الأمة بين خناجر الغدر ووهم الوحدة.. قراءة واقعية في مسار التفتيت وأمل النهوض من قلب مصر

التاريخ لا ينسى والواقع لا يرحم
ما نشهده اليوم من تمزق في الجسد العربي، ومن نزيف متواصل في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والعراق، ليس وليد لحظة، بل هو نتاج مشروع استعماري بدأ منذ عام 1907م، حين اجتمع وزراء خارجية الدول الاستعمارية الأوروبية في مؤتمر لندن، ليخرجوا بقرار واضح:
يجب إبقاء هذه المنطقة متخلفة، مفككة، متناحرة، تُدار بصراعاتها الداخلية، ويُمنع عنها التوحّد أو التقدّم.
فجاء بعدها وعد بلفور المشؤوم عام 1917م، وإعلان قيام دولة لليهود في قلب فلسطين، ليكون هذا الكيان الغاصب خنجراً دائماً في ظهر العرب والمسلمين. خنجر لا يُستخرج بالتهدئة، بل يزداد عمقاً مع كل تراجع، وكل تفرّق، وكل تطبيع.
وما اتفاقية سايكس بيكو إلا مسماراً آخر في نعش الوحدة، حين قُسّمت الأمة إلى دويلات بلا هوية، وحدود بلا سيادة، وشعوب بلا صوت، ورايات بلا راية جامعة.
مصر قلب العروبة النابض ودرعها الحصين:
مصر لم تكن يوماً عاصمة عادية، بل كانت دوماً قلب الأمة وعقلها وجدارها المتين. هي الأرض التي واجهت الحملات الصليبية، وردّت العدوان المغولي، وأسقطت أحلام إسرائيل في سيناء، وأجبرت العالم على احترام القرار العربي حين امتلكت زمام الحرب والسلام.
واليوم، تؤكد مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي أنها الدولة المحورية والقيادية في العالم العربي، والتي تتحرك بعقل راشد لا ينجرّ خلف الشعارات، بل يقود من موقع الفعل لا رد الفعل. ففي الوقت الذي تتمزق فيه بعض الأنظمة تحت الضغوط الدولية، تحافظ مصر على ثوابتها القومية والإسلامية، وترعى المصالحة الفلسطينية، وتدافع عن الأمن القومي العربي من بوابة غزة، وتمد يدها للأشقاء دون أي أجندات.
لقد أثبتت مصر أن الدولة العاقلة القوية هي التي تدير الملفات الحساسة دون أن تتاجر بها أو تهملها، وأن القيادة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالحكمة في اتخاذ القرار، والقدرة على الإنجاز دون ضجيج.
غزة لا تنتصر إلا بوحدة أبنائها:
إن ما يحدث في غزة اليوم من عدوان همجي صهيوني مدعوم بصمت دولي، ليس إلا نتيجة لتراكم الانقسام، وتعدد الأجندات، وتراجع المشروع الوطني الجامع. الفصائل الفلسطينية اليوم مطالبة بأن تفهم الحقيقة الكبرى:
العدو لا يخشى السلاح الفلسطيني بقدر ما يخشى وحدته. فليكن الخلاف في التفاصيل لا في الثوابت، ولتجتمع حماس وفتح والجهاد والجبهة الشعبية وكل القوى الوطنية تحت راية فلسطين لا راية الفصائل.
ومصر التي دفعت دماءً زكية من أبنائها من أجل فلسطين، تقدم اليوم كل جهودها لإعادة اللُحمة الفلسطينية من منطلق عربي قومي إسلامي، وليس من منطلق الوساطة أو الحياد.
قادة العرب •• آن أوان صناعة التاريخ لا انتظاره:
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل التردد، ولا تسمح بالحياد، ولا ترحم من يتقاعس. الدم الفلسطيني يُراق أمام الجميع، وكرامة الأمة تُنتهك في كل شبر، والأقصى يُهوّد علنًا، بينما تُختزل المواقف في بيانات مكررة لا تسمن ولا تغني من جوع. فلنكن كما كان التاريخ يشتهي منا: صلاح الدين في عزيمته وشجاعته. وعبد الناصر في وحدويته وزعامته، والسادات في حسمه وجرأته، والملك فيصل في كرامته وموقفه من الغرب. والشيخ زايد في توحيده وشجاعته. والسلطان قابوس في توازنه ووعيه، والملك عبد الله الثاني في ثباته على القدس. والرئيس عبد الفتاح السيسي في ثباته العسكري والسياسي، وقدرته على إدارة الملفات الشائكة بحكمة الدولة الراشدة لا بردود الفعل المرتبكة.
توصيات قد تكون قابلة للتنفيذ:
1. مبادرة مصرية عاجلة لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بتمثيل عادل. وتحديد جدول زمني للانتخابات الشاملة. وإشراف عربي – مصري مباشر على تنفيذ الاتفاق.
2. جبهة عربية – إسلامية للدفاع عن القدس. تفعيل عمل قانوني دولي لمحاكمة الاحتلال على جرائمه. وإطلاق حملة إعلامية عالمية بلغة القانون وحقوق الإنسان.
3. تحالف استخباراتي عربي دائم، تشكيل غرفة عمليات مشتركة لمكافحة حروب الجيل الخامس والتغلغل الإسرائيلي في العمق العربي.
4. إنشاء قناة فضائية عربية رسمية ناطقة باللغات العالمية، هدفها سرد الرواية العربية من مصدرها. وتُدار باحتراف، وبعيدة عن الخطابات المتشنجة أو السطحية.
5. تمكين مصر من القيادة بلا تردد، مع دعم عربي شعبي ورسمي لدور مصر كقائد طبيعي للأمة. واعتبار الأمن القومي المصري جزءاً لا يتجزأ من أمن الأمة العربية.
6. تفعيل القوى الشعبية دون فوضى، ودعم المبادرات المختلفة المؤمنة بالقضية. مع فتح المساحات الإعلامية أمام النُخب الواعية والمثقفة والمستقلة.
لقد آن الأوان للفعل لا البكاء على الأطلال، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
والتغيير يبدأ من الداخل، لا من قرارات الأمم المتحدة، ولا من مبادرات الغرب الذي لا يعرف سوى لغة المصالح. فإما أن نكون الأمة التي أرادها الله: واعية بمصيرها ومتمسكة بثوابتها، موحدة في قضاياها، عادلة في حكمها، صادقة في مواقفها أو نُترك للذل والتمزيق، كما أراد لنا أعداؤنا.
فلنكن من القلة القوية لا الكثرة الهزيلة.﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].