نبيل فهمي واختبار الدور العربي: ملفات شائكة وتحديات و انقسامات غير مسبوقة

يتولى وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية خلفًا لأحمد أبو الغيط التي تنتهي ولايته نهاية يونيو الحالي، في لحظة تُعد من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ العمل العربي المشترك منذ تأسيس الجامعة عام 1945. ويأتي اختيار فهمي بعد مسيرة دبلوماسية امتدت لأكثر من أربعة عقود، شغل خلالها مناصب محورية في وزارة الخارجية المصرية، أبرزها سفير مصر لدى الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2008، ثم وزيرًا للخارجية خلال مرحلة شديدة الحساسية أعقبت أحداث 30 يونيو 2013. كما ارتبط اسمه بعدد من الملفات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن الإقليمي والعلاقات العربية – الأمريكية وقضايا الحد من التسلح، وهو ما يمنحه خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة في التعامل مع الأزمات المركبة التي تواجه المنطقة.
لكن أهمية وصول فهمي إلى المنصب لا ترتبط فقط بخبرته الشخصية، بل بحجم التحديات التي تنتظره داخل مؤسسة تواجه منذ سنوات تساؤلات متزايدة حول قدرتها على التأثير في الأحداث الإقليمية، خاصة مع انتقال عدد من الملفات العربية الكبرى إلى مسارات تفاوضية وتحالفات إقليمية ودولية خارج إطار الجامعة.
أزمة مالية مزمنة تهدد كفاءة المؤسسة
يدخل الأمين العام الجديد إلى مقر الجامعة العربية فيما تواجه المؤسسة واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ سنوات. وتبلغ الميزانية السنوية للجامعة نحو 60 مليون دولار فقط، وهو رقم محدود مقارنة بحجم الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية المطروحة أمامها. وتشير البيانات المتاحة إلى أن نحو 90% من هذه الميزانية يذهب إلى الرواتب والنفقات التشغيلية، بينما يتبقى جزء محدود للغاية للأنشطة والبرامج والمبادرات المختلفة.
وتعود جذور الأزمة إلى تأخر عدد من الدول الأعضاء في سداد مساهماتها المالية أو تراكم متأخرات عليها لسنوات، ما دفع الأمانة العامة في أكثر من مناسبة إلى الاعتماد على الاحتياطيات النقدية لتغطية الالتزامات الأساسية، وعلى رأسها رواتب العاملين. وقد حذر الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط مرارًا من أن استمرار هذه الأوضاع قد ينعكس سلبًا على قدرة الجامعة على تنفيذ أنشطتها أو الحفاظ على كفاءتها المؤسسية.
ولا تبدو الأزمة المالية منفصلة عن الواقع السياسي العربي؛ إذ يرى عدد من المراقبين أن تراجع التزام بعض الدول بتمويل الجامعة يعكس حالة من الشك في مدى فاعلية المؤسسة وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في القضايا العربية الكبرى. لذلك فإن التحدي المالي أمام فهمي لا يقتصر على تحصيل المتأخرات، بل يتطلب إعادة بناء الثقة في الجامعة باعتبارها مؤسسة قادرة على إنتاج قيمة سياسية حقيقية للدول الأعضاء.
التباينات العربية.. العقبة الأكبر أمام أي تحرك
إذا كانت الأزمة المالية تمثل التحدي الإداري الأول، فإن الانقسامات العربية تمثل التحدي السياسي الأكثر تعقيدًا. فخلال السنوات الأخيرة اتسعت الفجوات بين مواقف الدول العربية تجاه عدد من الملفات المصيرية، سواء فيما يتعلق بالحرب في غزة، أو التطورات في السودان وليبيا واليمن، أو طبيعة العلاقات مع القوى الإقليمية غير العربية، وفي مقدمتها إيران وتركيا.
وتزداد صعوبة الموقف بالنظر إلى أن ميثاق الجامعة العربية يجعل القرارات الكبرى رهينة التوافق أو الأغلبية بين الدول الأعضاء، ما يعني أن قدرة الأمين العام على التحرك تظل مرتبطة بحجم الإرادة السياسية المتوافرة لدى الحكومات العربية نفسها. وفي ظل هذه المعادلة، سيكون على فهمي العمل ليس فقط كمدير للمؤسسة، وإنما كوسيط سياسي يسعى لتقريب وجهات النظر وبناء أرضيات مشتركة بين العواصم العربية المتباعدة.
كما أن السنوات الأخيرة شهدت اتجاه عدد من الدول العربية إلى تطوير مسارات دبلوماسية وأمنية خاصة بها بعيدًا عن الأطر الجماعية التقليدية، الأمر الذي انعكس على مكانة الجامعة ودورها في إدارة الأزمات الإقليمية، وهو ما يجعل إعادة الاعتبار لمفهوم العمل العربي المشترك إحدى المهام الأساسية للأمين العام الجديد.
غزة والقضية الفلسطينية.. اختبار استعادة الدور العربي
في مقدمة الملفات المنتظرة تبرز القضية الفلسطينية، التي تظل الملف الأكثر ارتباطًا بدور الجامعة العربية منذ تأسيسها. فالحرب التي شهدها قطاع غزة وما ترتب عليها من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية واسعة أعادت طرح تساؤلات حول قدرة النظام العربي على صياغة موقف موحد تجاه واحدة من أهم قضايا المنطقة.
ومن المتوقع أن يواجه فهمي تحديات تتعلق بالتنسيق العربي بشأن إعادة إعمار غزة، ودعم الحقوق الفلسطينية، والتعامل مع أي ترتيبات سياسية وأمنية محتملة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب مواجهة محاولات فرض حلول لا تحظى بإجماع عربي. كما أن نجاح الجامعة في لعب دور أكثر فاعلية في هذا الملف قد يمثل فرصة حقيقية لاستعادة جزء من مكانتها وتأثيرها الإقليمي.
السودان وليبيا واليمن.. أزمات تستنزف المنطقة
على الجانب الآخر، تنتظر الأمين العام الجديد مجموعة من الأزمات العربية الممتدة التي أصبحت تمثل مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار في المنطقة. ففي السودان، تتواصل الحرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام مخلفة واحدة من أكبر موجات النزوح واللجوء في العالم، فضلًا عن تداعيات اقتصادية وأمنية تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها.
أما ليبيا، فما زالت تعاني انقسامًا سياسيًا ومؤسساتيًا حال دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة منذ سنوات، فيما تستمر الجهود الإقليمية والدولية لإيجاد تسوية شاملة تنهي حالة الانقسام. وفي اليمن، ورغم تراجع العمليات العسكرية مقارنة بالسنوات السابقة، فإن الأزمة لا تزال مفتوحة في ظل غياب تسوية سياسية نهائية قادرة على إنهاء الصراع بشكل كامل.
وتفرض هذه الملفات على الجامعة العربية البحث عن دور أكثر فاعلية في جهود الوساطة والتسوية، خاصة أن استمرار هذه الأزمات ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي العربي، ويؤثر على قضايا الهجرة والاقتصاد ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.
التصعيد الإقليمي وإيران.. اختبار للأمن العربي
تأتي هذه الملفات بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، وما تفرضه من تحديات على أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن أي تصعيد عسكري في المنطقة لا يقتصر تأثيره على أطرافه المباشرين، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، سيكون على نبيل فهمي الاستفادة من خبرته الطويلة في ملفات الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية لمحاولة بناء مقاربة عربية متوازنة تقوم على حماية الأمن القومي العربي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الحوار السياسي والدبلوماسي التي تحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.
إصلاح الجامعة من الداخل.. المهمة الأكثر صعوبة
وربما يكون التحدي الأعمق الذي يواجه الأمين العام الجديد هو إصلاح الجامعة العربية نفسها. فالمؤسسة تضم نحو 14 منظمة عربية متخصصة وعددًا كبيرًا من المجالس والاتحادات والصناديق التابعة لها، إلا أن الانتقادات المتعلقة بالبيروقراطية وضعف التنفيذ وتكرار القرارات غير الملزمة ظلت تلاحقها لسنوات طويلة.
لذلك لن يكون كافيًا إدارة الملفات السياسية فقط، بل سيكون مطلوبًا إجراء مراجعة شاملة لآليات العمل، وتطوير نظم المتابعة والتقييم، وتعزيز الكفاءة المالية والإدارية، وربط مؤسسات الجامعة بالقضايا التنموية والاقتصادية التي تهم المواطن العربي بشكل مباشر. كما أن إعادة بناء صورة الجامعة لدى الرأي العام العربي ستكون جزءًا مهمًا من عملية الإصلاح، في ظل تصاعد الانطباع بأن دورها تراجع مقارنة بحجم التحديات التي تواجه المنطقة.
في المحصلة، يتسلم نبيل فهمي قيادة الجامعة العربية في وقت تواجه فيه المؤسسة اختبارًا وجوديًا يتعلق بمستقبل دورها ومكانتها. فالأزمة المالية، والانقسامات السياسية، والصراعات الإقليمية، وتراجع فعالية العمل العربي المشترك، كلها ملفات متداخلة تجعل مهمته من أصعب المهام التي واجهها أمين عام للجامعة خلال العقود الأخيرة. وبينما تمنحه خبرته الدبلوماسية وشبكة علاقاته الدولية أدوات مهمة للتحرك، يبقى نجاحه مرهونًا بمدى استعداد الدول العربية نفسها لإعادة الاستثمار سياسيًا وماديًا في مؤسستها الإقليمية الأقدم، وتحويلها من منصة لإدارة الخلافات إلى أداة لصناعة التوافقات العربية في مرحلة تعج بالتحولات والتحديات.