين.
إعلان ترامب .. ماذا يتغير إذا توقف التمويل؟
اختار “ترامب” يوم الاقتراع ليعلن أن واشنطن ستوقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل مع نهاية ٢٠٢٦، ووضع في تصريحه فارقًا بين التمويل الأمريكي المباشر واستمرار بيع السلاح، فهذا فارق جوهري، لأن وقف التمويل، إذا نُفذ، سيغير طريقة تحمل تكلفة التسليح، بينما تظل صفقات السلاح وغيرها من أوجه التعاون الدفاعي خاضعة لقرارات منفصلة، ومن هنا تأتي أهمية متابعة بنود التمويل والصفقات معًا عند تقدير أثر الإعلان.
وتبقى آلية التنفيذ غير واضحة، فمذكرة التفاهم القائمة تغطي السنوات المالية حتى عام ٢٠٢٨، وتنص على مساعدات بقيمة ٣٫٨ مليارات دولار سنويًا، تشمل: التمويل العسكري، وبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة، وتخضع للاعتمادات التي يقرها الكونجرس، ولهذا يحمل إعلان “ترامب” دلالة سياسية فورية، بينما يُقاس أثره المالي بما تقترحه الإدارة في الموازنة، وما يقره الكونجرس، وما إذا كانت بعض أوجه التعاون ستُمول عبر بنود أخرى.
ويزيد فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ من أهمية هذا الاختبار، فالأغلبية تمنحهم قدرة أوسع على توجيه عمل اللجان، ومساءلة الإدارة، وطرح شروط على بعض الاعتمادات، غير أن وزن التيار المطالب بتقييد المساعدات سيعتمد على قدرته على حشد التأييد داخل الحزب، وعلى التعامل مع صلاحيات الرئيس، بما فيها حق الاعتراض على التشريعات، وعليه، قد يظهر التغيير أولًا في جلسات الرقابة، أو في اشتراط تقارير وضمانات على بنود محددة، قبل أن يظهر في تحول أوسع في السياسة الأمريكية.
وفي هذه المعادلة، تظل “أيباك” وغيرها من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل قادرة على دعم مرشحين ومواجهة آخرين، لكن فوز مرشحين خاضوا حملاتهم على مراجعة المساعدات يضع هذه الجماعات أمام حسابات انتخابية متغيرة، كما أن مواقف الناخبين اليهود الأمريكيين أنفسهم متنوعة، فقد أظهر استطلاع عند الخروج من مراكز الاقتراع أن نسبة من فضلوا ربط دعم إسرائيل بالمصالح والقيم الأمريكية تجاوزت نسبة من فضلوا الدعم غير المشروط بين المشاركين اليهود في الاستطلاع، وهذا يوضح اتساع مساحة الخلاف حول شروط الدعم داخل قطاعات اعتاد الخطاب السياسي التعامل معها باعتبارها متقاربة المواقف.
إسرائيل .. أغلبية في المشاورات واختبار في تشكيل الحكومة:
أفرزت انتخابات الكنيست ثلاث كتل في الحساب البرلماني، حيث حصل معسكر “نتنياهو” على ٥٣ مقعدًا، وكتلة “آيزنكوت” على ٤٨ مقعد، فيما حصلت القائمتان العربيتان على ١٩ مقعدًا، بواقع ١١ للقائمة المشتركة، وثمانية للقائمة العربية الموحدة، وتظهر أهمية هذا التوزيع عند حساب الأغلبية، فكتلة “آيزنكوت” حتى مع دعم القائمة المشتركة بكامل مقاعدها، تصل إلى ٥٩ مقعدًا. ومن ثم، فإن بلوغ نسبة الـ 50% + 1 (عدد ٦١ مقعد من أصل 120 مقعد) عبر هذا المسار، مع بقاء الكتل على حالها، يحتاج أيضًا إلى دعم من القائمة العربية الموحدة.
وقد ظهر الأثر الأول بالفعل في مشاورات الرئيس “إسحاق هرتسوج”، فبتوصية القائمتين العربيتين، حصل “آيزنكوت” على تأييد ٦٧ نائبًا للتكليف، مقابل ٤٦ لـ “نتنياهو”، بعدما امتنع حزب “يهدوت هتوراه”، صاحب المقاعد السبعة، عن التوصية بأي مرشح، وفي الوقت نفسه، ظل “آيزنكوت” يستبعد تشكيل حكومة مع القائمتين العربيتين، وهنا تكمن العقدة السياسية، فالقوائم العربية ساهمت في ترجيح كفته في مشاورات التكليف، لكن تكوين أغلبية تحكم يتطلب اتفاقًا على شكل التعاون وشروطه، أو إعادة ترتيب التحالفات عبر الكتل.
وإذا فُتح باب التفاوض، فقد تتخذ المشاركة شكل انضمام إلى ائتلاف أو تفاهم على دعم برلماني من خارجه، وتختلف قيمة كل صيغة بحسب ما تتيحه من تأثير في الموازنة والتشريعات وأولويات الحكومة، وفي تقديري، قد تظهر النتائج المباشرة أولًا في ملفات تخص المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، مثل: المساواة في الخدمات، ومكافحة الجريمة، وتخصيص الموارد، أما التأثير في سياسات الحرب والاستيطان والموقف من الدولة الفلسطينية فيتطلب تفاهمات أوسع داخل أي ائتلاف، لأن القوى التي تتفق على إزاحة “نتنياهو” تتباين في رؤيتها للصراع.
ثلاثة مسارات لاختبار أثر الانتخابات:
(*) المسار الأول .. تأثير تدريجي: وهو الأقرب في تقديري، ففي واشنطن: يمكن أن يظهر في رقابة أشد على التمويل وصفقات السلاح، أو في شروط تضاف إلى بعض الاعتمادات. وفي إسرائيل: قد يبرز في تفاهمات برلمانية محددة تمنح القوائم العربية قدرة على التفاوض بشأن أولويات ناخبيها، حتى إذا تعذر الاتفاق على مشاركتها في الحكومة.
(*) المسار الثاني .. اتساع التأثير: ويتطلب في الكونجرس تحالفًا يتجاوز مجموعة الفائزين الذين انتقدوا الدعم غير المشروط، ويستطيع تمرير نصوص تترتب عليها آثار مالية أو رقابية. وفي إسرائيل: يتطلب اتفاقًا سياسيًا معلنًا يحدد دور القوائم العربية وما تحصل عليه في المقابل، ويصمد عند التصويت على الموازنة والقرارات الخلافية.
(*) المسار الثالث .. احتواء الأثر: وقد يحدث في واشنطن إذا تغيرت صيغة التمويل فيما استمرت برامج التعاون الدفاعي بأدوات أخرى، أو إذا تعثرت محاولات فرض شروط داخل الكونغرس. وفي إسرائي:، قد يحدث إذا أعادت القوى الأخرى ترتيب تحالفاتها بما يتيح تشكيل حكومة من دون القوائم العربية، أو إذا قاد استمرار الاستبعاد المتبادل إلى جولة انتخابية جديدة.
ماذا يعني ذلك لمصر والعالم العربي؟
تتيح نتائج الانتخابات فرصة لتوسيع قنوات الحوار مع أعضاء الكونجرس ولجانه، ومع الأحزاب ومراكز البحث والمجتمع المدني، وتزداد قيمة هذا التواصل حين ينطلق من قراءة برامج الفائزين وملفات عملهم، فبالنسبة لـ “عبد الرحمن السيد” – على سبيل المثال – يدرج مصر وإسرائيل ودولًا عربية أخرى ضمن الدول التي يعارض استمرار التمويل العسكري الأمريكي غير المشروط لها، ومن ثم، فإن فهم موقفه من ملف بعينه، ومعرفة أين تتقاطع المصالح وأين تتباين، أكثر فائدة من بناء التوقعات على أصوله المصرية أو هويته الدينية.
وتقدم التطورات في إسرائيل درسًا مكملًا، فزيادة التمثيل العربي تمنح أصحابها فرصة للتفاوض، لكن قيمتها تتحدد بما يحققونه من التزامات قابلة للتنفيذ، وبالنسبة لمصر والدول العربية، يظل المعيار هو أثر الترتيبات السياسية المقبلة على القضايا التي تمس المنطقة مباشرة، وفي مقدمتها حماية المدنيين، والحد من التصعيد، وصون الحقوق الفلسطينية.
لقد كشفت الانتخابات أن الدعم غير المشروط لإسرائيل بات يحمل تكلفة انتخابية لدى بعض الناخبين الأمريكيين، وأن القوائم العربية أصبحت طرفًا يصعب تجاوزه في حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، أما المسافة بين المقعد والقرار، فسنراها في نصوص الاعتمادات الأمريكية، وشروط صفقات السلاح، واتفاقات الائتلاف في إسرائيل، وما يترتب عليها من قرارات تمس الفلسطينيين وأمن المنطقة العربية بأكملها.