هندسة اجتماعية.. ماذا حققت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)؟

فاطمة أيمن صابر- باحثة مساعدة
شهدت مصر تحولات عدة في التعامل مع ملف حقوق الإنسان، حيث تحول من كونه مجرد التزامات دولية إلى ركيزة أساسية للأمن القومي وجهود التنمية، وتطبيقًا عمليًا لتوجيهات القيادة السياسية بشأن مشروع بناء الإنسان المصري كأولوية استراتيجية. ويكمن التحول الأبرز في التجربة المصرية في بعدها المؤسسي؛ حيث برز عام ٢٠١٨ كنقطة انطلاق حقيقية بصدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٣٩٦ بإنشاء اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان كإطار تنسيقي جامع. وقد تبلور هذا الجهد لاحقًا في صياغة أول وثيقة متكاملة وهي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021 – 2026)، مما يمثل انتقالًا من الإدارة اللحظية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
تأسيسًا على ما سبق؛ يستهدف هذا المقال تقييم منجزات الاستراتيجية وأولويات الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة قياس الأثر في الفترة القادمة (2026-2031).
فلسفة التأسيس
انطلقت مرحلة التأسيس من إدراك الدولة لضرورة صياغة رؤية موحدة تتجاوز العمل المنفصل للوزارات، بهدف توحيد السردية الوطنية لملف حقوق الإنسان، وإيجاد آلية تنسيق مركزية. وقد انعكس هذا التوجه في تعزيز الالتزام بتقديم التقارير الوطنية للآليات الدولية (مثل لجان المعاهدات بالأمم المتحدة) بانتظام.
وتعزيزًا لهذا المسار، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2396 لسنة 2018 بإنشاء “اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان”، والتي ضمت ممثلين عن 12 وزارة ومجلسًا قوميًا، مثل وزارات الخارجية والداخلية والعدل والتضامن الاجتماعي، والمجالس القومية للمرأة والطفولة. كما قامت الأمانة الفنية للجنة بمراجعة الملاحظات الختامية الصادرة عن 7 لجان تعاهدية تابعة للأمم المتحدة، لضمان توافق الأهداف الوطنية مع الالتزامات الدولية. وفي هذا السياق، تلقت مصر 372 توصية من الدول الأعضاء في جلسة الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف نوفمبر 2019، وتم تحويل التوصيات المقبولة -التي تجاوزت نسبتها 72%- لتصبح جزءًا من المستهدفات التنفيذية داخل وثيقة الاستراتيجية الوطنية.
وعلى صعيد منهجية الصياغة، تجلت الإرادة السياسية في تبني نهج تشاركي واسع النطاق، حيث استغرق إصدار الوثيقة الأولى عملية تحضير مؤسسي لما يقارب 36 شهرًا. وقد تجلى هذا النهج في تشكيل هيئة استشارية ضمت ٢٥ خبيرًا في مختلف التخصصات، إلى جانب عقد 6 جلسات استماع موسعة ضمت ممثلين عن أكثر من ٨٥ منظمة مجتمع مدني من مختلف أنحاء البلاد لضمان التعبير عن الأولويات المحلية. علاوة على ذلك، استندت اللجنة في صياغتها إلى توصيات المجلس القومي لحقوق الإنسان، مستفيدة من تصنيفه المستقل وفقًا لمبادئ باريس، مما أضفى على الاستراتيجية شرعية مجتمعية وموثوقية دولية في آن واحد.
منجزات مؤسسية ووطنية
لم تقتصر خطة عمل مؤسسات الدولة المعنية بملف حقوق الإنسان على تكليف الوزارات بمهام إدارية تقليدية، ولكن استهدفت إحداث تحول هيكلي في فلسفة عمل هذه الأجهزة التنفيذية، وهو ما تُرجم إلى منجزات ملموسة، يمكن استعراضها على النحو التالي:
(*) تطوير مراكز الإصلاح والتأهيل: أدركت الدولة أن العقوبة ليست مجرد سلب للحرية بل للإصلاح وإعادة دمج النزلاء في المجتمع مرة أخرى، ومن هنا بدأت خطة إغلاق السجون وبناء مراكز للإصلاح والتأهيل في مناطق مثل وادي النطرون وبدر. وبالتالي، أصبحت تلك المراكز أشبه بمدن صغيرة يقضي فيها النزيل فترة عقوبته مع فترة من الإصلاح والتأهيل، وقد تم تزويد هذه المراكز بمستشفيات متطورة، وورش للتدريب المهني والحرفي، ومساحات للأنشطة المختلفة. والهدف من هذا التحول هو احترام آدمية النزيل وتزويده بمهارات جديدة تساعده على الاندماج في المجتمع كفرد منتج بعد قضاء عقوبته، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
(*) رقمنة وتطوير المنظومة القضائية: أظهرت وزارة العدل جهدها في استغلال التكنولوجيا، وقررت ربط المنظومة القضائية بمراكز الإصلاح عبر شبكات الاتصال بـ”الفيديو كونفرانس” بهدف وقوف المتهم أمام شاشة في مكانه بمركز التأهيل، مع حضور محامي أمام القاضي في المحكمة. وبالتالي، لم تكن التكنولوجيا مجرد تحديث إداري، بل كانت أداة لضمان حق المواطن في الوصول للعدالة الناجزة مع ضمان حفظ كرامته، مما يعكس تحولًا حقيقيًا نحو تسريع وتيرة الجلسات وتسهيل الإجراءات القانونية، دون الإخلال بأي من ضمانات المحاكمة العادلة.
(*) تعميق مظلة الحماية الاجتماعية: لسنوات طويلة كان يُنظر للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على أنها عمل خيري أو مساعدات مؤقتة تمنحها الدولة للفئات الهشة، وكان مفهوم حقوق الإنسان محصورًا فقط في البعد السياسي. ولكن الحقيقة أن المواطن الذي لا يستطيع الحصول على الطعام أو العلاج لا يستطيع ممارسة أي حق سياسي. ومن هنا يظهر دور وزارة التضامن الاجتماعي التي حولت الدعم إلى حق تنموي مشروط. فبرنامج تكافل وكرامة ليس مجرد أموال يتم توزيعها، بل دعم مشروط للأسر للمساعدة في تحسين مستوى المعيشة في التعليم والصحة لهم ولأولادهم، وهنا ظهرت الوزارة كذراع تنموي. ولكي نضمن أن كل الفئات الهشة يصل لها هذا الدعم، بدأت تقنن أوضاع الجمعيات الأهلية لكي تكون شريك أساسي في التنمية. وبالفعل توسع برنامج تكافل وكرامة ليشمل ٥,٢ مليون أسرة، أي ما يعادل ٢٢ مليون مواطن تقريبًا، وأكثر من ٦٨٪ من ميزانية البرنامج يتم توجيهها لمحافظات الصعيد لمعالجة الفجوة التنموية التاريخية هناك. وفي دعم لمؤسسات المجتمع الأهلي، تم إطلاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي في مارس ٢٠٢٢، ويجمع أكثر من ٣٤ كيانًا من كبرى المؤسسات (الأورمان، مصر الخير، صناع الحياة،…)، واستطاع ضخ مليارات الجنيهات في صورة قوافل طبية ومساعدات غذائية ومشاريع تمكين اقتصادي للمرأة المعيلة والشباب، مما يثبت أن الدولة ليست الفاعل الأوحد في التنمية، بل أصبح المجتمع الأهلي شريكًا استراتيجيًا في تنفيذ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
(*) تفعيل الدور الرقابي للمجالس القومية المستقلة: يأتي دور المجالس القومية المستقلة لمراقبة تنفيذ الخطط الاستراتيجية التي وظفتها كل وزارة، مثل المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة. إذ لا يقتصر دورهم على الرقابة فقط، وإنما على استقبال شكاوى المواطنين وكتابة وتقديم تقارير تقييمية تقوم بإرسالها للرئاسة والبرلمان، من أجل تحقيق الشفافية والمحاسبة وفقًا للاستراتيجية الوطنية. وبذلك، تكتمل حلقة العمل المؤسسي؛ فالدولة تنفذ، والمجالس المستقلة تراقب وتقيم، مما يضمن أن هذه الاستراتيجية ليست مجرد حبر على ورق، بل آلية حقيقية تتطور وتستجيب لاحتياجات المواطن اليومية.
البعد التنموي لحقوق الإنسان: مبادرة “حياة كريمة” كنموذج تطبيقي
في دراسات الاقتصاد السياسي، تنص القاعدة على أن “الحقوق لها تكلفة مالية”، مما يعني أن الحق في الصحة والسكن والبيئة النظيفة لا يتحقق بمجرد إقراره في النصوص الدستورية أو الوثائق الاستراتيجية، ولكن يتطلب بنية تحتية واستثمارات رأسمالية ضخمة. ومن هذا المنطلق، أدركت الدولة أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لن تؤتي ثمارها دون ذراع تمويلي ضخم، وهو ما ظهر فعليًا في مبادرة “حياة كريمة”، التي برزت كمشروع قومي وأكبر تدخل هندسي واجتماعي يهدف إلى تحويل النصوص الحقوقية إلى استثمارات على الأرض لتطبيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المواطنين في معالجة أوضاع المناطق المهمشة والنائية والتي لم تكن تحظى بتغطية خدماتية ملائمة لتلك التي تتوافر في المدن والمراكز الحضرية الكبرى.
لم يكن المشروع مجرد مبادرة خيرية لترميم بعض المنازل فقط، بل هو ترجمة فعلية لسياسة الإنفاق من أجل الحقوق، حيث تم رصد ميزانية مبدئية تتخطى 700 مليار جنيه لتنفيذ هذا التحول.
ووفقًا للأرقام التي تُعتبر كدليل على شمولية التنفيذ، نجد أن المشروع لم يستهدف شريحة صغيرة، بل استهدف حوالي 60 مليون مواطن مصري (أي ما يقرب من 60% من إجمالي التعداد السكاني) يتوزعون في أكثر من 4500 قرية، مما يكسر المركزية ويحقق تنمية متوازنة لا تترك أحدًا يتخلف عن الركب. وقد ظهر التطبيق العملي لـ “الحق في مستوى معيشي لائق” من خلال شقين: الأول هو مبادرة “سكن كريم” التي رفعت كفاءة مئات الآلاف من المنازل المتهالكة، والثاني هو معالجة مؤشر تغطية الصرف الصحي في الريف؛ فبعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 12%، استهدفت المبادرة الوصول بهذه النسبة إلى ما يقرب من 100% بنهاية مراحلها.
ولم تتوقف رؤية الدولة عند تلبية الاحتياجات الأساسية، بل امتدت لتشمل الحقوق الرقمية كجزء من حقوق الإنسان الحديثة؛ فقد تضمنت لأول مرة إدخال كابلات الألياف الضوئية وتطوير مكاتب الاتصالات داخل القرى. و لا يُعد هذا التوجه رفاهية، بل هو بنية تحتية ضرورية لحماية المواطن الريفي من الأمية الرقمية، وضمان حقه في الوصول إلى التعليم عن بُعد والخدمات الحكومية المميكنة، مما يمنع اتساع الفجوة التكنولوجية بين القرية والمدينة.
استشراف المرحلة الثانية (2026 – 2031): من التأسيس إلى قياس الأثر
شهدنا في الاستراتيجية الأولى لحقوق الإنسان (2021 – 2026) أن الدولة كانت تركز على البناء والتأسيس، مثل بناء مراكز التأهيل وإطلاق مبادرة حياة كريمة، إلا أن التحدي الحقيقي في المرحلة الثانية (2026-2031)، يتبلور في جني ثمار ما تم بناؤه لتحسين جودة حياة المواطن. فالنجاح هنا لا يُقاس فقط بتدريب 10 آلاف موظف على مبادئ حقوق الإنسان، بل بانخفاض معدل شكاوى المواطنين من سوء المعاملة بنسبة مئوية محددة. ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة المُلحة لابتكار “مؤشر وطني لحقوق الإنسان” يتكامل مع أهداف التنمية المستدامة لرؤية مصر 2030.
وإذا كان نجاح المرحلة التأسيسية قد اعتمد على التكامل المؤسسي من خلال اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، فإن نجاح المرحلة الثانية يتطلب المرونة التنفيذية وتفعيل حقوق الإنسان على المستوى الجغرافي؛ لذلك، عملت وزارة التنمية المحلية على تأسيس وحدات لحقوق الإنسان في جميع محافظات الجمهورية، بالإضافة إلى مئات المراكز والمدن. ويبقى التحدي في (٢٠٢٦ – ٢٠٣1) هو تفعيل هذه الوحدات بصلاحيات حقيقية وموازنات مخصصة، لتُصاغ أهداف نوعية تناسب التحديات الجغرافية لكل إقليم، مما يستوجب سياسات مرنة تستجيب للاحتياج المحلي.
وفي(2026-2031)، تجاوزت حقوق الإنسان المفهوم التقليدي مثل الأكل والشرب والسكن لتدخل بقوة في الفضاء الرقمي أيضًا. فحماية المواطن من التحيز الخوارزمي والاختراقات السيبرانية لم يعد مجرد مسألة تكنولوجية بحتة، بل هو في صميم حماية الأمن القومي. فالمرحلة القادمة تُوجب تفعيل وتحديث بيئة تشريعية صارمة استكمالًا لقانون حماية البيانات الشخصية رقم ١٥١ لسنة ٢٠٢٠ للحماية من التحيز الخوارزمي. وفي الأساس، يُعتبر اختراق بيانات المواطنين أو توجيههم بخوارزميات غير وطنية هو انتهاك صريح لحقوقهم، ويجب العمل على حمايتهم.
وختامًا، يمكن القول إن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لا تُمثل مجرد وثيقة نظرية، بل هي بمثابة عقد اجتماعي جديد، وخطوة جادة نحو إعادة هندسة علاقة الدولة بالمواطن. لقد أثبتت المرحلة التأسيسية أن ترجمة الحقوق إلى واقع تتطلب إرادة سياسية. وذراعًا تمويليًا ضخمًا تجلى في مبادرة حياة كريمة، وشراكة حقيقية مع المجتمع المدني. وبرغم الإنجازات الملموسة، فإن الطريق لا يزال طويلًا. ويكمن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة بمدى قدرة مؤسسات الدولة على قياس الأثر الفعلي لهذه السياسات بصورة متوازنة في جميع المحافظات. والأهم من ذلك، قدرتها على استباق تحديات العصر الرقمي لحماية سيادتها الخوارزمية وأمنها القومي. لضمان كرامة المواطن المصري في العالمين الواقعي والافتراضي.