معرض القاهرة للكتاب.. فخر الثقافة المصرية وتحديات التنظيم خارج الأسوار

عرس ثقافي عالمي على أرض مصر
يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب أحد أبرز وأهم الفعاليات الثقافية في المنطقة العربية والعالم، وهو حدث سنوي لا يمثل مجرد تجمع لدور النشر، بل تظاهرة حضارية تعكس مكانة مصر الثقافية والتاريخية. في دورته الحالية (الدورة ٥٧ / ٢٠٢٦) شاركت نحو 83 دولة، وضم المعرض أكثر من 1,457 جهة عارضة ما بين دور نشر وهيئات ومؤسسات ثقافية، إلى جانب آلاف العارضين، في مشهد يؤكد أن القاهرة لا تزال عاصمة الثقافة والفكر. هذا الحضور الدولي المكثف مقرونًا بالإقبال الشعبي اللافت جعل من المعرض لوحة إنسانية نابضة بالحياة، يلتقي فيها القارئ المصري بنظيره العربي والأجنبي في مكان واحد عنوانها المعرفة.
تنظيم داخلي مشرف يعكس احترافية الدولة:
داخل أسوار المعرض كان المشهد مبعث فخر حقيقي؛ تنظيم دقيق، وتوزيع واضح للأجنحة، وسهولة حركة الزوار، وثراء شديد في المعروضات الفكرية والثقافية. كما تميز العُرس الثقافي بندوات نوعية أثرت وجدان الحضور ووسعت آفاق النقاش. وقد تشرفت بدعوتي لحضور ندوة فكرية مهمة أدارها الدكتور أبوالفضل الأسناوي، مدير تحرير مجلة السياسة الدولية والمدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، لمناقشة كتاب: “الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي” من تأليف الدكتور إيهاب خليفة، الصادر عن مركز المستقبل للبحوث والدراسات المتقدمة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وقد جاءت الندوة ثرية وعميقة، ناقشت التحولات الجذرية في طبيعة الصراعات الحديثة، وأكدت الدور المتصاعد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مفاهيم الأمن والحرب.
إشادة بدور مركز المستقبل وإدارته الفكرية الرشيدة:
ولا يفوتني، في هذا السياق، أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور حسام إبراهيم، رئيس مركز المستقبل للبحوث والدراسات المتقدمة، تقديرًا لدوره المحوري والفكري البارز خلال الندوة، وما قدمه من تعليق ثري ورؤى تحليلية عميقة عكست ثقافة واسعة وإلمامًا متنوعًا بقضايا العصر. وقد تميزت إدارته بالاحتواء الواعي للمداخلات التي طُرحت من الحضور، وإتاحة مساحة متوازنة للحوار البنّاء، بما أضفى على الندوة حيوية فكرية وأسهم في تعظيم الاستفادة العلمية منها. ويُحسب له كذلك حرصه الدائم على تقديم محتوى بحثي رصين عبر فعاليات مركز المستقبل، وهو ما لمسته في لقائي بعد انتهاء الندوة، وما قدمه ويقدمه المركز من ندوات متميزة، من بينها ندوة “الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي”، التي تتناول أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في واقعنا المعاصر. إن هذه الجهود المتواصلة تؤكد الدور المهم الذي يقوم به مركز المستقبل للبحوث والدراسات المتقدمة في إثراء الحوار الاستراتيجي والفكري، ورفع مستويات الوعي بالقضايا المستجدة، بما يخدم الباحثين وصنّاع القرار والرأي العام على حدّ سواء.
إقبال جماهيري غير مسبوق ومشهد يبعث على الفخر:
ما لفت الانتباه بشدة هو الإقبال الكبير من جميع الأعمار وشرائح المجتمع المصري؛ الأطفال، والشباب، وكبار السن، والعائلات، والباحثون، والطلاب، إلى جانب حضور ملحوظ للزائرين الأجانب. هذا التنوع يعكس نجاح المعرض في أداء رسالته، ويؤكد أن الثقافة لا تزال حاضرة بقوة في الوعي المصري.
أجنحة وطنية مشرفة:
استوقفني كثيرًا جناح وزارة الدفاع المصرية بما يحمله من تاريخ عريق ورسالة وطنية واضحة، فضلًا عن تفهم وحسن تعامل الضباط القائمين على العرض وحرصهم على الشرح والتوضيح. كما كان جناح وزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية نموذجًا للعرض المؤسسي المنظم، إلى جانب العديد من دور العرض الأخرى التي لم تُسعفني الظروف للمرور عليها جميعًا، وهو ما يعكس ضخامة الحدث وتنوعه.
لكن خارج الأسوار الصورة لم تكتمل:
رغم هذا النجاح اللافت داخل المعرض، إلا أن المشهد خارج أسواره كان مقلقًا ومثيرًا للتساؤل، خاصة فيما يتعلق بعدم التنظيم المروري وغياب التخطيط المسبق.
١. أزمة مرورية غير مبررة: فوجئت بوجود إغلاقات مرورية مفاجئة حول أسوار المعرض، حيث تم غلق أحد الشوارع الحيوية وتحويل الحركة بالكامل إلى اتجاه واحد فقط، لا يتجاوز عرضه نحو 6 أمتار، رغم الكثافة الشديدة للسيارات ووسائل النقل والمشاة. هذا القرار أدى إلى تكدس مروري فوق الوصف، لم أشهد له مثيلًا من قبل، خاصة في محيط فعالية يُفترض مسبقًا أنها تستقبل مئات الآلاف من الزائرين مستقلين سيارات عامة وخاصة يوميًا.
٢. تعليمات دون مرونة أو تفسير: عند التوجه للطريق المغلق بسيارتي، لم أُفصح عن صفتي كضابط سابق بالقوات المسلحة، وهو نهج شخصي أحرص عليه دائمًا رغبة في رؤية الواقع كما هو دون أي امتيازات. أفادني الجندي بأن الغلق تنفيذًا لتعليمات، وقد بدا عليه الإرهاق من تكرار الإجابة وعدم الرغبة في الدخول في نقاش. ثم فوجئت بضابط برتبة نقيب يؤكد أن الغلق تعليمات، وعندما أوضحت له حجم التكدس في الاتجاه الآخر، الذي هو على مشهد ومسمع منه، وعلمت أنه ليس مختصًا بالمرور، حيث أشار إلى أن القرار صادر من القيادات الأعلى. وهنا يبرز التساؤل المشروع: هل من المنطقي غلق شريان مروري رئيسي في محيط حدث ثقافي دولي بهذا الحجم؟
٣.غياب التخطيط المسبق للمناسبات الكبرى: المعرض حدث سنوي معروف التوقيت والحجم، فهل لم يتم وضع سيناريوهات مرورية مسبقة؟ وهل لم تتم دراسة الكثافات المتوقعة؟
وهل الإغلاق كان الحل الوحيد بدلًا من التنظيم والتيسير؟
الأمر لا يتعلق بمخالفة أو تقصير فردي، بل يبدو كأنه قصور في الرؤية التخطيطية، وهو ما أسفر عن صورة غير حضارية أمام الضيوف الأجانب ورواد المعرض من خارج مصر.
إيجابيات وسلبيات ورؤية للتطوير:
تتمثل الإيجابيات فيما يلي تنظيم داخلي مشرف، وتنوع ثقافي دولي واسع، وبرنامج ندوات ثري وعميق، وحضور جماهيري كثيف يعكس وعي المجتمع.
أما السلبيات فكان أهمها غياب خطة مرورية واضحة، وإغلاقات غير مبررة للشوارع الحيوية. هذا بالإضافة إلى تكدسات شديدة أثرت على تجربة الزوار.
توصيات عملية للمستقبل:
١- إعداد خطة مرورية متكاملة قبل انطلاق المعرض.
٢- التنسيق الكامل بين الجهات الأمنية والمرور.
٣- الاعتماد على تنظيم الحركة بدلًا من الغلق الكامل.
٤- توفير مسارات بديلة واضحة ومعلنة.
٥- مراعاة البعد الحضاري لصورة مصر أمام ضيوفها.
في النهاية، يبقى معرض القاهرة الدولي للكتاب فخرًا لكل مصري، وصورة ناصعة لقوة مصر الثقافية وريادتها الفكرية. وإذا كانت هناك ملاحظات، فهي من باب الحرص على النقد البناء لا الهدم، إيمانًا بأن مصر بتاريخها وحضارتها وإنجازاتها تستحق دائمًا الأفضل. والمعرض مستمر حتى الثلاثاء القادم، وهو ما يفتح المجال لتدارك هذه الملاحظات وتصحيح ما قد يكون جانبه الصواب، حتى يكتمل المشهد الحضاري كما يليق بمصر أم الدنيا.