لواء أحمد زغلول يكتب.. الوطن للجميع والجميع من أجل الوطن

تماسك الجبهة الداخلية •• معادلة القوة بين دولة تحمي ومواطن يشارك ومستقبل نصنعه معاً

ليست أخطر اللحظات التي تمر بها الدول بالضرورة تلك التي تواجه فيها تهديداً عسكرياً من الخارج، فقد تكون اللحظة الأكثر خطورة عندما تتسع المسافة بين الدولة ومواطنيها، وتتراجع الثقة، ويشعر الإنسان بأن ما يتحمله من أعباء لا يقابله ما يستحقه من رعاية وعدالة وفرص.

فالدول لا تضعف فقط عندما تفقد جزءاً من قدراتها، وإنما عندما تعجز عن تحويل إمكاناتها إلى قوة حقيقية، أو تفقد القدرة على استباق المخاطر، أو يصبح المواطن متفرجاً على مسيرة التنمية بدلاً من أن يكون شريكاً فيها وصاحب مصلحة مباشرة في نجاحها.

ومن واقع الرؤية العسكرية والاستراتيجية، فإن قوة الدولة لا تُقاس بحجم ما تمتلكه من أدوات فحسب، بل بكفاءة استخدامها، وحسن إدارة مواردها، وقدرتها على توقع المخاطر والاستعداد لها، وبمدى تماسك مجتمعها وثقته في مؤسساته.

وهنا يبرز المعنى الذي تختصره العبارة الشهيرة «واحد من أجل الجميع والجميع من أجل واحد»، التي عُرضت من خلال رواية ألكسندر دوما «الفرسان الثلاثة». وعندما نستحضر هذا المعنى في سياقنا الوطني، فإننا لا نتحدث عن مجرد شعار للتضامن، بل عن معادلة متكاملة: دولة تحمي مواطنيها وتنصفهم، ومواطنون يشاركون في حماية دولتهم وبنائها.

فالوطن ليس ملكاً لحكومة أو حزب أو فئة أو جيل، وإنما هو ملك لأبنائه جميعاً، ومسؤولية الحفاظ عليه لا تنفصل عن مسؤولية إصلاحه وتطويره.

أولاً: من دروس التاريخ إلى مسؤولية المستقبل:

تملك مصر رصيداً تاريخياً كبيراً من الصمود والقدرة على تجاوز المحن، لكن استدعاء التاريخ لا ينبغي أن يكون بديلاً عن قراءة دروسه.

في يونيو 1967، واجهت الدولة المصرية اختباراً عسكرياً قاسياً، وكان تجاوز آثاره مرهوناً بإعادة بناء القوات المسلحة، واستعادة الانضباط والثقة، وتطوير القدرات، وإعداد الدولة لمعركة استرداد الأرض والكرامة.

ثم جاءت حرب الاستنزاف لتؤكد أن استعادة القدرة عملية ممتدة تحتاج إلى إرادة وتخطيط وتضحيات، وصولاً إلى انتصار أكتوبر 1973، الذي لم يكن مجرد إنجاز عسكري، بل نموذجاً لقدرة الدولة على إعادة تنظيم قواها، وتحويل الإرادة إلى فعل وإنجاز.

وفي مراحل لاحقة، واجهت مصر تحولات سياسية واجتماعية عميقة، من أحداث يناير 2011 إلى ثورة 30 يونيو 2013، ثم المواجهة الممتدة مع الإرهاب، وجائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والاضطرابات الاقتصادية العالمية، فضلاً عن الحرب في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.

والدرس الأهم أن الصمود لا يعني الاكتفاء بالاحتمال، وأن قدرة المصريين على تحمل الصعاب لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح أو تجاهل أوجه القصور.

لقد علمتنا تجربة أكتوبر أن استعادة الأرض تبدأ باستعادة القدرة، وأن الإرادة وحدها لا تكفي دون علم وتنظيم وتخطيط وإعداد. وهذه القاعدة لا تخص القوات المسلحة فقط، بل تنطبق على الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة وسائر مؤسسات الدولة.

ثانياً: خريطة المخاطر تتغير •• والأمن القومي لا يقف عند الحدود:

تعيش المنطقة مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية.

فالتوترات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد يترتب عليها من تداعيات على أمن الخليج وممرات الطاقة، تجعل مضيق هرمز نقطة بالغة الحساسية في معادلة الاقتصاد العالمي.

وفي الاتجاه الآخر، تكتسب منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن أهمية استراتيجية مباشرة، لارتباطها بأمن الملاحة الدولية وقناة السويس ومصالح الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

وأي اضطراب واسع في هذه الممرات يمكن أن ينعكس على حركة التجارة وتكاليف النقل والطاقة والتأمين، وأن يمتد أثره إلى اقتصادات الدول المرتبطة بها.

وهنا تتضح حقيقة مهمة: أن الأمن القومي المصري لا يبدأ عند الحدود السياسية للدولة وينتهي عندها، بل يرتبط بقدرة مصر على حماية مصالحها في محيطها العربي والإقليمي، وتأمين طرق تجارتها، والحفاظ على مكانتها في حركة الملاحة الدولية.

ومن ثم، فإن التحرك الدبلوماسي، والتنسيق العربي، ورفع كفاءة الاستعداد، وتنويع مصادر الطاقة والغذاء، وحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية، كلها أدوات متكاملة للأمن القومي.

لكن علينا أن ندرك أن مواجهة المخاطر الخارجية لا تبدأ عند وقوعها، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال بناء اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات مؤهلة لإدارة الأزمات، وقاعدة علمية وتكنولوجية تقلل الاعتماد على الخارج، ومجتمع يمتلك الوعي والثقة والقدرة على المشاركة.

ثالثاً: الجبهة الداخلية •• قوة تُبنى ولا تُطلب بالشعارات:

الجبهة الداخلية القوية لا تُقاس بغياب الاعتراض، ولا بمدى اتفاق المواطنين مع كل قرار، وإنما بقدرة المجتمع على إدارة اختلافاته دون أن يفقد تماسكه، وبقدرة مؤسسات الدولة على الاستماع والتصحيح والاستجابة.

فالاختلاف في الرأي ليس تهديداً للدولة، بل قد يكون مصدراً لتصحيح المسار إذا أُدير في إطار القانون والمسؤولية. أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما تتراكم الأخطاء دون معالجة، أو تغيب المعلومات، أو يشعر المواطن بأن صوته لا يصل، أو أن المحاسبة لا تطال الجميع بالمعيار نفسه.

ومن الضروري التمييز بين النقد المسؤول الذي يكشف القصور ويطالب بالإصلاح، والاختلاف السياسي المشروع، وبين الممارسات التي تقوم على التحريض على العنف أو نشر المعلومات المضللة أو الإضرار المتعمد بمصالح الوطن.

فليس من المقبول أن يُتهم كل ناقد بعدم الانتماء، كما لا يجوز أن تتحول حرية التعبير إلى مبرر لنشر الشائعات أو الإضرار بالمجتمع.

إن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقد، والمجتمع الواعي لا يخلط بين المطالبة بالحقوق والتفريط في مقدرات الوطن.

وتماسك الجبهة الداخلية ليس قراراً يصدر من الدولة، وإنما نتيجة تتحقق عندما يشعر المواطن أن الدولة معه، وأن له مكاناً وحقاً ومستقبلاً فيها.

رابعاً: من إدارة الأزمات إلى استباقها •• مفهوم الردع الشامل:

هناك فارق جوهري بين دولة تنتظر وقوع الأزمة ثم تتحرك لاحتواء آثارها، ودولة تدرس المؤشرات وتتوقع السيناريوهات وتبني قدراتها قبل أن تتحول المخاطر إلى تهديدات فعلية.

الأولى تتحرك تحت ضغط الحدث، أما الثانية فتمتلك زمام المبادرة وتقلل مساحة المفاجأة. ومن هنا، فإن الردع في مفهومه الحديث لا يقتصر على القوة العسكرية، رغم أنها تظل ركيزة أساسية لحماية الدولة وصون سيادتها، وإنما يمتد إلى امتلاك اقتصاد قوي، وقدرة إنتاجية، وأمن غذائي وطاقي، ومنظومة صحية قادرة على التعامل مع الطوارئ، وبنية معلوماتية وتكنولوجية آمنة، ومؤسسات تتسم بالكفاءة والجاهزية.

وهذا ما يمكن أن نسميه الردع الشامل، أي أن تكون الدولة قادرة على حماية مصالحها، وتقليل مواطن ضعفها، ورفع تكلفة الاعتداء عليها أو الضغط عليها، والاحتفاظ بقدرتها على الحركة واتخاذ القرار في الظروف الصعبة.

إن قوة الجيش لا تنفصل عن قوة الاقتصاد، وقوة الاقتصاد لا تنفصل عن كفاءة الإنسان، وكفاءة الإنسان لا تتحقق دون تعليم وصحة وعدالة وفرص حقيقية.

وهذه ليست ملفات متوازية فحسب، بل منظومة واحدة تتكامل فيها أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية.

خامساً: الاقتصاد المنتج •• خط الدفاع الذي لا غنى عنه:

قد تستطيع الدولة التعامل مع أزمة طارئة، لكن قدرتها على الصمود أمام الأزمات المتكررة ترتبط بمدى امتلاكها اقتصاداً منتجاً وقاعدة صناعية قوية.

فالاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل الاقتصاد أكثر تأثراً بالتقلبات الدولية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد. أما الإنتاج المحلي فيمنح الدولة مساحة أكبر للحركة، ويخلق فرص عمل، ويعزز قدرتها على مواجهة الظروف الاستثنائية.

ومن هنا، يجب أن ينتقل الاهتمام الاقتصادي من مجرد إدارة الاحتياجات اليومية إلى بناء قدرة إنتاجية مستدامة تقوم على التصنيع، وزيادة الصادرات، وتعميق المكون المحلي، ورفع جودة المنتجات، والاستفادة من التكنولوجيا.

ولا ينبغي النظر إلى التصدير باعتباره مجرد وسيلة لتوفير العملة الأجنبية، فهو أيضاً مقياس لقدرة المنتج الوطني على المنافسة، ومدخل لتطوير الصناعة وزيادة التشغيل وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد المصري.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، باعتبارها ركيزة أساسية لتوسيع قاعدة الإنتاج وتشغيل الشباب والمرأة وتحويل المهارات والأفكار إلى قيمة اقتصادية.

لكن نجاح هذه المشروعات لا يتحقق بمجرد الدعوة إليها، بل يحتاج إلى التمويل المناسب، وتبسيط إجراءات التأسيس والتراخيص، والدعم الفني والتكنولوجي والإداري، والتدريب والتسويق، وربطها بالصناعات الكبرى وسلاسل التوريد والتصدير.

كما يجب أن تتكامل سياسات الاستثمار والتعليم والتدريب والبحث العلمي، حتى لا تعمل كل جهة في اتجاه منفصل.

فالاقتصاد القوي ليس مجرد أرقام في التقارير، وإنما قدرة على إنتاج احتياجات المجتمع، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، ومواجهة الصدمات دون أن يتحمل المواطن وحده فاتورة كل أزمة.

سادساً: بناء الإنسان •• المعيار الحقيقي لنجاح التنمية:

من الأخطاء التي ينبغي تجاوزها أن ننظر إلى المواطن باعتباره متلقياً لنتائج الخطط الاقتصادية، أو رقماً ضمن مؤشرات النمو، أو طرفاً يُطلب منه تحمل الأعباء دون أن يكون له نصيب واضح من ثمار التنمية.

إن المواطن هو الغاية الأساسية من وجود الدولة، وهو في الوقت نفسه أهم مواردها وأحد مصادر قوتها.

وعندما نتحدث عن بناء الإنسان، فإننا نتحدث عن منظومة تبدأ من الصحة والتعليم، وتمر بالقدرة على العمل والإنتاج، وتنتهي بتمكين الإنسان من المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

وتأتي الصحة في مقدمة هذه المنظومة، فالمجتمع الذي يعاني أفراده من ضعف الرعاية الصحية أو صعوبة الحصول على العلاج لا يستطيع أن يحقق كامل طاقته الإنتاجية.

ولهذا، يجب تحسين جودة الخدمات الصحية، وتطوير وحدات الرعاية الأولية والمستشفيات، وتوفير الأدوية، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر، وضمان وصول الخدمة إلى المواطنين في مختلف المحافظات والمناطق.

ويجب أن تكون صحة المرأة والطفل في قلب السياسات الصحية، من خلال رعاية الأمومة والطفولة، والمتابعة قبل الولادة وبعدها، والتغذية السليمة، والتطعيمات، والكشف المبكر، وتوفير الحماية اللازمة للأطفال.

أما كبار السن، فهم أصحاب خبرة وعطاء، ومن حقهم أن يعيشوا بكرامة وأمان، ويجب أن تشمل رعايتهم الخدمات الصحية المناسبة، والدعم الاجتماعي والمالي، وتطوير الرعاية المنزلية والمؤسسات المتخصصة، بما يحفظ كرامتهم ويخفف الأعباء عن أسرهم.

وبالنسبة إلى الشباب، فإن المطلوب ليس مطالبتهم بالصبر وانتظار الفرص، وإنما إعدادهم لها من خلال تعليم يرتبط باحتياجات سوق العمل، وتدريب مهني جاد، وفرص عمل منتجة، ودعم ريادة الأعمال، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في المؤسسات والحياة العامة.

فالدولة التي تستثمر في صحة مواطنيها وتعليمهم وقدراتهم لا تنفق على خدمات فقط، وإنما تبني قوة بشرية قادرة على حماية مكتسباتها وصناعة مستقبلها.

سابعاً: البحث العلمي والابتكار •• من المعرفة إلى الإنتاج:

لا يمكن أن نطالب باقتصاد قوي وتنافسية صناعية دون أن نضع البحث العلمي والابتكار في قلب عملية التنمية.

فالمشكلة ليست في غياب الأفكار والمواهب، وإنما في قدرة المنظومة على اكتشافها وتمويلها واحتضانها وتحويلها إلى منتجات وحلول قابلة للتطبيق.

إن المطلوب بناء جسور حقيقية بين الجامعات ومراكز البحث العلمي وقطاع الصناعة، بحيث تتجه الأبحاث إلى معالجة احتياجات المجتمع، وتطوير المنتجات، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتقديم حلول في مجالات الطاقة والمياه والزراعة والصحة والتكنولوجيا.

كما يجب دعم المخترعين والمبتكرين، وتوفير حاضنات الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في الابتكار.

ولا يجوز أن يظل البحث العلمي نشاطاً منفصلاً عن الاقتصاد، أو أن تنتهي جهود الباحثين عند نشر الدراسات، بينما تبقى نتائجها بعيدة عن المصانع والأسواق.

إن قيمة البحث العلمي الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى دواء أو جهاز أو تقنية أو منتج وطني، وعندما يوفر فرصة عمل، أو يقلل تكلفة الإنتاج، أو يفتح سوقاً للتصدير. وهنا يصبح العلم قوة اقتصادية، والابتكار أحد أدوات الاستقلال الوطني.

ثامناً: مكافحة الفساد •• لا تنمية بلا مساءلة:

لا يمكن أن نطالب المواطن بالثقة في مؤسسات الدولة دون أن نؤكد له أن القانون يسري على الجميع، وأن المسؤولية العامة لا تمنح صاحبها حصانة من المحاسبة.

فالفساد لا يهدر المال العام فقط، بل يهدر الفرص، ويعطل المشروعات، ويضعف كفاءة المؤسسات، ويقوض الثقة بين المواطن والدولة.

ومن ثم، فإن مكافحة الفساد ليست ملفاً إدارياً محدوداً، وإنما قضية تتصل بالأمن القومي والعدالة الاجتماعية وكفاءة الاقتصاد.

ويجب أن تقوم المواجهة على رقابة فعالة، وإجراءات واضحة، وسرعة في فحص المخالفات والتحقيق فيها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون، أياً كان موقعه أو منصبه، مع استرداد حقوق الدولة والأموال العامة بالوسائل القانونية.

كما أن إعلان نتائج المحاسبة بالقدر الذي تسمح به القواعد القانونية يبعث برسالة مهمة إلى المجتمع، مفادها أن المسؤولية تكليف، وأن المنصب العام ليس امتيازاً شخصياً.

فالردع الحقيقي لا يتحقق بكثرة التصريحات، وإنما باستمرار تطبيق القانون، وعدم التمييز بين الأشخاص، وإغلاق المنافذ التي تسمح بتكرار المخالفات.

تاسعاً: مسؤولية متبادلة •• دولة تؤدي واجبها ومواطن يشارك:

إن العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تستقيم بمنطق المطالب المتبادلة وحده، وإنما تحتاج إلى وضوح في المسؤوليات.

الدولة مسؤولة عن حماية الوطن والمواطن، وصون الحقوق، وتحقيق العدالة، وتحسين الخدمات، وإدارة الموارد بكفاءة، وتهيئة بيئة تسمح بالعمل والإنتاج والاستثمار.

وهي مسؤولة أيضاً عن الاعتراف بالقصور عندما يقع، وتصحيح السياسات التي لا تحقق أهدافها، ومواجهة الفساد، والاستماع إلى أصحاب الخبرة والمواطنين.

وفي المقابل، فإن المواطن شريك في حماية الوطن من خلال احترام القانون، والمحافظة على المال العام والممتلكات، والعمل والإنتاج، وأداء واجباته، والمشاركة الإيجابية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الدعوات التي تستهدف إثارة الفوضى.

لكن يجب التأكيد أن المسؤوليات ليست متماثلة في طبيعتها أو حجمها، فالدولة بما تملكه من سلطة وإمكانات تتحمل مسؤولية أكبر في التخطيط والتنفيذ وضمان الحقوق، ولا يجوز أن تتحول دعوة المواطن إلى المشاركة إلى وسيلة لإعفاء المؤسسات من واجباتها.

فلا نريد مواطناً يطالب بحقوقه دون أن يؤدي واجباته، ولا نريد دولة تطلب من مواطنيها التضحية دون أن توفر لهم العدالة والرعاية والفرص.

عاشراً: أولويات العمل •• من الرؤية إلى التنفيذ:

إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب ترتيب الأولويات في مسارات مترابطة على النحو التالي:

١- وضع المواطن في صدارة السياسات العامة، بحيث يصبح أثر القرارات في حياة الأسرة المصرية ومستوى معيشتها وصحة أبنائها وتعليمهم معياراً رئيسياً لتقييم الأداء.

٢- بناء اقتصاد إنتاجي وتصديري، بتوسيع التصنيع المحلي، وزيادة القيمة المضافة، وتحسين جودة المنتجات، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز القدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

٣- تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر من خلال التمويل والتدريب والتكنولوجيا والتسويق وتبسيط الإجراءات وربطها بالصناعات الكبرى.

٤- تطوير المنظومة الصحية، مع إعطاء أولوية للرعاية الأولية، وتوفير العلاج، وتحسين خدمات المستشفيات، والاهتمام بصحة المرأة والطفل وكبار السن.

٥- الاستثمار في الشباب والمرأة بالتعليم والتدريب وفرص العمل والمشاركة، وتوفير بيئة تساعد على المبادرة والإنتاج وتحقيق تكافؤ الفرص.

٦- رعاية كبار السن والفئات الأكثر احتياجاً من خلال دعم صحي واجتماعي ومالي يحفظ الكرامة ويحقق الأمان.

٧- ربط البحث العلمي بالإنتاج، وتوجيه التمويل إلى الأبحاث ذات الأولوية الوطنية، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والصناعة.

٨- تطبيق القانون ومكافحة الفساد ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار المال العام أو استغلال السلطة، بما يحقق العدالة والردع العام.

٩- ترسيخ الشفافية والحوار، وتوفير المعلومات الموثوقة، والاستماع إلى النقد، والاستفادة من الخبرات الوطنية، وإتاحة قنوات مؤسسية لمعالجة المشكلات.

١٠- تعزيز التنسيق العربي والإقليمي لحماية المصالح المشتركة، وتأمين الممرات البحرية، ومواجهة التحديات التي تتجاوز حدود الدول.

هذه ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات في منظومة واحدة، فلا اقتصاد قوي دون إنسان مؤهل، ولا إنسان قادر دون صحة وتعليم، ولا تنمية مستدامة دون مؤسسات ناجحة ومتابعة، ولا أمن قومي متماسك دون جبهة داخلية يشعر أبناؤها بالعدل والانتماء.

في النهاية، لا تطلبوا من الجبهة الداخلية أن تتماسك قبل أن تمنحوها أسباب التماسك. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول هو أن تتعامل مع تماسك المجتمع باعتباره أمراً مفروغاً منه، بينما تتجاهل الأسباب التي تصنع هذا التماسك. فالثقة لا تُطلب من المواطن بقدر ما تُبنى أمامه، والعدالة لا تُعلن بقدر ما تُطبق، والتنمية لا تُقاس بما تنفقه الدولة وحده، بل بما تغيره في حياة الناس، والانتماء لا يُختبر بالشعارات، بل بما يقدمه كل طرف من واجبات تجاه الوطن.

لقد أثبت التاريخ أن مصر تستطيع استعادة قوتها عندما تتوافر الرؤية والإرادة والتنظيم، لكن المستقبل لن يُصنع باستدعاء أمجاد الماضي وحدها، وإنما بقدرتنا على تحويل دروسه إلى سياسات، وإمكاناتنا إلى إنتاج، وطاقات شبابنا إلى فرص، وعلمنا إلى ابتكار وتطوير، ومؤسساتنا إلى أدوات فعالة لخدمة المواطن.

ومن منظور الأمن القومي، فإن قوة الدولة الحقيقية تبدأ من مواطن يشعر أن له مكاناً وحقاً ومستقبلاً في وطنه، ومن مؤسسات تدرك أن سلطتها مسؤولية، ومن اقتصاد يوفر أسباب الصمود، ومن مجتمع يعرف أن الاختلاف لا يلغي وحدة المصير.

لسنا بحاجة إلى مجتمع يتفق أفراده على كل شيء، فهذا غير واقعي، وإنما نحن بحاجة إلى مجتمع يتفق على أن الوطن أكبر من الخلافات، وأن إصلاح الدولة لا ينفصل عن حمايتها، وأن حماية الدولة لا تعني التنازل عن حق المواطن في العدل والكرامة.

إن مصر لا تحتاج إلى مواطنين يصفقون لها في كل الظروف، ولا إلى مسؤولين يطلبون الثقة دون أن يقدموا أسبابها. إنها تحتاج إلى مواطنين يعملون وينتجون ويشاركون، ومسؤولين يسمعون ويحاسبون ويصححون، ومؤسسات قوية وعادلة، ورؤية تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.

فالدولة القوية لا تطلب من مواطنيها أن يكونوا معها بالكلام فقط، بل تمنحهم أسباب الوقوف معها بالفعل، والمواطن الواعي لا يحمي وطنه بالصمت عن أخطائه، بل يشارك في إصلاحها ويحافظ على مقدراته ومستقبله.

هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم علاقتنا بوطننا: دولة تحمي الإنسان وإنسان يبني الدولة، ومؤسسات تصون الثقة، ومجتمع لا يتخلى عن مسؤوليته. فالوطن ليس ملكاً لمن يحكمه اليوم، ولا لمن يعارضه اليوم، وإنما هو أمانة في أعناق الجميع وحق للأجيال القادمة.

مصر للجميع والجميع من أجل مصر

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى