المسار الأصعب: تداعيات التطورات في سوريا (حلب – قسد) على الأمن القومي

تشهد سوريا، وبخاصة مدينة حلب، تصاعدًا في التوترات الأمنية المرتبطة بملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في توقيت بالغ الحساسية. هذه التطورات لا تُعد أحداثًا محلية معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق العربي، مع وجود أدوار خارجية مباشرة وغير مباشرة، من بينها الدور الإسرائيلي، بما يفرض تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الأمن القومي المصري، وعلى مفهوم الأمن القومي العربي ووحدة الأمة.
توصيف الموقف الراهن:
• حلب ما زالت تمثل نقطة هشّة في معادلة الاستقرار السوري.
• تعثّر مسار دمج “قسد” في مؤسسات الدولة يخلق فراغًا أمنيًا قابلاً للتنفيذ.
• تراجع الدور الأمريكي المباشر يقابله سعي قوى أخرى لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه.
• إسرائيل تستفيد استراتيجيًا من استمرار التفكك السوري ومنع تعافي الدولة.
تقدير الدور الإسرائيلي:
تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن إسرائيل:
• تستفيد من أي صراع داخلي سوري يُضعف الدولة المركزية.
• تعمل على منع تشكّل جيش سوري قوي ومستقر.
• ترى في الانقسامات أداة لاستمرار عدم الاستقرار.
• تستهدف إبعاد سوريا عن أي دور فاعل في منظومة الأمن القومي العربي.
وبالتالي فإن استمرار التوتر في حلب يخدم بشكل غير مباشر العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على تفكيك المحيط العربي.
التداعيات على الأمن القومي المصري:
يمس المشهد السوري الأمن القومي المصري عبر الآتي:
١- تهديد استقرار سوريا كعمق استراتيجي للأمن المصري.
٢- إعادة إنتاج بيئات الإرهاب العابر للحدود.
٣- إضعاف منظومة الأمن القومي العربي الجماعي (الذي أكدنا عليه مرارًا في تقاريرنا الصادرة عن مركز رع للدراسات الاستراتيجية).
٤- تشجيع سيناريوهات التفكيك في دول عربية أخرى.
وتؤكد التجربة أن إضعاف الدول العربية يصب مباشرة في صالح إسرائيل.
التداعيات على وحدة الأمة العربية:
• استمرار الأزمة السورية يُضعف فكرة التضامن والتحالف العربي.
• يزيد من نفوذ القوى غير العربية في المنطقة.
• يرسّخ منطق الصراعات بدلًا من الأمن المشترك.
• يُضعف أي مشروع مستقبلي لتوحيد الموقف العربي.
السيناريوهات المحتملة:
١- احتواء تدريجي عبر دمج قسد ودعم عربي للدولة السورية (سيناريو إيجابي).
٢- استقرار هش ببقاء التوترات دون انفجار شامل.
٣- تصعيد مستمر وتوظيف التوترات كورقة ضغط إقليمي (سيناريو خطير).
توصيات استراتيجية:
على المستوى المصري:
• الاستمرار في دعم وحدة الدولة السورية ومؤسساتها.
• تعزيز الدور المصري كوسيط إقليمي داعم للاستقرار.
• ربط إعادة الإعمار بالاستقرار لا بالاستقطاب.
على المستوى العربي:
• بلورة موقف عربي موحّد ضد أي مشاريع تقسيم.
• دعم مسار دمج القوى المسلحة في الجيش السوري.
• تفعيل آليات الأمن القومي العربي المشترك.
على المستوى الإقليمي:
• تحجيم الدور الإسرائيلي سياسيًا ودبلوماسيًا.
• منع التدخلات الخارجية في الصراعات الداخلية العربية.
• دعم الحلول السياسية الوطنية الشاملة.
في النهاية، يمكن القول إن استقرار سوريا ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية للأمن القومي المصري والعربي، وأي فشل في احتواء التوترات الحالية، خاصة في حلب، سيؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى، وتعميق النفوذ الإسرائيلي، وإضعاف فكرة الدولة الوطنية العربية.