السيناريوهات الأربعة.. كيف تتجه الأزمة الإثيوبية؟

لم يعد التصعيد الجاري في شمال إثيوبيا مجرد جولة جديدة من التوتر بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيجراي، فالمشهد يتجاوز حدود الإقليم إلى أزمة أوسع ترتبط بعلاقة المركز بالأقاليم، واتساع رقعة المواجهات المسلحة، ودخول قوى تنتمي إلى أقاليم وقوميات مختلفة على خط الصراع، في وقت لا تزال فيه تداعيات حرب 2020–2022 حاضرة في الداخل الإثيوبي.

وبعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا، الذي أوقف الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، عادت المواجهات إلى شمال البلاد وامتدت إلى مناطق مجاورة، بالتزامن مع تحركات وتحالفات جديدة لقوى مسلحة إثيوبية، بعضها يرفع سقف أهدافه إلى ما يتجاوز المطالب الإقليمية، وصولًا إلى تغيير موازين السلطة في المركز وإعادة النظر في شكل النظام القائم.

وفي 23 سبتمبر 2026، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن “قلق بالغ” إزاء التدهور السريع في شمال إثيوبيا، مشيرًا إلى السيطرة على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، واتساع نطاق الأعمال القتالية داخل تيجراي والمناطق المجاورة، ودعا الأطراف إلى خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض في إطار اتفاق بريتوريا.

وتأسيسًا على ذلك، يحاول هذا التقدير استشراف الاتجاهات المحتملة للأزمة الإثيوبية خلال المرحلة المقبلة، والإجابة عن سؤال رئيسي: إلى أين يمكن أن يقود التصعيد الحالي، وكيف يمكن أن تنتهي الأزمة؟

من صراع تيجراي إلى أزمة الدولة الإثيوبية:

يصعب اختزال الأزمة الراهنة في الخلاف بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير شعب تيجراي، فإثيوبيا تواجه في الوقت نفسه أزمات مرتبطة بعلاقة المركز بالأقاليم، والصراع في أمهرا، والتمرد في أجزاء من أوروميا، والتوتر مع إريتريا، والخلافات الحدودية، إضافة إلى السؤال الأوسع حول مستقبل النظام الفيدرالي وتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم.

وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال محتمل من الصراع على توزيع السلطة داخل الدولة إلى الصراع على شكل الدولة نفسها، ومن يملك حق إعادة تشكيلها. فقد دخلت قوى إثيوبية مسلحة تنتمي إلى أقاليم وقوميات ومجالات صراع مختلفة في تحالفات جديدة مع جبهة تحرير شعب تيجراي، من بينها قوات فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب فصائل أصغر في أوغادين وعفار وبني شنقول-قمز.

إلا أن تماسك هذه التحالفات يظل موضع تساؤل؛ إذ تشير تقارير إلى اختلاف أهداف مكوناتها ووجود خلافات داخلية وانشقاقات، بما يعني أن التحالف ضد الحكومة المركزية لا يساوي بالضرورة وجود مشروع سياسي موحد لما بعد الصراع، وهي نقطة قد تكون حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة ومستقبل الدولة حال حدوث تغير كبير في موازين القوى.

السيناريوهات الأربعة:

ثمة أربعة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تتجه الأزمة الإثيوبية نحو أحدها خلال المرحلة المقبلة، ويمكن توضيحها على النحو التالي:

(-) السيناريو الأول – الاحتواء والعودة إلى التفاوض: يقوم هذا السيناريو على نجاح الاتحاد الأفريقي والوسطاء الإقليميين والدوليين في منع تحول الجولة الحالية إلى حرب شاملة، وإعادة الأطراف إلى إطار اتفاق بريتوريا. وهذا لا يعني بالضرورة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل التصعيد، وإنما قد يقود إلى تسوية سياسية جديدة تتناول قضايا أكثر عمقًا، مثل وضع المناطق المتنازع عليها، وإعادة دمج القوى المسلحة، وترتيبات السلطة في تيجراي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم.

وتكتسب الوساطة الأفريقية أهمية خاصة هنا؛ فالأمم المتحدة أعلنت دعمها لجهود الاتحاد الأفريقي، بما فيها اتصالات الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيجون أوباسانجو، بهدف خفض التوتر واستئناف الحوار.

(-) السيناريو الثاني – حرب داخلية ممتدة: إذا فشل الاحتواء، فقد تتحول المواجهات الحالية إلى حرب طويلة تشبه، من حيث الاتساع الجغرافي، حرب 2020–2022، وإن اختلفت عنها في تركيبتها السياسية والعسكرية.

وتشير الأحداث الحالية إلى أن القتال امتد بالفعل إلى تيجراي وأمهرا وعفار، وأن القوات الحكومية والقوى المناهضة لها تخوض مواجهات على عدة محاور. كما أفادت تقارير باستعادة القوات الحكومية مناطق استراتيجية، في حين استولت القوى المناهضة للحكومة على مواقع ومطارات في بداية الجولة الجديدة.

والأخطر في هذا السيناريو أن استمرار الحرب لن يعني بالضرورة سقوط الحكومة المركزية، بل قد ينتج عنه بقاء الدولة المركزية، ولكن بصورة أكثر إنهاكًا، مقابل أقاليم أكثر تسلحًا، واقتصاد أكثر تأثرًا باستمرار الحرب، ومجتمع تزداد داخله الانقسامات القومية والسياسية.

(-) السيناريو الثالث – تعدد مراكز القوة وتفكك المعارضة نفسها: قد تنجح المعارضة المسلحة في إضعاف الحكومة دون أن تتمكن من إنتاج بديل سياسي موحد. وهذا هو سيناريو إضعاف المركز أو إسقاطه دون الاتفاق على ترتيبات اليوم التالي، وكيفية إدارة الدولة، وشكل النظام السياسي، ووضع الدستور الجديد للبلاد.

فالقوى التي تجمعها مواجهة الحكومة الفيدرالية ليست بالضرورة متفقة على شكل النظام السياسي، أو حدود الأقاليم، أو توزيع الموارد، أو طبيعة العلاقة بين القوميات. كما أن المصالح التي تدفع هذه القوى إلى التحالف في مواجهة الحكومة قد تتحول نفسها إلى نقاط خلاف إذا تغيرت موازين القوى داخل الدولة.

وبالتالي، فإن إضعاف الحكومة المركزية قد لا يقود إلى حكومة بديلة، وإنما إلى تعدد مراكز القوة المسلحة. وهذه النتيجة ستكون أكثر تعقيدًا من مجرد حرب أهلية بين طرفين؛ لأن أي تسوية مستقبلية ستصبح مطالبة بجمع عدد أكبر من الفاعلين، لكل منهم مصالحه ومخاوفه وقاعدته الاجتماعية وقدرته العسكرية.

(-) السيناريو الرابع – تدويل الصراع: يثير هذا السيناريو أكبر قدر من القلق على المستوى الإقليمي؛ فكلما اتسع الصراع الداخلي، زادت احتمالات ارتباطه بالتوتر الإثيوبي–الإريتري، والحرب السودانية، وأمن البحر الأحمر، والتنافس على الوصول إلى الموانئ، فضلًا عن علاقات إثيوبيا مع الصومال وأرض الصومال.

وقد بدأت مؤشرات هذا التدويل تظهر في الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا وجيرانها. ففي حين تتهم أديس أبابا مصر والسودان وإريتريا بدعم القوى المناهضة للحكومة، ينفي المعنيون هذه الاتهامات، بينما تتبادل إثيوبيا والسودان بدورهما اتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة.

وبذلك، يمكن أن ينتقل الصراع من أزمة داخلية إثيوبية إلى صراع أكثر اتساعًا تتقاطع فيه ساحات إثيوبيا والسودان وإريتريا والبحر الأحمر، بما يجعل تطورات الداخل الإثيوبي مرتبطة بصورة متزايدة بحسابات الأمن والمصالح الإقليمية.

في النهاية، لا تبدو الأزمة الإثيوبية أمام مسار واحد يمكن توقع نهايته بسهولة، فالسيناريوهات الأربعة تظل مفتوحة، وقد تتداخل فيما بينها بدلًا من تحقق أحدها بصورة منفردة. فقد يبدأ المسار بمحاولة للاحتواء، ثم ينزلق إلى حرب ممتدة، أو يؤدي ضعف المركز إلى تعدد مراكز القوة، بينما يفتح استمرار القتال الباب أمام تدخلات وحسابات إقليمية أوسع. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة الحكومة على حسم المواجهات العسكرية، وإنما بقدرة الدولة الإثيوبية نفسها على إدارة تناقضاتها الداخلية، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم، ومنع تحول أزماتها المتعددة إلى صراع يصعب احتواؤه داخل حدودها.

د. محمد فؤاد رشوان

خبير مشارك في شئون الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى