دكتور محمد الجمال يكتب: يوليو الانتصارات.. مصر في عهد السيسي

كلما اقترب شهر يوليو، أشعر أنني لا أقلب صفحة جديدة في التقويم، وإنما أفتح صفحة قديمة من ذاكرة الوطن. هناك شهور تمر مرورًا عاديًا، وهناك شهور تترك بصمتها في التاريخ، ويظل الناس يتذكرونها مهما مرت السنوات. ويوليو، بالنسبة لي، واحد من تلك الشهور التي يصعب أن تغيب عن الوجدان المصري.
أتذكر جيدًا أيامًا كان القلق فيها يسيطر على كثير من البيوت المصرية. كانت النقاشات لا تتوقف، والأسئلة تزداد، والخوف على المستقبل حاضرًا في أحاديث الناس قبل أن يكون حاضرًا في نشرات الأخبار. وعندما أراجع ذاكرتي، أجد أن ملايين المصريين خرجوا في الثلاثين من يونيو وهم يحملون شعورًا واحدًا، هو أن مصر تستحق مستقبلًا أفضل. كان كثيرون يرون أنهم لا يواجهون مجرد خلاف سياسي، بل يقفون في مواجهة جماعة ظالمة حاولت – من وجهة نظرهم – أن تضع مصلحة التنظيم فوق مصلحة الوطن، وأن تغير هوية الدولة التي عرفها المصريون عبر تاريخهم.
ولا أنسى أبدًا ذلك المشهد الذي ظل محفورًا في الذاكرة؛ الشعب في الشوارع، والجيش يعلن انحيازه لإرادة المصريين. ربما تختلف التفسيرات السياسية لذلك اليوم، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أنه كان نقطة تحول كبرى في تاريخ الدولة المصرية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة، حملت معها آمالًا كبيرة في استعادة الأمن والاستقرار، ثم جاءت الانتخابات الرئاسية ليبدأ الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة البلاد في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها مصر.
وعندما أبحث في مكتبتي، وأقلب الصحف القديمة، أجد عشرات العناوين التي كانت تتحدث عن التحديات التي واجهتها الدولة في تلك السنوات. الإرهاب كان يضرب في أكثر من مكان، والاقتصاد يواجه ضغوطًا قاسية، والمنطقة كلها كانت تعيش على وقع حروب وصراعات. ومع ذلك، مضت الدولة في طريقها، وبدأت مرحلة إعادة البناء، من الطرق والكباري إلى المدن الجديدة، ومن تطوير البنية الأساسية إلى محاولة استعادة مكانة مصر الإقليمية.
وأتذكر أيضًا كيف كانت المواجهة مع الإرهاب معركة طويلة لم تُحسم في يوم واحد، لكنها كانت معركة شارك فيها الجيش والشرطة، ووقف خلفهما قطاع واسع من المصريين، إيمانًا بأن استقرار الوطن لا يمكن أن يتحقق إلا بالقضاء على العنف وحماية مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، تراجعت قدرة الجماعات المتطرفة على التأثير داخل المجتمع، واستعادت الدولة سيطرتها على كثير من الملفات التي كانت تمثل تحديًا كبيرًا.
لكن الجميل في يوليو أنه لا يحمل فقط ذكريات السياسة، وإنما يحمل أيضًا لحظات الفرح. وهذا ما رأيناه هذا العام مع الإنجاز الكبير الذي حققه المنتخب المصري في كأس العالم 2026. أتذكر كيف تحولت البيوت والمقاهي والشوارع إلى مدرجات تشجيع، وكيف أصبح كل هدف يسجله المنتخب مناسبة للاحتفال، وكل مباراة حديث المصريين في كل مكان.
وعندما أراجع ذاكرتي القريبة، أجد أن المنتخب لم يقدم فقط نتائج مميزة، وإنما قدم نموذجًا للفريق الذي يلعب بروح قتالية، ويؤمن بأن المستحيل يمكن تجاوزه بالإصرار. ولذلك لم يكن غريبًا أن يلتف المصريون جميعًا حول منتخبهم، وأن تتحول البطولة إلى حالة وطنية أعادت إلى الناس مشاعر الفخر والانتماء.
ولفت انتباهي طوال البطولة حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على متابعة المنتخب، وتوجيه كلمات الدعم والتقدير للاعبين في أكثر من مناسبة، مؤكدًا ثقته في قدرتهم على تشريف اسم مصر، وأن الأداء المشرف لا يقل أهمية عن تحقيق النتائج. كانت تلك الرسائل تحمل معنًى نفسيًا كبيرًا، لأنها أكدت أن الدولة تتابع أبناءها وتقدر ما يبذلونه من جهد لرفع اسم الوطن.
وبعد انتهاء البطولة، جاء المشهد الذي أسعد المصريين جميعًا، عندما استقبل الرئيس السيسي لاعبي المنتخب والجهازين الفني والإداري بمدينة العلمين، ووجه لهم الشكر على الأداء المشرف، وكرمهم تقديرًا لما قدموه، مؤكدًا أن ما حققوه يمثل مصدر فخر لكل المصريين. كان التكريم رسالة واضحة بأن الدولة لا تنتظر الفوز بالكأس حتى تكرم أبناءها، وإنما تقدر الإخلاص والاجتهاد والروح الوطنية.
وأتذكر أيضًا مشهد استقبال الجماهير للمنتخب، والفرحة التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، والأعلام التي رفرفت في الشوارع، وكأن المصريين كانوا يحتفلون بإنجاز يخص كل بيت. ففي مثل هذه اللحظات، يدرك الإنسان أن الرياضة ليست مجرد مباراة، وإنما قوة ناعمة توحد الناس، وتعيد إليهم الثقة في أنفسهم وفي وطنهم.
وعندما أبحث في مكتبتي مرة أخرى، أجد أن شهر يوليو كان شاهدًا على محطات كثيرة صنعت الفارق في تاريخ مصر. ففيه ثورة 23 يوليو التي غيرت شكل الدولة، وفيه ثورة 30 يونيو التي أعادت رسم المشهد السياسي، وفيه هذا العام إنجاز رياضي أعاد البسمة إلى ملايين المصريين. وكأن هذا الشهر كتب على نفسه أن يكون شهر التحولات الكبرى والانتصارات التي تبقى في الذاكرة.
ربما لهذا السبب، كلما جاء يوليو، لا أتعامل معه كشهر عادي. إنه بالنسبة لي شهر يستحق التوقف أمامه، لأنه يذكرنا بأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بإرادة الشعوب، وتماسك المؤسسات، والعمل المستمر، والإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل مهما كانت التحديات.
ويبقى الدرس الأهم أن مصر، على امتداد تاريخها، كانت دائمًا قادرة على تجاوز المحن، وأن شعبها، كلما شعر بأن وطنه يحتاج إليه، كان حاضرًا. لهذا سيظل يوليو، في وجدان كثير من المصريين، شهرًا يحمل ذكرى استعادة الدولة، وذكرى الفرح بالإنجاز، ورسالة متجددة بأن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه الأزمات، يملك دائمًا القدرة على النهوض وصناعة الانتصارات.