انخفاض ملحوظ: كيف تحركت ظاهرة أطفال الشوارع في مصر خلال 2026؟

تُعتبر ظاهرة أطفال الشوارع من الظواهر الاجتماعية المُعقدة في العديد من المُجتمعات، وخاصًة في مصر التي شهدت بالسنوات الماضية ارتفاعًا في هذه الظاهرة، ولكن بسبب الاهتمام من جانب العديد من المؤسسات، فالظاهرة تضاءلت في الشارع المصري بشكل ملحوظ، إذ يأتي الاهتمام البالغ بها؛ بسبب تأثيرها على المشاركة الإنتاجية الفعَالة لأفراد المجتمع، فكل فرد له قيمة مضافة في الاقتصاد، وهو ما يجعل انتشار ظاهرة الأطفال بلا مأوى مؤثر رئيسي على مُجمل مؤشر النمو الاقتصادي داخل الدولة، وهو ما يتطلب الاستمرار في سياسة القضاء عليها.
تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على تطور إحصائيات هذه الظاهرة في الشارع المصري، وما هي الدوافع وراء انخفاضها، فضلًا عن توضيح التحديات التي تواجهها.
إحصائيات الظاهرة:
يُمكن توضيح أرقام ومؤشرات ظاهرة أطفال الشوارع في مصر، وذلك من خلال النقاط التالية:
الشكل (1) يوضح عدد الأطفال بلا مأوى في مصر

المصدر: وزارة التضامن الاجتماعي
(-) حجم الظاهرة: توضح التقديرات الرسمية من وزارة التضامن الاجتماعي أن عدد الأطفال بلا مأوى انخفض من 29 ألف طفل في عام 2012 إلى نحو 16 ألف طفل في عام 2025، أي انخفض حجم الظاهرة بنسبة 81.25%، وهو انخفاض يعكس حجم الإنجازات التي حققتها وزارة التضامن على أرض الواقع، ولكن على الرغم من ذلك يظل ملف أطفال الشوارع من الملفات ذات الأولوية في الوقت الحالي، خاصًة مع أزمات عدم الاستقرار الأسري المُنتشرة في هذا العصر.
(-) معدلات التسرُب من التعليم: يُعد هذا المؤشر مكون رئيسي في حجم ظاهرة أطفال الشوارع في مصر، إذ أن التسرُب من التعليم عامل رئيسي في انتشار ظاهرة الأطفال بلا مأوى، وقد سجل معدل التسرب من التعليم الابتدائي نحو 0.3% في عام 2025، وذلك بالمُقارنة بنحو 0.2% في عام 2024، ووصل في التعليم الإعدادي إلى 0.5%، وذلك بالمُقارنة بنحو 0.7% في عام 2024، وهي الفئة العمرية الأكثر عرضة للإنزلاق نحو الشارع.
(-) توزيع الظاهرة: يُمكن توزيع ظاهرة أطفال الشوارع بلا مأوى، بأنها تتركز بنسبة 88% في المناطق الحضرية، وأن نسبة 83% إلى 88% من أطفال الشوارع من الذكور، وهو ما يعني أن نسبة الإناث تتراوح من 12 % إلى 17%، وهو كما يوضح الشكل (2) الذي اعتمد في نسبة الذكور والإناث على متوسط المدى المُحدد.

الشكل (2) يوضح توزيع ظاهرة أطفال الشوارع في مصر
جهود الدولة:
يعود الانخفاض الملموس في ظاهرة الأطفال بلا مأوى إلى الجهود الكبيرة التي تُنفذها الدولة المصرية من خلال البرنامج القومي لحماية الأطفال بلا مأوى الذي بلغت تكلفته 164 مليون جنيه كما يوضح الشكل(3)، والتي تتمثل في الآتي:
الشكل (3) يوضح تكلفة مبادرة أطفال بلا مأوى

(-) اتباع سياسة ” التدُخل السريع“: إن مواجهة الأزمات المختلفة بقدر كبير من السرعة يعمل على الحد من امتدادها بشكل واسع، وفي هذا النطاق عملت وزارة التضامن الاجتماعي على إعداد فريق للتدخل السريع يتعامل مع الاستغاثات الواردة للوزارة، إذ أنه في إطار مبادرة أطفال بلا مأوى تم تشكيل عدد 17 من فرق العمل بالشارع تعمل من خلال الوحدات الاجتماعية المُتنقلة، ومن المؤكد أن هذه الفرق تواجه حالات مختلفة قبل اندماجها بشكل فعلي في الظاهرة محل الدراسة.
وفي هذا النطاق كثَفت الحكومة من التدخلات الميدانية، فقد تلقى خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة نحو 584 ألف مكالمة خلال عام 2025، تتعلق بتعرُض الأطفال للخطر، وتعاملت فرق التدخل السريع بوزارة التضامن مع أكثر من 8600 بلاغ خلال عام 2025، شملت تقديم مساعدات إنسانية، فحوصات طبية، ودمج حالات داخل دور الرعاية.
(-) الحد من عمالة الأطفال: أكدت منظمة اليونيسيف على نجاح مصر في تقليل نسبة عمالة الأطفال، إذ انخفضت هذه النسبة من 7% في عام 2014 إلى 4.9% في عام 2021، وينطلق هذا الاهتمام بعمالة الأطفال من أنها بُعد رئيسي يُساهم في تأزُم ظاهرة الأطفال بلا مأوى، وبالتالي فالحد منها يعمل على مواجهة الظاهرة بشكل فعَال.
(-) جذب الأطفال بلا مأوى: تمثَل الهدف الأساسي لبرنامج ” أطفال بلا مأوى” في جذب الأطفال وإيداعهم بدور الرعاية الاجتماعية أو إعادة دمجهم بالأسرة، حيث تم رعاية نحو 24.5 ألف طفل على مستوى الجمهورية، إلى جانب تخصيص خط نجدة الطفل على رقم 16000؛ لاستقبال بلاغات الإساءة والعنف ضد الأطفال، وقد تلقى الخط أكثر من 453 ألف مكالمة عام 2024، منها 21.4 ألف بلاغ.
(-) المُتابعة اللاحقة: لا يُعد إيداع الأطفال في دور رعاية الاجتماعية هو الحل النهائي للأطفال المُشردين ولكن بمجرد خروجهم من الدار بعد بلوغهم السن القانوني، وهو الـ 18 عامًا، يوجد خطر عودتهم إلى الشارع مرة أخرى، ولكن تُركز الوزارة على هذه المرحلة، فالإناث معظمهم يتزوجوا، بينما الذكور، خاصًة مع تأهليهم علميًا، يندمجوا في وظائف مختلفة، وهو الأمر الذي يوضح أن هذا التعامل اللاحق عامل مؤثر في انخفاض ظاهرة أطفال الشوارع.
تحديات رئيسية:
على الرغم من الجهود الكبيرة للدولة المصرية في مواجهة هذه الظاهرة، إلا أنها تواجه العديد من التحديات التي تتمثل في الآتي:
(-) ارتفاع حالات عدم الاستقرار الأسري: أوضحت تقارير عن اليونيسيف أن 24.6% من الأطفال المُشردين يُعانون من غياب الأب، و24.1 % يعمل أمهاتهم في أعمال هامشية لا تكفي للوفاء بالاحتياجات الأساسية، وهو الأمر الذي يوضح أن ظاهرة الأطفال بلا مأوى توضح الاختلال الكبير في منظومة الأسرة والمجتمع، وبالتالي فإن البحث حول سبب ضياع الثوابت الأسرية التي من أهمها احتضان الأطفال وتنشئتهم بشكل سليم، يُعد المخرج الرئيسي من قضية أطفال الشوارع في مصر.
(-) انعدام فرص التنمية: إن الارتباط الكبير بين ظاهرة الأطفال المُشردين وانعدام التحصيل التعليمي، يؤثر على عمليات التنمية داخل مصر، فوجود عدد كبير من الأطفال خارج منظومة الأسرة، وعدم رعايتهم تعليميًا وسلوكيًا، يُحرم الدولة المصرية من نسبة لا يُستهان بها من أفرادها للمساهمة في عملية التنمية، ولكن الدولة المصرية تحتاج في الوقت الراهن إلى مساعدة جميع أبنائها في تحقيق التنمية المُستدامة.
(-) ارتباط الظاهرة بالأزمات الاقتصادية: تبين من البحث وراء الأسباب الرئيسية الدافعة نحو انتشار ظاهرة أطفال الشوارع، هو أنها ترتبط بالأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها الدولة نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، فكثير من حالات أطفال الشوارع يُمكن القول إن أصلها يرجع إلى الفقر الذي يُعاني منه بعض الأسر، مما يُشير إلى أن برنامج تكافل وكرامة الذي تطبقه مصر في الوقت الحالي، أدرك هذا الارتباط، بمحاولته لتقليل معدلات الفقر داخل العديد من الأسر.
(-) ظهور الجيل الثالث من أطفال الشوارع: يُعتبر الجيل الثالث لأطفال الشوارع هو أهم التحديات التي تواجه هذه الظاهرة، إذ أنهم الأطفال الذين ولدوا ونشأوا في الشارع لأبوان من أطفال الشوارع أنفسهم، مما يعقد عمليات الدمج والتأهيل ويفاقم مشكلة مجهولى النسب فى المجتمع.
ومن هنا، فإن مسؤولية القضاء على أطفال الشوارع لم يكن منوط بها الحكومة فقط، بل يشترك معها القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، حيث أن القطاع الخاص لا يتوقف على التوظيف وإعطاء دعم مالي لهؤلاء الأطفال، بل يتسع الدور لتطوير وإعادة تأهيل هذه الأطفال لسوق العمل، وهو الأمر يرفع من درجة قبولهم داخل هذا السوق،كما أن منظمات المجتمع المدني يُمكن أن تُساهم في تأهيل دور رعاية إجتماعية شاملة لأطفال الشوارع، وبالإضافة إلى أنها يُمكن أن تعمل على تدريبهم في حرف ومهن؛ حتى تتحقق عندهم الريادة ويستطيعوا إقامةمشروعهم الخاص، كما أن يُمكنها الحد من المشكلة من خلال القيام بحملات إعلانية تُحذر من التسرُب من التعليم وعمالة الأطفال.
في الختام، يُمكن القول إن ظاهرة أطفال الشوارع هي ظاهرة متعددة التأثير، فهناك التأثيرات الاجتماعية التي تتمحور في نشأة أفراد غير أسوياء في المجتمع نتيجة الاضطرابات النفسية التي يتعرضوا لها في الشارع، مما يرفع حالات الجريمة، وهناك البعد الاقتصادي لهذه الظاهرة، الذي يتمثل في أن هناك أفراد غير مُشاركة في العملية الإنتاجية، وهو الأمر الذي يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي داخل الدولة المصرية.
وفي هذا السياق، فإن الدولة أدركت حجم هذه الظاهرة المُعقدة وعملت على إيجاد الحلول الجذرية لها، خاصًة منذ عام 2014 عندما بدأ أول حصر رسمي لهذه الظاهرة، ومن ثم إعداد مبادرة تعمل على الحد منها بشكل كبير، وهو الأمر الذي لابد أن يستمر بنفس الوتيرة حتى يتحقق السلام المُجتمعي والاقتصادي.