القيادة الموزعة.. هل يحمل اتساع “قاع الهامور” مخاطر محتملة؟

بغض النظر عن نوايا القائمين على جروب “شكاوى أهالي قاع الهامور”، فإن التحول اللافت الذي شهده الجروب خلال فترة قياسية يستدعي التوقف أمامه وتحليله، ليس باعتباره مجرد “تريند” ساخر عابر، وإنما بوصفه ظاهرة رقمية تكشف جانبًا مهمًا من التحولات التي طرأت على طبيعة التفاعل المجتمعي، وقدرة منصات التواصل الاجتماعي على تحويل فكرة بسيطة إلى حالة جماهيرية واسعة تتجاوز حدودها الأولى.
تأسيسًا على ماسبق، يطرح هذا التحليل السؤال التالي، وهو: كيف يفكر مجتمع “قاع الهامور”، وما هي مخاطره؟
حدود اتساع الظاهرة:
فبحسب الأرقام المتداولة، تجاوز عدد أعضاء الجروب، حتى وقت كتابة التحليل، حاجز المليون و200 ألف شخص خلال أقل من 48 ساعة، بالتزامن مع تصدر اسم “قاع الهامور” قوائم التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وهو رقم يعكس سرعة لافتة في تكوين مجتمع افتراضي حول فكرة لم تبدأ في الأساس باعتبارها قضية سياسية أو حملة منظمة، وإنما انطلقت من قالب ساخر مستمد من عالم الكارتون الشهير “سبونج بوب”.
وتحديدًا من مدينة Bikini Bottom، التي عُرفت عربيًا باسم “قاع الهامور”، أعاد المستخدمون إنتاج الفكرة داخل سياق مصري ساخر يحاكي جروبات “شكاوى المناطق”، فتحولت المدينة الكرتونية إلى مجتمع افتراضي له أهالي وشكاوى ومواقف وحكايات، وأصبح كل مستخدم قادرًا على إضافة محتوى جديد إلى هذا العالم، وهو ما منح الفكرة قدرة استثنائية على الانتشار؛ لأن الجمهور لم يكن مجرد متلقٍ لمحتوى جاهز، بل أصبح شريكًا في صناعته وتطويره وإعادة إنتاجه.
وعلى ما سبق، يمكن القول إن سرعة انتشار شكاوى أهالي قاع الهامور لا يمكن تفسيرها فقط بخفة الفكرة أو ارتباطها بذاكرة جماعية معروفة، وإنما أيضًا بقدرة السوشيال ميديا على خلق حالة جماعية يشعر المستخدم داخلها بأنه جزء من شيء أكبر منه. فالمشاركة نفسها تصبح وسيلة للانتماء، وكل منشور جديد يضيف طبقة أخرى إلى مجتمع افتراضي يتوسع بفعل أعضائه، وليس فقط بفعل جهة مركزية تدير عملية الانتشار.
ومن هذه الزاوية، يصبح الرقم الضخم لأعضاء الجروب مؤشرًا يتجاوز فكرة التريند، لأنه يعكس تحول الجمهور من مجرد مستهلك للمحتوى إلى طرف فاعل في تشكيله. فالمستخدم اليوم لا ينتظر فقط ما تقدمه له وسائل الإعلام أو الصفحات الكبرى، وإنما يستطيع أن يصنع مساحة اهتمامه بنفسه، وأن يشارك في تحديد موضوعاتها ولغتها وأشكالها، وأن يمنحها خلال ساعات انتشارًا ربما يفوق ما تحققه حملات إعلامية منظمة خلال أسابيع.
اتجاهات توظيف قاع الهامور:
هنا يظهر البعد الأهم المتعلق بالوعي المجتمعي؛ فالوعي في البيئة الرقمية لم يعد بالضرورة مرتبطًا بالمحتوى الجاد أو الخطاب المباشر، وإنما أصبح يظهر أيضًا في طريقة تفاعل الناس مع القضايا والمواقف، وفي قدرتهم على التعبير عن تفاصيل حياتهم، وفي اختيارهم للأفكار التي يتبنونها أو يعيدون إنتاجها. وحتى السخرية، التي تبدو في ظاهرها مجرد وسيلة للترفيه، يمكن أن تعكس اهتمامات الجمهور ومزاجه العام وطريقته في التعبير عن نفسه.
ومن ثم، يمكن قراءة شكاوى أهالي قاع الهامور، باعتباره مرآة لجانب من الوعي المجتمعي الرقمي؛ ليس لأنه يقدم بالضرورة محتوى توعويًا بالمعنى التقليدي، وإنما لأنه يكشف قدرة المجتمع على التفاعل الجماعي وصناعة المحتوى وتشكيل مساحات جديدة للتعبير. وهذه القدرة أصبحت في حد ذاتها عنصرًا مهمًا في فهم المجتمع وطريقة تفكيره وما يجذب اهتمامه.
لكن اتساع أي ظاهرة رقمية إلى هذا الحجم يفتح في الوقت نفسه بابًا آخر يتعلق بالمسؤولية وحدود استخدام الاسم. فكلما أصبح للتريند جمهور ضخم، أصبح من السهل أن يحاول آخرون توظيف اسمه أو هاشتاجه في سياقات مختلفة، وهو ما ظهر بالفعل مع تداول منشورات ذات طابع سياسي مرتبطة باسم “قاع الهامور”. وفي هذا السياق، أعلن القائمون على الجروب عدم مسؤوليتهم عن أي منشورات سياسية تُنشر باسم الترند خارج إطار الجروب، وهو أمر مهم عند محاولة الفصل بين الفكرة الأصلية وأي استخدامات لاحقة قد لا تعبر عنها.
قابلية إعادة التوجيه.. مقارنات دولية:
المؤكد أن المسألة لا تتوقف عند حدود الفصل بين المحتوى الأصلي والمحتوى المنسوب إليه؛ فالمجتمعات الرقمية الكبيرة تحمل بطبيعتها درجة من القابلية لإعادة التوجيه. فحين يتجمع أكثر من مليون مستخدم حول مساحة واحدة، وتتكون بينهم لغة مشتركة ورموز ونكات وشخصيات يعرفها الجميع، فنحن لا نكون فقط أمام جمهور كبير، وإنما أمام شبكة اجتماعية مكتملة العناصر يمكن، نظريًا، أن تصبح هدفًا لمحاولات الاستقطاب أو تمرير رسائل مختلفة داخل المحتوى الأكثر انتشارًا.
ولا يعني ذلك أن “قاع الهامور” يتجه إلى هذا المسار، أو أن وراءه أهدافًا سياسية خفية، لكن تجارب دولية سابقة تشير إلى أن المجتمعات الرقمية قد تبدأ حول قضايا اجتماعية أو ثقافية أو حتى ساخرة، ثم تتغير وظائفها مع اتساع جمهورها ودخول فاعلين جدد إليها. والخطر هنا لا يرتبط بالفكرة التي نشأ حولها المجتمع الرقمي بقدر ما يرتبط بحجم الشبكة التي تكونت وسرعة تداول المحتوى داخلها.
لقد ظهرت ملامح مشابهة لمجتمع قاع الهامور، وإن كانت في سياقات مختلفة تمامًا، منها تجربة حركة “السترات الصفراء” في فرنسا، التي لعبت مجموعات وصفحات فيسبوك دورًا مهمًا في تحويل حالة غضب اجتماعي متفرقة إلى شبكات واسعة للتواصل والحشد. كما أظهرت تجربة هونج كونج عام 2019 كيف تحول منتدى LIHKG من مساحة للنقاش وتبادل المحتوى إلى منصة مركزية يتداول عبرها المستخدمون المعلومات ويتناقشون بشأن التحركات والتكتيكات، رغم الطبيعة اللامركزية للحركة وعدم وجود قيادة تقليدية واحدة.
بالتالي، تكشف الحالات السابق ذكرها أن أخطر ما في المجتمعات الرقمية ليس بالضرورة المحتوى الذي تبدأ به، وإنما البنية الاجتماعية الرقمية التي تنشأ حول هذا المحتوى. فبمجرد تكوين كتلة ضخمة من المستخدمين الذين تجمعهم لغة واحدة وشعور بالانتماء إلى مساحة مشتركة، تصبح عملية نقلهم من موضوع إلى آخر أسهل نسبيًا، خاصة إذا جرى ذلك بصورة تدريجية من خلال محتوى ساخر أو عاطفي أو قضايا تحظى بتوافق واسع.
ويزداد هذا الخطر عندما تغيب الحدود الواضحة بين صانع المحتوى والمتلقي؛ إذ يستطيع أي مستخدم إنتاج منشور قابل للانتشار، بينما تستطيع حسابات أو صفحات خارجية استغلال الاسم الرائج أو إعادة تدوير رموزه في سياقات لم تكن موجودة عند نشأته. وهنا قد تحدث عملية “اختطاف للتريند”، بحيث يبقى الاسم نفسه بينما يتغير مضمون بعض الرسائل المرتبطة به.
وتبرز تجربة هونج كونج تحديدًا جانبًا آخر مهمًا؛ إذ أظهرت دراسات تناولت منتدى LIHKG أن المنصات الرقمية لا تحتاج دائمًا إلى قيادة مركزية حتى تؤدي دورًا في التعبئة، لأن التفاعل الكثيف نفسه قد يفرز أشكالًا من القيادة الموزعة، ويجعل بعض المنشورات والأفكار أكثر قدرة على توجيه اهتمام الجمهور من غيرها. ومن هنا يصبح الحجم وحده عنصر قوة، حتى لو لم تكن هناك جهة واحدة تتحكم في كل تفاصيل المجتمع الرقمي.
لكن، لا تعني المقارنة بين الحالات السابقة و”قاع الهامور” المساواة بينها في الأهداف أو السياقات؛ فالفارق واضح بين جروب ساخر وحركات احتجاجية ذات مطالب سياسية واجتماعية. لكن المقارنة تتعلق بآلية تكوين الكتلة الرقمية، وبالسرعة التي يمكن أن تتحول بها المساحات الإلكترونية من مجرد تجمع لأفراد يتشاركون الاهتمام نفسه إلى مجتمع يمتلك لغته ورموزه وقدرته على نشر الرسائل والتأثير في النقاش العام.
تحولات محتملة:
تأسيسًا على ماسبق، فإن التعامل مع مثل هذه الظواهر لا ينبغي أن يقوم على التخويف منها أو محاولة تقييدها، وإنما على فهمها ورصد التحولات التي تطرأ على محتواها، والتمييز بين النشاط التلقائي للجمهور وبين محاولات توظيف الكتلة الرقمية من جانب أطراف أخرى. فالمشكلة ليست في أن يضحك مليون شخص على الفكرة نفسها، وإنما تبدأ عندما يدرك طرف ما أن أمامه مليون شخص مجتمعين بالفعل في مساحة واحدة، ويحاول استثمار هذا التجمع لتحقيق هدف مختلف.
وهنا تحديدًا تتحول الظاهرة من مجرد مادة للسخرية إلى حالة تستحق القراءة الإعلامية والمجتمعية؛ لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا انتشر “قاع الهامور”؟ وإنما أصبح: ماذا تقول هذه السرعة في الانتشار عن طبيعة الجمهور الرقمي اليوم؟ وكيف أصبح بالإمكان، خلال ساعات قليلة، بناء مجتمع افتراضي يضم أكثر من مليون شخص حول فكرة بدأت من عالم كرتوني؟ والأهم: من يستطيع لاحقًا مخاطبة هذا المجتمع والتأثير فيه؟
الإجابة تكشف تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الجمهور والمنصات؛ فالسوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، وإنما أصبحت بيئة تتشكل داخلها مجتمعات كاملة، لها لغتها وشخصياتها وقواعدها ومحتواها، ويشارك الجمهور نفسه في بنائها وتوسيعها. وهذا يعني أن فهم المزاج المجتمعي لم يعد ممكنًا من خلال وسائل الإعلام التقليدية وحدها، بل أصبح من الضروري أيضًا قراءة ما يحدث داخل هذه المجتمعات الرقمية، وفهم أسباب صعودها وطبيعة التفاعل داخلها والتحولات التي قد تطرأ عليها.
وفي النهاية، قد تختفي شكاوى أهالي قاع الهامور كما اختفت قبله عشرات الترندات، وقد يستمر لفترة أطول، لكن عمر الترند ليس هو القضية الأساسية. الأهم أن الظاهرة قدمت نموذجًا واضحًا لقوة الجمهور في العصر الرقمي، وقدرته على تحويل فكرة هزلية مستمدة من “سبونج بوب” إلى مساحة جماهيرية ضخمة خلال وقت قياسي. وفي المقابل، فإن القوة نفسها تفرض ضرورة الانتباه إلى أن المجتمعات الرقمية، مهما كانت نقطة بدايتها بسيطة أو ساخرة، يمكن أن تصبح هدفًا للتوظيف وإعادة التوجيه بمجرد وصولها إلى كتلة جماهيرية مؤثرة.