مصر وعصر البيانات.. هل تحققت السيادة الرقمية؟

أشرف أنور- خبير شؤون الاتصالات والمعلومات 

 لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الحدود الجغرافية أو العتاد العسكري التقليدي؛ بل انتقلت بالكامل إلى فضاءات افتراضية غير مرئية تُديرها خطوط برمجية ومراكز بيانات عملاقة وهذا ما اثبتتة الحرب الامريكية الايرانية . وفي قلب هذا التحول المتسارع، برز مصطلح “السيادة الرقمية”، واضعاً الدول أمام اختبار حقيقي حول مدى قدرتها على حماية استقلالها في عالم تسيطر عليه كبرى شركات التكنولوجيا العابرة للقارات… لتكسر النمط التقليدي للحديث عن الأمن السيبراني ومجرد التصدي للهجمات، لتنتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بـ “السيادة الوطنية الكاملة” على المنتج الرقمي. فالأزمات الجيوسياسية العالمية الأخيرة، بدءاً من النزاعات الدولية وصولاً إلى قرارات الحظر التكنولوجي المفاجئ، أثبتت أن اعتماد أي دولة بشكل كلي على بنية تحتية رقمية أو برمجيات مملوكة لجهات خارجية، يضع قرارها الوطني وأمنها القومي تحت رحمة تلك الجهات. من هنا، أصبح التساؤل الملحّ داخل أروقة مجتمع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المصري: أين تقف مصر من خريطة السيادة الرقمية؟ هل نمتلك المقومات التي تؤهلنا لإدارة وحماية فضائنا الإلكتروني وبيانات مواطنينا؟ وما هي الحلقات المفقودة التي تفصلنا عن الاستقلال الرقمي الكامل؟ فك الشفرة: ما هي “السيادة الرقمية” بمفهومها الشامل؟ تُعرف “السيادة الرقمية” بأنها قدرة الدولة وسلطتها على السيطرة على مسارها التكنولوجي الخاص، وبسط نفوذها القانوني والفني على ثلاثة محاور رئيسية لا تقبل التجزئة: 1. سيادة البيانات: وتتمثل في ضمان تخزين بيانات المواطنين، والمؤسسات الحكومية، والقطاعات السيادية داخل حدود الدولة الجغرافية، وإخضاعها بالكامل للقوانين الوطنية لمنع استغلالها أو التنقيب فيها من قبل أطراف خارجية. 2. السيادة التكنولوجية: امتلاك القدرة الذاتية على تطوير، وتعديل، وإدارة البرمجيات والأنظمة الحيوية التي تشغل البنية التحتية للدولة، دون الارتهان الدائم للاحتكارات التكنولوجية العالمية. 3. السيادة على البنية التحتية: السيطرة الفنية والأمنية على المكونات المادية للشبكات، بما يشمل كابلات الإنترنت البحرية والبرية، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات المحلية. أوراق القوة: هل مصر مؤهلة للسيادة الرقمية؟ بالنظر إلى الواقع الرقمي الحالي، يجمع الخبراء والمراقبون على أن الدولة المصرية قطعت شوطاً استراتيجياً مهماً يجعلها أرضاً مؤهلة لتبني وتطبيق مفهوم السيادة الرقمية، مستندة في ذلك إلى أربعة ركائز أساسية: • طفرة “الحوسبة السيادية” ومراكز البيانات: يمثل تدشين “مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية (P1)” نقلة نوعية وجذرية؛ إذ يعمل كعقل رقمي مركزي للدولة، وتُوطّن فيه البيانات الحكومية والسيادية والخدمية بأعلى مستويات التأمين الفيزيائي والسيبراني، مما ينهي تماماً فكرة الاعتماد على سحابات خارجية لتخزين البيانات الحساسة. • العبقرية الجغرافية للكابلات البحرية: تُصنف مصر كأهم ممر رقمي في المنطقة، والثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة لمرور كابلات الإنترنت البحرية التي تربط الشرق بالغرب. هذا الثقل الجيوسياسي يمنح القاهرة ميزة استراتيجية وقدرة على فرض شروط أمنية وفنية تخدم مصالحها القومية. • الحصانة التشريعية: يعد صدور قانون حماية البيانات الشخصية (رقم 151 لسنة 2020) خطوة تشريعية رفيعة المستوى، تحاكي في صرامتها الإطار الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR)، حيث وضع القانون أطراً مشددة تمنع خروج أو معالجة بيانات المواطنين المصريين خارج الحدود إلا بشروط وموافقات رسمية معقدة. • منظومة الدفاع الاستباقي: يمثل المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات (EG-CERT) التابع للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، حائط الصد الأول لمراقبة التهديدات السيبرانية واحتوائها قبل وقوعها، مما يعزز الثقة في مرونة وأمن البنية التحتية الحرجة. الفجوات الرقمية: ماذا ينقص الدولة المصرية؟ في المقابل، كشفت جلسات “كايزك” بوضوح عن وجود “تحديات حاسمة” وحلقات مفقودة يجب الالتفات إليها لتحويل التأهيل النظري إلى تمكين واقعي مستدام: • التبعية البرمجية الاحتكارية: تعتمد أكثر من 90% من الجهات والمؤسسات الحيوية والشركات المحلية في أعمالها اليومية على أنظمة تشغيل وحلول سحابية تابعة لشركات أمريكية وغربية عملاقة (مثل مايكروسوفت، جوجل، وأمازون)، مما يشكل خطراً كامناً في حال حدوث أي قرارات حظر تكنولوجي أو عقوبات دولية. • نزيف العقول (الهجرة الرقمية): رغم كفاءة المبرمجين وخبراء الأمن السيبراني المصريين، إلا أن ظاهرة “هجرة الأدمغة” نحو الأسواق الخليجية والأوروبية بحثاً عن عائد مادي أعلى، تمثل استنزافاً مستمراً للكوادر التي يجب أن تقود مشروع الاستقلال الرقمي. • ضعف الملكية الفكرية المحلية: تفتقر السوق المصرية إلى برمجيات وأنظمة محلية الصنع (Local IP) قوية قادرة على إدارة شبكات الأعمال الضخمة والتحليلات المتقدمة، مما يبقينا في خانة “المستهلك” المستورد للتكنولوجيا بدلاً من “المنتج” لها. • تأخر التفعيل الكامل للآليات: لا يزال المجتمع التكنولوجي بانتظار اكتمال الصلاحيات التنفيذية الكاملة وتأسيس “مركز حماية البيانات الشخصية” المنصوص عليه قانوناً ليمارس دوره الرقابي الصارم على الشركات متعددة الجنسيات. خارطة طريق المستقبل: ما هو المطلوب من الحكومة؟ للانتقال بملف السيادة الرقمية إلى مرحلة الحماية الكاملة والاستقلال الفعلي، يقترح الخبراء صياغة استراتيجية وطنية عاجلة تعتمد على أربعة محاور تنفيذية: 1. التوسع الصارم في “السحابة الهجينة والخاصة” (Private Cloud): إلزام كافة القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن اليومي للمواطنين (مثل البنوك، الرعاية الصحية، والاتصالات) بتوطين كامل لبياناتها ومعالجاتها داخل السحابة المحلية، وضمان عدم خضوعها لقوانين عابرة للحدود مثل قانون (Cloud Act) الأمريكي الذي يمنح واشنطن الحق في الوصول لبيانات الشركات الأمريكية حتى لو كانت مخزنة بالخارج. 2. التحول نحو البرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر (Open Source): يجب على الحكومة تبني سياسة وطنية تشجع، بل وتلزم في بعض المراحل، المؤسسات التعليمية والإدارية بالاعتماد على برمجيات مفتوحة المصدر كبديل للأنظمة الاحتكارية الموصدة، مما يضمن خفض التكلفة وامتلاك القدرة على تعديل الشفرات البرمجية وتأمينها محلياً. 3. بناء منظومة حوافز واستبقاء الكفاءات: صياغة كادرات مالية ووظيفية استثنائية لمهندسي البرمجيات وخبراء الدفاع السيبراني العاملين بالقطاعات الحكومية والسيادية، مع تقديم حوافز ضريبية وتسهيلات تمويلية للشركات الناشئة المتخصصة في تقديم حلول أمنية محلية الصنع. 4. صياغة “تكتل رقمي إقليمي”: السعي نحو بناء تحالفات تكنولوجية عربية وأفريقية لخلق سوق موحدة ذات ثقل سكاني واقتصادي، تمكن العواصم الإقليمية من فرض شروطها القانونية وحماية مصالحها في مواجهة عمالقة التكنولوجيا (Big Tech)، على غرار النموذج الذي نجح الاتحاد الأوروبي في فرضه عالمياً. خلاصة القول: إن معركة “السيادة الرقمية” ليست ترفاً تقنياً، بل هي جوهر استقلال القرار الوطني في القرن الحادي والعشرين. ومصر تمتلك بالفعل الأساسات الصلبة والبنية التحتية والموقع الفريد، وما ينقصها الآن هو الإرادة التنسيقية لربط هذه الجزر المنعزلة في إطار استراتيجية وطنية شاملة تنتقل بالبلاد من “مرحلة الاستهلاك الرقمي الآمن” إلى “مرحلة الإنتاج والسيادة الكاملة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى