لواء د. محمد الدسوقي يكتب.. الانتخابات الإسرائيلية.. مأزق الحكم وانعكاساته على توازنات المنطقة

أفرزت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مشهداً يصعب اختزاله في انتصار طرف وهزيمة آخر؛ إذ أظهرت النتائج الأولية استمرار الانقسام السياسي، وعجز المعسكرات الرئيسية عن حسم الأغلبية. حيث حصل معسكر “بنيامين نتنياهو” علي 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر المعارضة بقيادة “جادي آيزنكوت”، وحصلت الأحزاب العربية علي 19 مقعد، مع استمرار فرز أصوات قد تعدّل توزيع المقاعد. ولذلك، فإن هذه القراءة تتناول النتائج الأولية ودلالاتها، ولا تفترض حسم النتيجة النهائية أو تشكيل الحكومة.

تكشف هذه الخريطة عن أزمة تتجاوز المنافسة على رئاسة الحكومة إلى سؤال أعمق، هو: من يستطيع بناء أغلبية قابلة للاستمرار في مجتمع تتداخل داخله الانقسامات السياسية والدينية والقومية؟، وإقليمياً، تفتح هذه النتيجة مرحلة من عدم اليقين؛ لأن شكل الائتلاف المقبل، وموازين القوة داخله، سيحددان مساحة التحرك الإسرائيلي بين التصعيد والتسويات.

التقدم الانتخابي وحدود القدرة على الحكم:

احتفظ حزب “الليكود”، وفق التقديرات المنشورة، بموقع الحزب الأكبر بنحو 26 مقعداً، مقابل 21 لحزب “ياشار”، لكن تصدر حزب للنتائج لا يمنح زعيمه تلقائياً القدرة على تشكيل حكومة؛ فالمعيار الحاسم سيظل القدرة على جمع أغلبية برلمانية مستقرة حول برنامج مشترك.

ومن هنا، يمكن قراءة النتيجة باعتبارها تقييداً لقدرة “نتنياهو” على الانفراد بتحديد اتجاه المرحلة، مع بقاء فرصه السياسية قائمة. وفي المقابل، تواجه المعارضة اختبار تحويل الاعتراض على استمراره إلى اتفاق على بديل؛ إذ إن الاتفاق على تغيير رئيس الحكومة أسهل من الاتفاق على التجنيد، والقضاء، والقضية الفلسطينية، وحدود مشاركة الأحزاب العربية.

وتبرز ثلاثة مسارات محتملة: نجاح “نتنياهو” في توسيع قاعدة داعميه، أو تشكيل حكومة بديلة بمشاركة أو دعم عربي، أو استمرار الانسداد بما يدفع نحو انتخابات جديدة. ويظل احتمال حكومة وحدة أو تسوية انتقالية مرتبطاً بقدرة الأطراف على تجاوز تعهداتها الانتخابية وتحديد أولويات مشتركة. وهذه مسارات تفاوضية محتملة، وليست نتائج محسومة.

الداخل الإسرائيلي .. صراع على المسؤولية وهوية الدولة:

داخلياً، يُرجح أن تعيد مفاوضات تشكيل الحكومة فتح ملفات المسئولية عن الإخفاقات الأمنية، وحدود استقلال المؤسسات، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية. وقد دخلت إسرائيل الانتخابات وسط خلافات حادة بشأن إعفاء المتدينين المتشددين من التجنيد، ومسئولية القيادة عن أحداث السابع من أكتوبر 2023، وإدارة الحرب، إلى جانب الاتهامات القضائية التي تواجه “نتنياهو”.

والدلالة الأهم أن هذه الملفات مترابطة.،فالتجنيد يرتبط بمفهوم المساواة في تحمل الأعباء، والمسائلة الأمنية ترتبط بالثقة في القيادة، والخلاف حول القضاء يرتبط بحدود سلطة الحكومة، لذلك، قد يتوقف استقرار الائتلاف المقبل على قدرته على إدارة هذه التناقضات، بقدر توقفه

على عدد مقاعده. كما أن ارتفاع الوزن البرلماني للأحزاب العربية يفتح اختباراً لموقع المواطنين العرب في صناعة القرار، فإذا استقر تمثيلها عند المستوى الذي أظهرته النتائج الأولية، فقد تصبح أكثر تأثيراً في معادلة تشكيل الحكومة، لكن تحويل هذا التأثير العددي إلى نفوذ فعلي سيعتمد على استعداد شركاء محتملين للتعاون معها، وعلى قدرتها على الاتفاق حول مطالب سياسية ومدنية واضحة.

اقتصادياً، قد تؤدي إطالة المفاوضات إلى تأجيل قرارات تخص الموازنة والإنفاق وإعادة الإعمار، وإبقاء المستثمرين أمام قدر مرتفع من عدم اليقين، وفي المقابل، يمكن لحكومة تتمتع ببرنامج واضح واستقرار نسبي أن تخفف هذه الضغوط، بشرط قدرتها على ضبط الإنفاق وإدارة كلفة الالتزامات الأمنية والاجتماعية.

القضية الفلسطينية .. تأثير الائتلاف وحدود التغيير:

في التقدير، ستظل القضية الفلسطينية الاختبار الأكثر وضوحاً لاتجاه الحكومة المقبلة، فاستمرار اعتماد “نتنياهو” على قوى اليمين المتشدد قد يرفع كلفة تقديم تنازلات تتعلق بغزة أو الاستيطان أو مستقبل السلطة الفلسطينية، بينما قد يتيح ائتلاف أوسع مساحة أكبر للتفاوض، إذا ارتبط بقواعد واضحة لاتخاذ القرار.

ومع ذلك، فإن تغيير القيادة لا يكفي وحده لاستنتاج تحول شامل في السياسة الإسرائيلية، فهناك فرق بين تعديل أسلوب إدارة الصراع، وقبول تسوية سياسية تعالج جذوره، وقد تتجه حكومة جديدة إلى تحسين علاقتها بواشنطن والعواصم العربية، وتخفيف الاحتكاك الدولي، مع استمرار تحفظات جوهرية بشأن الدولة الفلسطينية والسيطرة الأمنية.

وفي غزة، سيبرز الاختبار في القدرة على الانتقال من الإجراءات العسكرية والترتيبات المؤقتة إلى تصور قابل للتنفيذ للحكم والأمن وإعادة الإعمار، أما في الضفة الغربية، فسيكون الموقف من الاستيطان وعنف المستوطنين وصلاحيات السلطة الفلسطينية مؤشراً أكثر دقة على اتجاه السياسة من الخطاب السياسي وحده.

إيران .. توافق على التهديد واختلاف في إدارة المواجهة:

في الملف الإيراني، يُرجح أن تظل الخلافات الإسرائيلية مرتبطة بتوقيت استخدام القوة، وحدوده، وكلفته، ومدى التنسيق مع الولايات المتحدة، فوجود قيادة ذات خلفية عسكرية لا يعني تلقائياً الميل إلى الحرب، كما أن رفع سقف التهديد السياسي لا يعني بالضرورة توافر قرار عملياتي بالتنفيذ.

وهنا يمكن للانتخابات أن تنتج أثرين متعارضين: ائتلاف – هش – قد يتجنب مواجهة واسعة خشية تداعياتها، أو قيادة تسعى إلى توظيف الخطر الخارجي لتعزيز تماسكها الداخلي، ولا يجوز الجزم بأحد المسارين مسبقاً؛ لأن القرار سيتأثر أيضاً بالتقديرات الاستخباراتية، والاستعداد العسكري، والموقف الأمريكي، وحسابات الرد الإيراني.

وبالنسبة لدول الخليج، فإن المعيار الأهم سيكون مدى مراعاة أي تحرك عسكري لأمن المنشآت الحيوية والملاحة والطاقة. فإدارة المواجهة مع إيران تحمل تبعات إقليمية تتجاوز قدرة أي حكومة إسرائيلية على حصرها في نطاق ثنائي.

لبنان وسوريا والبحر الأحمر .. اختلاف الساحات ووحدة الحسابات:

قد تبحث الحكومة المقبلة في الجبهة اللبنانية عن ترتيبات تحقق أمناً حدودياً يمكن تقديمه للداخل بوصفه إنجازاً، لكن هشاشة الائتلاف قد تجعل التسوية عرضة للضغط، كما قد تجعل التصعيد المحدود وسيلة لإثبات الحزم، وسيكون الاختبار في توافر ترتيبات قابلة للاستمرار وآليات تمنع تجدد المواجهة.

وفي سوريا، ستظل حسابات الحدود، وانتشار السلاح، وتحركات القوى الإقليمية عناصر مؤثرة في القرار الإسرائيلي، أما في البحر الأحمر، فإن التعامل مع تهديدات الملاحة سيظل مرتبطاً بأمن التجارة والطاقة وبحسابات الولايات المتحدة ودول المنطقة، بما يحد من جدوى المعالجة العسكرية المنفردة.

والعامل المشترك بين هذه الساحات هو خطر انتقال التصعيد من جبهة إلى أخرى، ولذلك، فإن اتساع هامش الحركة العسكرية للحكومة لا يعني بالضرورة زيادة قدرتها على تحقيق نتائج سياسية مستقرة.

واشنطن والعواصم العربية .. اختبار الشراكات:

ستظل العلاقة مع الولايات المتحدة عاملاً أساسياً في قدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على التحرك، لكن أثرها سيتوقف على درجة التوافق بشأن إيران وغزة وأولويات الاستقرار الإقليمي، وقد يسعى أي رئيس حكومة إلى توظيف هذه العلاقة لتعزيز شرعيته الداخلية، بينما ستسعى واشنطن إلى حكومة قادرة على تنفيذ التزاماتها.

وعلى المستوى العربي، قد توسع حكومة أقل اعتماداً على القوى المتشددة فرص الاتصال والتفاهم، لكن استدامة أي انفتاح ستتطلب سلوكاً عملياً في الملف الفلسطيني، فالاتفاقات الاقتصادية والأمنية تظل معرضة للاهتزاز إذا استمر التصعيد أو غاب الأفق السياسي.

وبالنسبة لمصر، فإن تقييم الحكومة المقبلة ينبغي أن ينطلق من سياساتها تجاه غزة، ورفض التهجير، وأمن الحدود، واحترام معاهدة السلام، وفرص التهدئة وإعادة الإعمار، كما تقتضي المصلحة المصرية متابعة توزيع الحقائب والصلاحيات داخل الائتلاف، لأن نفوذ الوزراء والشركاء قد يكون مؤثراً بقدر هوية رئيس الحكومة نفسه.

قي ضوء ما سبق، فإن النتائج الأولية للانتخابات تشير إلي أن الإسرائيلية تواجه صعوبة في إنتاج تفويض سياسي واضح، بينما تبقى قراراتها ذات أثر مباشر على أمن المنطقة، وستظهر الدلالة الحقيقية للانتخابات في اتفاق الائتلاف المقبل: من يملك قرار الحرب، وما حدود التسوية، وكيف تُوزع المسؤولية داخل الحكومة؟، ومن ثم، فإن القراءة العربية الأدق تقتضي ربط أسماء الفائزين بقدرتهم على تغيير السياسات، وقياس هذا التغيير بما يتحقق على الأرض من تهدئة وحماية للحقوق واحترام لسيادة الدول.

دكتور محمد الدسوقي سيد الأهل

اللواء د. محمد الدسوقي سيد الأهل، كبير الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية وأحد خبراء المركز في الشؤون الاستراتيجية والأمنية. شغل منصب رئيس جهاز الأمن الحربي، ومدير كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية، ومدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة. حصل على دكتوراه إدارة الأعمال من جامعة حلوان، ودكتوراه العلوم السياسية والأمنية بجامعة القاهرة، وزمالة كلية الدفاع الوطني. خبير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية وإدارة الأزمات، ومن مؤلفاته "الأمن القومي للدولة" و"هدم الأوطان" و"الإدارة الاستراتيجية لمنظمات الأعمال المعاصرة".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى