إزاحة السردية.. كيف يسهم صناع المحتوى في مواجهة التطرف الرقمي؟

في سياق التحولات المتسارعة في بيئة الاتصال والتأثير، جمع لقاء موسع بين وزير الدولة للإعلام المصري ونحو ٧٠ من صناع المحتوى الرقمي على المنصات الرقمية، ممن يتجاوز إجمالي جمهورهم وفقًا لبيان الوزارة ٥٠٠ مليون متابع.

تتجاوز الدلالة التحليلية لهذا الحدث مجرد كونه إجراءً تنظيميًا أو لقاءً بروتوكوليًا بين جهة لها مسؤولية سياسية وتنفيذية والفاعلين الجدد في الفضاء الرقمي؛ إذ يحمل في جوهره اعترافًا ضمنيًا بتأثيرهم وغيرهم من صناع المحتوى فيما يخص صياغة الأفكار عبر الفضاء الرقمي، خاصة عندما يكون الجمهور المستهدف من الفئة الأقل عمرًا.

وتستدعي هذه اللحظة الإعلامية توظيف نظريات الاتصال الحديثة، وفي مقدمتها “نظرية حراسة البوابة الإعلامية” لكورت ليفين؛ فالدولة لم تعد المحتكر الوحيد لبوابات التدفق المعرفي، بل أصبحت تفاوض شبكة معقدة من حراس البوابات الجدد (صناع المحتوى) الذين يملكون أدوات التحكم في توجيه أجندة الاهتمام الجماهيري لدى الأجيال الجديدة.

وهنا تحديدًا يتقاطع ملف الإعلام الرقمي مع الملف الأمني والاستراتيجي لمكافحة الإرهاب والتطرف. فالفراغ الناتج عن عدم مواكبة المؤسسات في السابق لأدوات العصر الرقمي ترك مساحات جاذبة تحولت إلى بيئة حاضنة تستغلها التنظيمات المتطرفة لضخ أفكارها وتجنيد الأفراد، مما يجعل إعادة هيكلة الشراكة مع المؤثرين ضرورة استراتيجية تهدف إلى إعادة توازن القوى داخل الفضاء الرقمي الشاسع.

لم يكن هذا الانخراط المؤسسي وليد الصدفة؛ فقد أدركت الدولة منذ فترة الأهمية الاستراتيجية لدمج المؤثرين وصناع المحتوى داخل الدائرة الرسمية، للاستفادة من قدراتهم التأثيرية الهائلة في تشكيل وعي الفئات العمرية الشابة والمراهقة. وتؤكد تجارب سابقة جدوى هذا التوجه، من خلال الاستعانة بهم في برامج توعوية ومبادرات وطنية موجهة للشباب.

واليوم، تبرز الحاجة الملحة لتوسيع نطاق هذا التوظيف ونقله إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية، ليطال ملف مكافحة الإرهاب والتطرف الفكري، إذ لم يعد ممكنًا مواجهة التنظيمات المتطرفة التي تتقن تكتيكات “الحرب النفسية الرقمية الناعمة” إلا بأدوات مماثلة تمتلك ذات القدرة على النفاذ الوجداني والنفسي، عبر شراكة حقيقية تدمج حيوية التأثير الرقمي برصانة الرسالة الوطنية.

تأسيسًا على هذا الواقع الجديد وتقاطعاته الأمنية والفكرية، يسعى التحليل إلى مناقشة الأسئلة المركزية التالية: ما هي الآليات الكفيلة بتسييل الكتلة الجماهيرية الضخمة، وتحويل مسارها لمحتوى بديل يفكك البنية النفسية والاجتماعية التي يعتمد عليها التجنيد الإرهابي؟ كيف تتمكن الدولة من بناء مظلة مرنة تمنع تحويل المعايير التنظيمية إلى أدوات إقصاء؟

إزاحة مفاهيم:

يكشف تحليل ظاهرة التطرف الرقمي عن عجز المقاربات التقليدية التي تعتمد على السجال الفقهي الصلب، إذ أثبتت الدراسات الصادرة عن معهد الحوار الاستراتيجي في لندن أن الرد المباشر على الشبهات والمتطرفين يعاني غالبًا من أثر “الفلاش المرتد”. فالرد المباشر يمنح السردية المتطرفة انتشارًا مجانيًا إضافيًا عبر الخوارزميات، ويضع المؤسسات الرسمية دائمًا في موقف المدافع المستجيب لمسارات الأجندة التي يحددها الخصم.

من هذا المنطلق، تتجلى قيمة استراتيجية الإزاحة الرقمية كبديل مفاهيمي أكثر فاعلية؛ وهي الاستراتيجية التي يلتقي عندها مضمون الخبر بمستهدفات مكافحة التطرف. فالتنظيمات الإرهابية تتعامل مع سبيل الاستقطاب وفق نظرية التهديد الاجتماعي والاحتياجات النفسية لأبراهام ماسلو وجون جوست؛ فهي لا تعتمد دائمًا على كسب أتباعها عبر قوة حججها الدينية أو السياسية، بل كثيرًا ما يكون الاستقطاب عبر تقديم إشباعات عاطفية واجتماعية ملحة، مثل: إشعار الفرد بالانتماء، وتوفير تنفيس موجه لحالة الغضب، وإضفاء معنى زائف على الذات المأزومة.

وهنا يبرز الربط الجوهري مع مبادرة التلاقي مع صناع المحتوى؛ فالهدف الاستراتيجي لمثل هذه المبادرات يجب أن يتمحور حول استثمار قدرات هؤلاء المؤثرين على ملامسة الاحتياجات النفسية للشباب بلغة عصرهم، وصناعة محتوى جاذب ينافس المادة المتطرفة على نفس المساحة الزمنية والانفعالية للجمهور، مما يؤدي إلى إزاحتها تدريجيًا وإغلاق منافذ التسلل إلى عقول النشء.

ترتكز الدعاية الإرهابية على ما يعرف في علم النفس السياسي بـ”نظرية التخفيف من عدم اليقين”. فعند وقوع الحوادث والأزمات وتأخر المعلومات الرسمية، يشعر الأفراد بحالة من الفراغ المعرفي، مما يجعلهم أكثر عرضة لتقبل السرديات البديلة والشائعات المضللة التي تقدم تفسيرات سريعة وجاذبة. ومن هنا يكتسب تصريح الوزارة بشأن إتاحة التصوير وتوفير المعلومات الموثوقة بسرعة تسبق الشائعة أهمية أمنية قصوى، فالسرعة هنا ليست ترفًا إعلاميًا، بل هي أداة لقتل الشائعة المضللة في مهدها.

ويعد النموذج الفنلندي في مواجهة الحرب الهجينة والدعاية المضللة مثالًا بارزًا؛ حيث اعتمدت الحكومة على مفهوم التحصين المسبق المستند إلى نظرية “التلقيح الفكري”. وتتلخص هذه الاستراتيجية في تزويد المؤثرين والجمهور بالحقائق فور وقوعها، مما يرفع مناعة المجتمع ويمنع السرديات المتطرفة من استغلال الفراغ المعلوماتي.

عليه، يمكن إزاحة المحتوى المتطرف عبر إعادة تقديم المفاهيم التي يستغلها الخطاب المتطرف، فحين يربط الولاء بالانتماء للتنظيم، يطرح المؤثرون صورًا واقعية للانتماء من خلال المشاركة وخدمة المجتمع، وحين يوظف الغضب أو الشعور بالظلم، يفتحون مساحة لفهم الوقائع ومناقشة سبل التعامل معها بمسؤولية. وتساعدهم لغتهم القريبة من الشباب وثقة الجمهور فيهم على إيصال هذه الرسائل عبر قصص ومعلومات موثوقة وحوار يجيب عن تساؤلات المتابعين. ومع تكرار المحتوى وتداوله، تتعزز المفاهيم البديلة وتضعف جاذبية التأويل المتطرف.

هندسة السرديات:

إذا كانت استراتيجية “الإزاحة الرقمية” تمثل الإطار العام لتقويض الخطاب المتطرف، فإن تفعيلها ميدانيًا وعمليًا يستدعي الانتقال من مجرد الحضور الكثيف إلى “هندسة السرديات البديلة”. فهذه الهندسة لا تقوم على العشوائية، بل تتطلب تفكيكًا دقيقًا لآليات الجذب التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية، وبناء محتوى متعدد الأبعاد يخاطب العقول والوجدان معًا، مستندًا في ذلك إلى أطر علم النفس السياسي والاجتماعي، لقطع الطريق نهائيًا أمام أي محاولات لاستغلال الفراغ المعرفي لدى الشباب.

لذلك، تقتضي المواجهة الفكرية تقسيمًا وظيفيًا للمحتوى الرقمي المطلوب، وفق نماذج هندسة السلوك الاجتماعي كالتالي:

(*) المحتوى الوقائي: يركز على تنمية مهارات التفكير النقدي، وتفكيك التحيزات المعرفية لدى الجمهور كوقاية من تعرضهم للتحريض.

(*) المحتوى المضاد: يستهدف تعرية البنية الهشة لمنظومة الأفكار لدى التنظيمات الإرهابية، وكشف تناقضاتها الأخلاقية والأيديولوجية.

(*) المحتوى البديل: يقدم نماذج إيجابية وسرديات واقعية تلبي تطلعات الشباب في النجاح والانتماء، دون الحاجة للجوء إلى التطرف.

من النماذج المقارنة يمكن تأمل تجربة منظمة المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف في واشنطن، من خلال مشروع Break Truth، حيث قام الباحثون بتصوير شهادات حية لمنشقين عن تنظيم “داعش”، وصياغتها في مقاطع فيديو قصيرة جدًا ومترجمة بلغات المنصات. حققت هذه المادة البديلة انتشارًا واسعًا، لأنها اعتمدت على سرديات واقعية صادمة، فككت أسطورة الخلافة من الداخل، دون الحاجة إلى مواعظ فكرية أو خطب تقليدية.

فخ التعليب:

أما فيما يخص إشكالية الحوكمة وبناء المظلة التنظيمية دون السقوط في فخ الإقصاء، فإن تفكيك هذا التحدي يتطلب تجنب الصيغ والقواعد الإدارية الجامدة. ولضمان ألا تتحول المعايير إلى أدوات إقصاء تدفع الفاعلين الأكثر استقطابًا للعمل في مساحات رمادية أو معادية، ينبغي الانتقال من منطق التصنيف الفوقي والنخبوي إلى منطق الشراكة المعيارية المرنة.

إذ تثير الملاحظات الواردة حول غياب تعريف قانوني ومؤسسي واضح لصانع المحتوى إشكالية هامة تتصل بنظرية “المصداقية الاتصالية” لكارل هوفلاند. تعتمد قوة صانع المحتوى على عامل الأهلية والثقة والشعور بأنه غير موجه. وإذا ما شعرت القواعد الجماهيرية بأن المؤثر قد جرى تعليبه داخل قالب رسمي صلب، فسيفقد فورًا قدرته على التأثير.

من الأمثلة على ذلك، التجربة البريطانية في إطار استراتيجية مواجهة التطرف؛ واجهت المبادرات الحكومية انتقادات شديدة نتيجة تهميش بعض الأصوات الشبابية المؤثرة أو محاولة إخضاعها لإملاءات صارمة، مما أدى إلى تراجع ثقة الشباب في تلك المبادرات. في المقابل، نجحت المبادرات التي اعتمدت على “الشراكة المرنة” على غرار شبكة Creators for Change المدعومة من اليونيسكو، والتي توفر الدعم اللوجستي والمعلوماتي للمؤثرين مع منحهم الحرية الكاملة في اختيار القالب الفني الذي يناسب جمهورهم.

تأسيسًا على هذا الطرح، يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات الموجهة لصناع القرار والمؤسسات الفكرية المعنية بملف الإرهاب والتطرف:

١- إنشاء غرفة عمليات وإتاحة رقمية: عدم الاكتفاء باللقاءات الموسمية، بل مأسسة آلية تواصل مرنة تمد صناع المحتوى المعتمدين بالبيانات المؤكدة والمواد المصورة فور حدوث الأزمات، لضمان سبق السردية الوطنية للروايات الإرهابية المضللة.

٢- الاعتماد على استراتيجية التصحيح المسبق: تدريب صناع المحتوى عبر ورش عمل تخصصية حول كيفية اكتشاف آليات التضليل وتفكيك خطابات الكراهية، وتزويدهم بالمعطيات التاريخية والفكرية التي تمكنهم من صناعة محتوى وقائي مبكر.

٣- اعتماد معايير حوكمة شاملة وغير انتقائية: وضع أطر تنظيمية قائمة على الأخلاقيات العامة والمسؤولية الوطنية، لضمان حسن استيعاب المؤثرين ذوي الجماهيرية العالية وتفادي ترك الفضاءات الرقمية غير المنظمة للتنظيمات المتطرفة.

٤- تطوير مؤشرات قياس الأثر السلوكي: التوقف عن اعتماد أرقام المشاهدات والإعجابات كمقياس وحيد للفعالية الأمنية، واستبدالها بمؤشرات تحليلية تتابع التغيرات في اتجاهات التعليقات، ومدى تراجع استخدام المصطلحات الراديكالية بين الفئات المستهدفة، بما يضمن تقييم النجاح الفعلي لإزاحة الخطاب المتطرف.

ختامًا، تظل مواكبة التحولات الرقمية ضرورة تفرضها طبيعة الجمهور وتبدل أدوات التأثير. وما يطرحه بعض العاملين في الصحافة والإعلام التقليدي من تحفظات يستحق النقاش والاستفادة منه في تطوير الأداء وصون المصداقية، على أن يظل الحوار متجهًا إلى تنظيم هذه المواكبة وتحسينها، لا إلى تجميدها، مما يتيح الجمع بين الخبرة المهنية للمؤسسات الإعلامية، وقدرات صناع المحتوى في بناء خطاب وطني فعمال في مواجهة التطرف الرقمي.

أسماء دياب

د. أسماء دياب، المدير التنفيذي للمركز، ورئيس برنامج دراسات التطرف والإرهاب، دكتوراه في القانون الدولي- كلية الحقوق جامعة عين شمس، حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة، وحاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. وحاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة، خبيرة في شئون الحركات الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى